الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإنفاق الحكومي , ومعضلة التشغيل في القطاع الخاص

الإنفاق الحكومي , ومعضلة التشغيل في القطاع الخاص

محمد عبد الصادق

” إذا استمر ضغط الإنفاق الحكومي على هذه الوتيرة , سيتم تسريح المزيد من الأيدي العاملة بالقطاع الخاص, وسيشعر المسرحون بمرارة التمييز بينهم وبين العاملين في الحكومة والقطاع العام؛ حين يرونهم ينعمون بالراتب المضمون والاستقرار والأمان الوظيفي المفقود في القطاع الخاص, وسيترتب على هذا الخلل عقدة لدى الشباب وحالة عزوف عن الالتحاق بالوظائف التي يتيحها القطاع الخاص مستقبلاً خوفاً من شبح التسريح,”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تأثرت دول العالم شرقه وغربه بالأزمة الاقتصادية الناتجة عن تراجع أسعار النفط وخصوصاً الدول التي تعتمد إيراداتها بشكل كبير على هذه السلعة والتي عانت عجزاً كبير في ميزانياتها, واضطرت الحكومات المتضررة لتقليص نفقاتها لسد جزء من هذا العجز, وللأسف كان القطاع الخاص في هذه الدول هو المتضرر الأكبر لخفض الإنفاق الحكومي, لاعتماده بشكل كبير على الحكومة فيما تطرحه من مشروعات ومناقصات وخدمات, فعندما تباطأت المشاريع وتقلصت المناقصات وتراجعت الخدمات, تأثر نشاط القطاع الخاص, ولأن رأس المال جبان ـ كما يقولون ـ اضطرت كثير من الشركات والمؤسسات الخاصة تحت ضغط الأزمة وخوفاً من تآكل رؤوس أموالها لوقف أو تقليص أعمالها , والتضحية بالأيدي العاملة (الحلقة الأضعف في المنظومة الاقتصادية).
إذا استمر ضغط الإنفاق الحكومي على هذه الوتيرة , سيتم تسريح المزيد من الأيدي العاملة بالقطاع الخاص, وسيشعر المسرحون بمرارة التمييز بينهم وبين العاملين في الحكومة والقطاع العام؛ حين يرونهم ينعمون بالراتب المضمون والاستقرار والأمان الوظيفي المفقود في القطاع الخاص, وسيترتب على هذا الخلل عقدة لدى الشباب وحالة عزوف عن الالتحاق بالوظائف التي يتيحها القطاع الخاص مستقبلاً خوفاً من شبح التسريح, وتأخر الرواتب وتقلص الخدمات والميزات بمجرد حدوث أزمة أو هزة بالأسواق ليس للعامل دخل في وقوعها.
يحدث هذا في الوقت الذي تعاني فيه معظم الدول النفطية من تكدس الجهاز الإداري للدولة بالموظفين, وضغط أعباء الأجور والمرتبات على الميزانيات الحكومية, وفي الوقت الذي مازلنا نسمع فيه عن الخطط والبرامج الحكومية لتشجيع القطاع الخاص على العمل والتوسع لاستيعاب الأيدي العاملة الداخلة كل عام لسوق العمل , وفي وقت تخلصت فيه معظم حكومات العالم من عبء التشغيل والتوظيف وأسندته للقطاع الخاص؛ بعدما تبين لها صعوبة قيام الدولة بدور الصانع والتاجر والزارع.
كما أن الخريطة الاقتصادية اختلفت عن التعريف القديم المستقر في الأذهان, الذي كان يعتبر الأنشطة الصناعية والزراعية والتجارية هي عماد الاقتصاد وركيزة الدخل القومي, ولكن تبين أن قطاع الخدمات بكل مايشمله من أنشطة ومهن وكيانات يمثل أكثر من 70% من الدخل القومي لمعظم الدول, وهذا القطاع يشمل خدمات الاتصالات والنقل والمواصلات والبريد والسياحة والسفر والفندقة والمطاعم والمقاهي ووسائل الترفيه والثقافة والطباعة والنشر, وقطاع البنوك و الصرافة والمؤسسات التعليمية والصحية ومؤسسات التدريب والتأهيل, ومراكز الصيانة وصولاً لصالونات الحلاقة ومحلات التفصيل وكي الملابس, ويتميز هذا القطاع بقدرته على استيعاب عدد كبير من الأيدي العاملة, ولكن يعيب هذا القطاع ـ في بلادنا على وجه الخصوص ـ أنه سهل التأثر بحالات الازدهار والاندحار الاقتصادي وعدم قدرته على تحمل الضغوط التشغيلية و تأمين الأجور والمرتبات للعاملين فيه واعتماده بشكل مبالغ فيه على الإنفاق الحكومي.
التحديات التي تواجهها الدول النفطية تحتم عليها تغيير نمط الدولة الأبوية, والتحول من اقتصاد يعتمد على النفط في توفير الوظائف والدعم والإنفاق الترفي واستقدام الأيدي العاملة الوافدة الرخيصة, إلى اقتصاد منتج قادر على النمو المستدام, اقتصاد يصنع ثروته بسواعد مواطنيه, وأولى خطوات رحلة التحول هو خلق البيئة الملائمة للقطاع الخاص للعمل ورفع الإنتاج والإسهام الحقيقي في الدخل القومي دون الاعتماد على الدولة التي يجب أن يقتصر دورها على التنظيم والرقابة والتخطيط.
من أكثر القطاعات التي تضررت من ضغط الإنفاق الحكومي, قطاع البناء والمقاولات الذي اعتمد بشكل مباشر و لسنين طويلة على ميزانية الدولة, وتحول في معظمه لـ(مقاول من الباطن) ينفذ ما تطرحه الحكومة من مشاريع, دون أن يكون منتجاً للمساكن الميسرة ذات التكلفة الاقتصادية المعقولة التي يستطيع تسويقها بسهولة وتحقيق ربح يساعده في تسريع دورة رأس المال, أو ينشئ طرقاً وبنية أساسية يتم استثمارها بنظام حق الانتفاع (بي أو تي) لفترة زمنية محددة تدر عليه إيرادات ثابتة تمكنه من الاستثمار في مشاريع مستقبلية, بدلاً من أن يحصر نفسه في دور “السمسار” أو الدوران في فلك المضاربات و”تصقيع” الأراضي غير مأمونة العواقب.
في ظل المتغيرات الاقتصادية المستقبلية والآنية يجب أن يكون القطاع الخاص قاطرة التنمية, ويجب أن يستقل عن الحكومة بالبحث عن مصادر تمويل مستدامة سواء عن طريق البنوك أو صناديق التمويل أو طرح أسهمه في البورصة, ولابد من تطبيق معايير الحوكمة وفصل الإدارة عن الملكية, والمحافظة على حقوق العمال, وسداد حق الدولة من ضرائب وجمارك وتكلفة حقيقة للخدمات وفقاً للقانون.
يجب مصارحة المواطنين بحقيقة الأوضاع والمخاطر الاقتصادية المحدقة وأن سعر النفط قد لايعود لمستوياته السابقة وأن استمرار الدولة في توفير الوظائف والخدمات المجانية لم يعد ممكنا, وأنه لا بديل عن بدء إجراءات صعبة من شأنها التأثير على مستوى الرفاه لمعظم المواطنين , كتقليل الدعم عن المحروقات والكهرباء والمياه وتحريك أسعار بعض الرسوم والخدمات الحكومية , وفرض ضرائب على الأرباح التجارية والصناعية.
والخطوة الأهم والأكثر تأثيراً لبناء جسور الثقة بين المواطن والدولة في مواجهة التحديات الراهنة؛ هي محاربة الفساد حتى يتقبل المواطن راضيا المساس بالدعم والمزايا التي تعود الحصول عليها, دون أن يتبرم ويردد العبارة المألوفة:”لماذا أتحمل أنا فاتورة الأزمة الاقتصادية بينما الفاسدون مستمرون في استنزاف أموال الدولة ” لذلك لابد من الإعلان عن خطوات عملية تبث الاطمئنان لدى المواطنين بأن الفساد لن يكون له مكان , مثل تفعيل قانون كشف الذمة المالية لمتابعة حسابات وأرصدة المسؤولين الحكوميين , وتقديم سّراق المال العام للمحاكمة مهما كانت مناصبهم , ومعاقبة من تثبت عليه التهمة والتشهير به بعد صدور حكم نهائي حتى يكون عبرة لغيره , وحتى تزيد ثقة المواطن في أنه لا حماية لفساد أو مفسدين وأنه لا أحد فوق القانون.

إلى الأعلى