الإثنين 18 ديسمبر 2017 م - ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: جلسة حوارية طرقت على أوتار حساسة

رأي الوطن: جلسة حوارية طرقت على أوتار حساسة

مناقشات الجلسة الحوارية “السياسات الاقتصادية الكلية لمواجهة انخفاض أسعار النفط” التي نظمها مجلس الشورى بهدف الوصول إلى رؤية مشتركة لتبني أفضل الخيارات على المديين القريب والبعيد، تمت في إطار دوره الطبيعي فيما يتعلق بمناقشة السياسات والبرامج والخطط الحكومية في مختلف مجالاتها، وإبداء الرأي والمشورة حولها، تعميقًا وتفعيلًا للممارسة الديمقراطية، ومشاركة المواطنين في صياغة كل ما يتعلق بالحاضر والمستقبل، لا سيما في قطاع له أهمية استراتيجية مثل قطاع النفط والغاز، الذي ما زال يسهم حتى الآن بالنصيب الأوفر من الدخل الوطني بنسبة تصل إلى حوالي ثمانين بالمئة أو أكثر، مع طموحات لتعظيم الاستفادة من هذه الثروة الطبيعية من خلال مجموعة من الآليات، ومستقبل استخدام جزء منها في صناعات تحويلية متعددة، وفي مجال مشروعات البتروكيماويات العملاقة، وتدارك الأزمة الحالية بالمسارعة نحو ضخ استثمارات هائلة واتخاذ قرارات جريئة، مع أهمية الارتكاز إلى مبادئ الشفافية والصراحة والوضوح بين الحكومة والمجتمع خاصة فيما يتعلق بعملية التوظيف والترقيات بصورة مؤقتة، وضرورة أن يأخذ القطاع الخاص بناصية المبادرة والتحرك نحو الانفتاح الاستثماري.
لقد دارت مناقشات الجلسة أمس الأول حول عدة محاور متعلقة بالسياسات الاقتصادية في ظل انخفاض أسعار النفط العالمية التي شكلت تأثيرًا كبيرًا على الإيرادات العامة للسلطنة منها السياسات المالية التي تم من خلالها طرح الخيارات المتاحة لزيادة الإيرادات غير النفطية، والخيارات المتوافرة لتخفيض الإنفاق العام (الإيجابيات والسلبيات) وخيارات تمويل العجز، وأهمية تضافر الجهود الرامية لتعظيم الاستفادة من هذا القطاع، وزيادة حجم الاحتياطي.
إن بعض التحولات العالمية المؤثرة في اقتصادات المنطقة بشكل عام غالبًا ما يكون مواكبًا لمؤثرات أخرى، مثل انخفاض سعر النفط مع التضخم، وانخفاض أسعار الدولار الذي تقيم به أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية مع تحرك أسعار الطاقة صعودًا، ما يترتب على ذلك عدم تحقيق دخل متوازن بسبب التهام الزيادة في السعر بفعل انخفاض الدولار، وغيرها من المؤثرات، إلا أن هذه المؤثرات ليست حالة طارئة بل إنها متكررة، وبالتالي يفترض على المخططين وراسمي السياسات الاقتصادية على وعي تام بها، وقد وضعوا رؤى استراتيجية منذ أمد بعيد للتغلب على هذه المؤثرات، وللتخلص من وضع التذبذب في الأسعار بالتقليل من الاعتماد على مصدر النفط، والاتجاه نحو الاستثمار في مشتقات (النفط والغاز) في عدد من المشروعات الصناعية، وما هو يعد من أبرز أنماط الاستثمار الأمثل لهذه الثروة الطبيعية، نظرًا لارتفاع قيمة المنتجات المصنعة عن قيمة الخام بالنسبة للنفط، وللمجالات المتعددة مؤكدة الجدوى لاستخدام جزء من الغاز الطبيعي في منتجات صناعية مختلفة تسد احتياجات السوق المحلي، وتسمح بوجود فائض للتصدير إلى الأسواق الخارجية، إضافة لاعتماد الغاز كمصدر هام للطاقة في بعض المشروعات الصناعية الكبرى، بأسعار مخفضة مقارنة بأسعار باقي مصادر الطاقة، وباعتباره وقودًا نظيفًا لا يحدث أضرارًا بيئية.
والمشروعات الصناعية القائمة على النفط والغاز، تشمل مجموعة من الإيجابيات إلى جانب تعظيم الاستفادة من هذه الثروة، منها توطين التقنية المستخدمة في هذه الصناعات، وتدريب المزيد من الكوادر العمانية الشابة عليها، وبالتالي توسيع قاعدة القادرين على التعامل مع التقنيات المتطورة من المواطنين، إضافة إلى توفير المزيد من فرص العمل أمام طالبيه، واستغلال الموقع الجغرافي المميز للسلطنة لتصدير منتجات هذه الصناعات إلى مختلف الأسواق الخارجية، الأمر الذي يفضي بالضرورة إلى تنويع مصادر الدخل الوطني وزيادة عائداتها.
ولذلك من أجل تدارك العجوزات التي تهدد الميزانية العامة للدولة، لا بد من اتخاذ قرارات شجاعة وجريئة لا تمس بالوضع المعيشي للمواطن، وإنما تتعلق بفتح مجالات الاستثمار التي تعد خجولة لأسباب أعلم بها متخذو القرار وراسمو السياسات الاقتصادية، فطبيعة الوضع الاقتصادي للبلاد ـ حسب المتحدثين في الجلسة الحوارية ـ تحتم على صناع القرار استخدام سياسة مالية حكيمة تحفظ التوازن والاستقرار في الاقتصاد، وأهمية أن تكون كل السياسات النقدية في ظل الظروف الراهنة محفزة للنشاط الاقتصادي والنمو من خلال تسهيل التمويل وخفض تكلفته، والعمل على مراجعة سياسات وبرامج وإجراءات التعمين القائمة بهدف ربط نسب التعمين بطبيعة الوظائف والمهن ومستوياتها بدلًا من النسب القطاعية، ووجوب توجيه الاستثمارات العامة والخاصة إلى القطاعات والنشاطات والمشاريع الموفرة لفرص العمل مع تشجيع المستثمرين للاستثمار في المحافظات، وخفض الإنفاق، وإيقاف أو تأجيل المشاريع غير المجدية، فالمسألة غدت مسألة أمن قومي. فالجلسة بقدر ما قدمت حلولًا على بساط الشفافية والصراحة، بقدر ما طرقت على أوتار حساسة تستوجب قوة حضور الحس الوطني والمسؤولية الوطنية والتضحية حفاظًا على مصالح الجيل الحالي ومستقبل الأجيال القادمة.

إلى الأعلى