الجمعة 15 ديسمبر 2017 م - ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: يا لنا من أمة تعشق انقسامها!

باختصار: يا لنا من أمة تعشق انقسامها!

زهير ماجد

دقت ساعة الزمن فإذا بالسادس عشر من مايو 1916 موعدا بين سايكس وبيكو الانكليزي والفرنسي، والغرض من اللقاء تقسيم المنطقة العربية. بكل بساطة امسك الطرفان القلم وراحا يرسمان هنا ويقطعان هناك، يشطبان تلك المدينة من ارتباطها العضوي ليضعاها في مكان آخر .. لم يكن احد من العرب يدري ماذا يحصل بين الرجلين، غياب كامل يكاد ان يكون حتى عن الوعي من رجال امة تخرج لتوها من الغياب الذي حدث اثناء الوجود العثماني البغيض.
مائة سنة مرت على هذه الحادثة، فإذا بما هو ابشع يحدث حين تنطح البريطاني بلفور ليهدي اليهود وعدا بإقامة دولة لهم، أين (!!) في فلسطين. ضربتان في وقت واحد لا فاصل زمنيا بينهما الا بضعة شهور.. مما يؤكد كم هو الاستهتار الغربي بتلك المخلوقات الإنسانية التي تعيش على مساحة واسعة من دنيا العرب.
كان ظلما، لكن العرب استأنسوا بتلك القسمة، حملوها أبا عن جد ولم يناقشوا لأنهم لم يعرفوا الحقيقة، ولولا الدولة الروسية الشابة التي قادها لينين عام 1917 لما افتضح امر التقسيم. اراد النظام الشيوعي الروسي الجديد التقرب من العرب فأهداهم ذلك الكشف الذي لم يحرك فيهم همة ولا حراكا. كأن التقسيم كان مطلبهم، فلكل مساحته وحلمه بأن يعين اميرا أو واليا عليها.
بعد مائة عام، نفتح الوثائق الأخرى، فطالما انتعشت الأمة بتقسيمها، فلماذا لا تقسم اكثر، وهكذا نجد في خزائن الغرب اكثر من تجزئة جديدة .. لعلي قدمت في احدى الدراسات تفاصيل منها وهي كثيرة، واعتقد ان في كل داخل غربي فقيه بالسياسة الشرق اوسطية خارطة جديدة لعالم عربي مختلف عما جاء في سايكس بيكو، اي زيادة في تقسيم المقسم وتجزيء المجزأ، الأمر الذي ربما يبعث ايضا على فرح البعض العربي من نيله مكانة متقدمة ان حصل هذا الأمر وتم تنفيذه في المستقبل.
وليس التقسيم ايضا “هدية” للأمة، ففي الوقت الذي تحقق وصارت هنالك دول مأخوذة أو طالعة من رحم الأم، سرقت تركيا لواء الاسكندرون ايضا من سوريا، فكان حدثا ننساه اليوم لكنه لن ينسى ابدا .. واذا بجرح كبير يقع في قلب الأمة حين سطت العصابات الصهيونية على فلسطين واقامت كيانا لها ما زال شاهدا على كيفية العبث بهذه الأمة التي تحركت كلها لتخوض حرب استرجاع فلسطين بـ 29 الف رجل مقابل 63 الف يهودي، فكانت الخسارة المضاعفة وذهبت فلسطين لنندب حظا ونحن لا نؤمن بالحظوظ، بل بالقدرة والامكانية والتضحية والوفاء لدم الشهداء …
اليوم هنالك ما هو ابشع من نكبة فلسطين، دول عربية يريدون لها ان تعود إلى مبضع جديد مراده اكثر تمزيقا لأوطان عربية كأنها ملت من نفسها فأرادت البحث عن شكل مختلف. بعض الشعوب العربية تحمل السلاح ضد بلادها كما يحدث في سوريا والعراق وليبيا ومصر وغيرها .. عرب يتقاتل ببعضه، في حين ما زال العسكر الصهيوني يكبر وينال مبتغاه من اعتى انواع السلاح، ليصل إلى هدفه وشعاره المعروف، وهو قد وصل إليه ببساطة السياسة، وبتحالفات غير مرئية مع ابناء المنطقة.
مائة عام على سايكس بيكو، كأنه البارحة، وما زالت السكاكين تجرح جسد الأمة التي تنطق دما في بعضها دفاعا عن آخر متر من ارضها العزيزة الواحدة الموحدة.

إلى الأعلى