الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / كم نكبة نحتاج؟

كم نكبة نحتاج؟

د.احمد مصطفي

”هذا العام، والحقيقة في الأعوام الأخيرة وتحديدا منذ ما يسمى الربيع العربي، مرت ذكرى النكبة على استحياء حتى إن كثيرين لم يشعروا بها ولم يعرفوا عنها. ولولا تظاهر بعض الفلسطينيين في الأرض المحتلة وتصدي قوى الاحتلال لهم لما كنت وجدت خبرا في إعلامنا العربي كله تقريبا. طبعا هناك تبريرات وتفسيرات جاهزة لهذا التجاهل لعلامة فاصلة في أهم أزمة في منطقتنا يمكن القول بسهولة أنها أساس كل ما تمر به منذ منتصف القرن الماضي.”

مرت هذا الأسبوع ذكرى يوم النكبة، ذكرى إعلان دولة الاحتلال الاستيطاني على أرض فلسطين عام 1948، دونما اهتمام في إعلامنا. وحتى من اهتم بها لم يلق الاقبال الجماهيري على متابعتها إلا ممن ما زالوا يتذكرون فلسطين وكيف احتلتها عصابات من الإرهابيين جاء بهم الاستعمار من شرق أوروبا ووسطها ليحتلوا الأرض ويستوطنوا فيها بعد طرد سكانها الأصليين (الفلسطينيين) بالإرهاب والحرب. قبل سنوات ليست بالبعيدة كانت تلك الذكرى تعني مظاهرات وفعاليات في عواصم عربية عدة، وليس في فلسطين وحدها، وكتابات ونقاشات تراجع ما كان وتختلف حول ذات المواقف: هل كان العرب مخطئين لعدم قبولهم بالتقسيم؟ هل كان موقف اليسار صحيحا؟ إلى آخر كل ذلك الجدل الذي مهما كان عدم جدواه إلا أنه يبقي القضية حية في أذهان الأجيال الجديدة وينفث بعض احباط الأجيال القريبة تاريخيا نسبيا من النكبة.
هذا العام، والحقيقة في الأعوام الأخيرة وتحديدا منذ ما يسمى الربيع العربي، مرت ذكرى النكبة على استحياء حتى إن كثيرين لم يشعروا بها ولم يعرفوا عنها. ولولا تظاهر بعض الفلسطينيين في الأرض المحتلة وتصدي قوى الاحتلال لهم لما كنت وجدت خبرا في إعلامنا العربي كله تقريبا. طبعا هناك تبريرات وتفسيرات جاهزة لهذا التجاهل لعلامة فاصلة في أهم أزمة في منطقتنا يمكن القول بسهولة إنها أساس كل ما تمر به منذ منتصف القرن الماضي. منها ما هو مغال في الشطط والتبجح ـ وهو رأي موجود حتى من قبل الربيع العربي ـ يقول لك “دعونا من قضية فلسطين التي نستخدمها شماعة نعلق عليها مشاكلنا”. ويذهب فصيل من هؤلاء إلى قول حق يراد به باطل مثل “ماذا جلبت لنا قضية فلسطين سوى مزيد من قمع الحكام وإلهائهم لشعوبهم (من شأن القضية)”. وفي الطرف الآخر من الجدل المتبجح من يتهمك إذا أثرت الموضوع بأنه “لا يقدم ولا يؤخر”، خاصة (الإعلاميين) من هؤلاء الذين يرون أن “مثل تلك الأخبار أصبحت مملة ولا تلائم الأجيال الشابة وتجعلنا نخسر متابعين (حتى انظر ما هو ترندنج على تويتر!)”.
وبعيدا عن تلك الحجج والتبريرات، هناك بعض آخر يحمل قدرا من المنطق يبرر عدم الاهتمام بذكرى نكبة العرب لعام 1948 بينما نكباتهم المستمرة الآن تحصد القتلى من الأبرياء وتشرد الملايين وتدفع غيرهم للموت غرقا في طريق اللجوء. نكبات تكاد تضيع بلادا أخرى مثل فلسطين عبر حروب أهلية وتدخلات خارجية اقليمية ودولية. فمن سيفكر في قضية فلسطين، بعد كل تلك الحروب والمجازر والانتفاضات والمفاوضات والمعاهدات والمؤتمرات والقرارات بينما بلده، أو بلد مجاور لها، يشتعل نارا تقتل مئات الآلاف وتصيب أضعافهم وتشرد الملايين؟ هل سيلتفت كثيرون لمظاهرات ذكرى النكبة في فلسطين وسط أصوات القصف في سوريا والتفجيرات في بغداد والانفجارات في اليمن والأعمال الإرهابية الأخرى في أغلب مدن المنطقة؟ كيف هو المنطق في هذا التفسير الأخير؟ بالضبط كما يقول المثل: النصال على النصال تتكسر. فمع كثرة النكبات، وزيادة حدتها واشتعالها الدائم كحالات مزمنة، لن نتذكر النكبة الرئيسية التي ربما كانت بذرة كل تلك النكبات.
يعرف من درسوا الطب البيطري أن هناك طريقة مثالية للتعامل مع مرضاهم من الحيوانات، خاصة في الجراحات البسيطة أو الحقن بإبر كبيرة الحجم. فبدلا من التخدير بالبنج ـ الذي قد يكون صعبا حقنه ـ يتم تخدير الحيوان بطريقة عكسية وهي إيلامه ألما أشد مما سيصيبه به الطبيب في الجراحة أو الحقن. وغالبا ما يلجأ الطبيب إلى “قرص” الحيوان بقوة وبشكل مستمر (باستخدام أداة مثل الكماشة) في مكان حساس (غالبا خطمه) به نهايات عصبية كثيرة. عندها يمكن أن يفعل الطبيب بالحيوان ما يشاء بينما مريضه “مخدر” بالألم المصطنع. معذرة أن المثال مستوحى مما أعرفه، وليس مقصودا أبدا التشبيه سوى بالإجراء الذي خلاصته: زد النكبات وراكمها فينسى المستهدف نكبته الأساسية.
هل يمكن، بالمنطق أيضا، أن نسحب المثال على التفسير الأخير الذي به قدر من المنطق؟ لا يعني ذلك تفسير مؤامرة، أي أن هناك من “يقرص العرب في الخطم” بإشعال النيران في العراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها لينسوا ذكرى احتلال فلسطين وإعلان الصهاينة دولة في أراضيها. لكن التفسير الآخر، وهو أن العرب انما يجلبون النكبات على أنفسهم بأنفسهم، فلا يستقيم أنهم يفعلون ذلك ليتخلصوا من عبء نكبتهم التاريخية الأكبر. ذلك لأنه، ورغم كل ما تقدم، لا يزال بين العرب ـ وأنا منهم ـ من يعتبر النكبة هي احتلال فلسطين وكل ما أصابنا بعدئذ ليس إلا تبعات كتبعات الزلزال الكبير. وبالنسبة لهؤلاء، حتى وإن كانوا قلة، فكم نكبة نحتاج كي ننسى نكبتنا الأصلية؟ ولا كل نكبات الأرض، ولا كل مسببات الألم، تكفي مخدرا ينسيهم ما يعتقدون فيه.
وعلى ذكر العقيدة، للأسف لم يسهم في تمييع الاهتمام بذكرى النكبة وضياع فلسطين أكثر ممن يرفعون الصوت نحيبا عليها ويلتحفون بشعارات الدين والعقيدة. وللوضوح، كان الإخوان ـ مباشرة وغير مباشرة ـ سببا في فقدان الاهتمام بالنكبة وبضياع فلسطين.

إلى الأعلى