الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع .. فضائح الحكومة التركية .. لا جديد

شراع .. فضائح الحكومة التركية .. لا جديد

خميس التوبي

ما تسرب من فضائح على اليوتيوب عن اجتماع لأركان أمنية وسياسية في حكومة حزب العدالة والتنمية التركية بوزارة الخارجية لإعداد مؤامرة ضد سوريا تسمح بشن عدوان تركي على سوريا، ليس جديدًا ولا حتى مثيرًا للدهشة، وإنما يأتي في إطار الدور المنوط بتركيا من قبل القوى الاستعمارية كقوة إقليمية لديها الإمكانات وتحظى بالمقبولية لدى دول المنطقة لكي تلعب الدور الوازن في تأمين بقاء كيان الاحتلال الصهيوني وتأمين الغطاء السياسي والشرعي لهذا الكيان الغاصب، لا للاعتراف به من قبل دول المنطقة فحسب، وإنما ليكون شرطي المنطقة في إطار ما سمي بمشروع الشرق الأوسط الكبير.
بعد احتلال الولايات المتحدة ومن معها من القوى الذيلية لأفغانستان والعراق عهدت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش “الصغير” إلى تركيا ـ أردوغان بمواصلة الدور الممهد للاستمرار في رسم خريطة المنطقة يضمن بقاء كيان الاحتلال الصهيوني وتنصيبه شرطيًّا على المنطقة، ويضمن لتركيا دورًا أكبر، ما مثل التقاء بين الفكر الغربي الاستعماري المتطلع إلى الحفاظ على رأس حربته المتمثلة في كيان الاحتلال الصهيوني وبين الأحلام الأردوغانية بإعادة أمجاد الدولة العثمانية.
لقد شكلت القضية الفلسطينية والعزف على أوتار المشاعر والعواطف للجماهير العربية المتطلعة إلى نصرة الشعب الفلسطيني، البوابة العريضة لتركيا ـ أردوغان للوصول إلى قلوب الجماهير العربية وعواطفها المتعطشة إلى قوة أو رجل في قامة جمال عبدالناصر يصنع التاريخ ويعيد للأمة عزتها وكرامتها ومجدها، فكانت العنتريات الأردوغانية واللعب بعواطف الشعوب العربية أسطوانات يُتغنى بها ويروجها الإعلام العربي ممثلًا ببعض قنواته المشبوهة، بالعزم على تسيير سفن حربية لكسر الحصار عن قطاع غزة. حيث يبدو أن حادثة السفينة مرمرة باعتداء الصهاينة عليها في المياه الدولية تبدو وكأنها حلقة في إطار استكمال الحبكة الدرامية أو بالأحرى المسرحية الهزلية، الأمر الذي يثير الشك من حيث إن قضية السفينة قد يكون وراءها دور استخباراتي فرضته طبيعة المرحلة ومتطلبات الإخراج المسرحي اللازم والمتقن آنذاك، وقد تكون القضية أمرًا عفويًّا لكن التوقيت تم اختياره للمنظمين لرحلة السفينة.
إن جدلية الدور المخفي لتركيا في المنطقة أمر وارد في ظل الاصطفافات المختلفة، إلا أنه يمكن للمتابع المتمعن في دقائق الأشياء وتفاصيل الأحداث أن يستقرئ الدور التركي ليستبين خيوط الحقيقة، ولعل الأزمة السورية كشفت طبيعة هذا الدور وحقيقته بما لا يدع مجالًا للشك. فتطور الأوضاع حاليًّا على الصعيد الميداني السوري وخاصة من الناحية الشمالية المحاذية لتركيا في كسب واللاذقية، يبرز بصورة لافتة تدخل الحكومة التركية غير المسبوق في الشأن الداخلي السوري، التي تنطلق في تدخلها من خلفيتين اثنتين هما:
الأولى: عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي، ذلك أن هذه العضوية في الحلف (رفض انضمامها للاتحاد الأوروبي لضمان تبعيتها)، له أهدافه العسكرية والسياسية؛ بحيث تكون للحلف الأطلسي “ناتو” قاعدة له في المنطقة لحماية كيان الاحتلال الصهيوني وقدرة الحلف على التدخل السريع. وخلال الأزمة السورية أكدت تركيا ـ أردوغان دورها المنوط بها وولاءها لكيان الاحتلال الصهيوني وحلفائه من القوى الاستعمارية الغربية الامبريالية، سواء باحتضان العصابات الإرهابية وإقامة معسكرات تدريب وتسليح وفتح الحدود لإدخالها لإبادة الشعب السوري وتدمير البنى التحتية لسوريا، ونهب المصانع وتخريبها كما هو حال مصانع حلب وآلات الحفر واستخراج النفط وتخريب أنابيب النفط والغاز وتدمير الزراعة، أو اختلاق الذرائع التي تبرر شن عدوان على سوريا أو القيام بعمل استفزازي للبناء عليه على النحو الذي رآه الجميع من انتهاك مقاتلة تركية للسيادة السورية أسقطتها المضادات السورية، لتستخدم ذريعة لنصب بطاريات صواريخ للحلف الأطلسي بالقرب من الحدود السورية تحت ذريعة حماية الأراضي التركية، في حين أن الهدف هو إقامة درع صاروخية مضادة في المنطقة لحماية كيان الاحتلال الصهيوني.
ولذلك فإن زج حكومة العدالة والتنمية للجيش التركي في الأزمة والدفع به لفتح جبهة شمال سوريا وشن عدوان على كسب واللاذقية والقيام بإسناد ناري مكثف لعشرات الآلاف من الإرهابيين والتكفيريين والمرتزقة واشتراك عناصر من الجيش التركي مع تلك العصابات وإسقاط طائرة سورية، كل ذلك يتم في إطار عضوية الحلف، والإيعاز للحكومة التركية بالعدوان على سوريا نيابة عن كيان الاحتلال الصهيوني ظنًّا بأن لا يثير العدوان التركي ردات فعل عربية. واللافت هنا أنه بمجرد قيام حكومة العدالة والتنمية بهذا التدخل السافر والمشين تحرك كيان الاحتلال الصهيوني نحو بحث تعويضات قتلى سفينة مرمرة لتبريد الجبهة الداخلية التركية ولتفادي أي ردات فعل من قبل الشعب التركي الذي يساق إلى أتون مواجهة مع الشعب السوري الذي تربطه به علاقات جوار وإسلام وترابط اجتماعي وثقافي، مع أهمية الإشارة إلى أن هذا التدخل التركي السافر هو أحد أوجه الرد على روسيا على خلفية الأزمة الأوكرانية مع الغرب، علمًا أن الدور التركي مرشح لمزيد من التصعيد وذلك باحتمال قيام الحكومة التركية بإغلاق مضيق البوسفور لمنع مرور السفن الروسية أو إخضاعها للتفتيش تنفيذا للمطالب الغربية.
الثانية: المرجعية الدينية الإخوانية لحزب العدالة والتنمية، وتفجر الصراع بين الأجنحة الداعمة للعصابات الإرهابية في سوريا، وخسارة الحكومة التركية ذات الهوية الإخوانية لنظيرتها في مصر وتراجع القوى المؤيدة والداعمة لمعسكر الإخوان أمام القوى الأخرى المضادة ذات النهج التكفيري المتطرف أو المتبنية والداعمة له. ولما شعرت القوى المشكِّلة لمعسكر الإخوان بالتراجع في أكثر من جهة وبلوغها حافة الهاوية والسقوط، أخذت بزمام المبادرة من أجل البقاء في السلطة والحضور المؤثر على مسرح الأحداث منها من يتكفل بالمال الذي أصبحت كثرته عبئًا على أصحابه، ومنها من يتكفل بالتجنيد والسلاح والإسناد، ولكن أين؟ للأسف في سوريا وعلى جثث الشعب السوري وعلى حساب دمائه واستقراره وأمنه ومعيشته ومدنه وقراه، اعتقادًا منها أنها يمكن أن تهزم خصومها في سوريا لترد عليها الصاع صاعين.
إذن، المشهد في سياق أحداثه يبرز تنافسًا محمومًا وشرسًا وغير أخلاقي انحطاطيًّا بكل ما تحمله الكلمة من معنى بين القوى الداعمة للإرهاب في سوريا ومن يمكنها الظفر بالمباركة الصهيونية واستحقاقه شهادة سلوك، وتسعى قوى كل معسكر إلى تصفية قوى المعسكر الآخر أو تحجيمها مع اتفاقها جميعًا على وجوب تحويل سوريا إلى أطلال. ولهذا فإن الفضائح لن تقتصر على طرف داعم للإرهاب بعينه.

إلى الأعلى