الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث: نحو ركن بالمتاحف لفظاعات الحروب المعاصرة

في الحدث: نحو ركن بالمتاحف لفظاعات الحروب المعاصرة

طارق أشقر

باحتفال الكثير من دول العالم باليوم العالمي للمتاحف الذي يصادف الثامن عشر من مايو من كل عام تعظيما لدورها التاريخي والثقافي المهم كونها حاضنات أمينة – اذا توفر الاستقرار لمحيطها الجغرافي – لتحوي بين جدرانها الموروثات الثقافية والتاريخية للحضارات الانسانية على مر التاريخ.
وفي سياق النظر اليها بعين ثقافية وتاريخية فاحصة، ظلت المتاحف العالمية طوال العصور الماضية بؤر اهتمام للباحثين في مجالات علمية محددة أغلبها الثقافي والتاريخي، حيث فتحت ابوابها على مصراعيها للمنقبين في مآثر الأجيال التي سبقتهم، متأملين في ابداعاتهم في النقش على الصخور، وامكانياتهم في تحنيط الجثث، وانسيابية اقلامهم في المخطوطات، ورصانة اسلوبهم في صياغة المراسلات الرسمية القديمة التي تحولت إلى وثائق، ورشاقة ريشهم في رسم اللوحات، وقدرات تشكيلهم للأعمال الحرفية والتقليدية، وغيرها من الأعمال الابداعية التي عرفها الأجداد في مختلف بقاع العالم.
كافة تلك الأدوار الحضارية بأهميتها اسهمت في تأطير الصورة النمطية للمتاحف لدى الكثير من المهتمين ، فرسمت بذلك صورة ذهنية محددة للمتاحف وتصويرها وكأنها مجرد موائل ساكنة وحافظة للموروثات التاريخية القديمة. الا انه ولحسن الطالع بدأ مؤخراً ظهور اتجاه واضح بين طيف واسع من المثقفين والمهتمين نحو تغيير بعض اضلاع اطار الصورة الذهنية عن المتاحف التي كانت محصورة في الجوانب التاريخية.
وذلك على أمل الدفع بها نحو لعب دور الحاضن الابداعي الجديد لتفريخ جيل من الشباب المبدعين عبر توسيع دورها في احتضان الموهبين من التشكيليين والنحاتين والرسامين والمصورين ليبدعوا ما يدور في خلدهم من افكار يجسدوها في لوحات ومنحوتات وصور داخل تلك المتاحف، على ان تقوم المتاحف نفسها بالترويج لتلك الأعمال فضلا عن الاحتفاظ بنماذج منها في سياق قيامها بدورها كخازن عارض للابداع الانساني.
اما الدور الآخر الذي ربما لم يلتفت اليه الكثيرين، ونأمل ان تتبناه المتاحف بمختلف أنحاء العالم، هو انشاء ركن خاص (بفظاعات الحروب المعاصرة) بكافة بقاع الأرض دون الانكفاء على المفهوم التقليدي للمتاحف التي تعرض الموروث القديم.
وبذلك يمكنها أن تجسد قسوة الانسان ضد أخيه في عصر تكنولوجيا القتل الشنيع، ولتعرض من خلال تلك الاركان ما تم التقاطه من صور ومقاطع فيديو وتسجيلات صوتية تركز في الأساس على الحروب الكارثية التي شهدتها الانسانية وتشهدها الآن وما اكثرها وأفظعها، فهي غنية بمشاهد غرق الأطفال الفارين عن البطش، وبصور الدمار والتفجير والتفخيخ، وبتسجيلات الاستعراضات الكلامية الفجة المتبجحة بالاستعداد على الانطلاق نحو قتل الآخر وتسوية الأجساد بالأرض، ومقاطع همجية الاحتلال الصهيوني في ضربه للاطفال والنساء لمجرد مطالبتهم بحقهم في الحرية والحياة. وغير ذلك الكثير الكثير من الفظائع اللاانسانية التي يقوم بها الانسان تجاه من يفترض انه اخيه في الحياة والمواطنة من بني البشر.
ربما يكون انشاء أركان خاصة – للحروب المعاصرة – وفظائعها، في المتاحف العالمية مسعى جديد لتعرية الكثير من المفاهيم المتعلقة بالحروب التي نعيش ونعاصر ويلاتها، فضلا عن انها استخدام للمتاحف كوسيلة جديدة من وسائل مناهضة الحروب ورفضها، وذلك باعتبار ان المتاحف يرتادها نخب من البشر يعرف عنهم اتساع أفقهم في التفكير والتأمل وفي البحث فيما وراء اللوحات والصورو السطور وقراءتها بعقلية مختلفة ، فلعل تلك النخب تعمل لاحقا في ترجمة ما شاهدته في اركان – الحروب المعاصرة – في المتاحف الى فعل وعمل جديد – كل في مجاله – ضد الحروب بمختلف أشكالها.
وبهذا تكون المتاحف قد اسهمت بشكل او بآخر في تحويل الصورة النمطية التي عرفها الكثيرون عنها وتوسيع ادوارها الحضارية والانسانية جنبا الى جنب وظائفها التاريخية والثقافية، علاوة على اسهامها المأمول في تشكيل جبهة من روادها المثقفين لرفض الحروب والأخذ بلغة الحوار والتسامح وقبول الآخر بديلا عن التقتيل والتفجير والصراعات التي لا فائدة منها غير تصنيفها بأنها خصم من الرصيد الحضاري للانسان المعاصر.

إلى الأعلى