السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / المتسول

المتسول

كُنتُ أدفع عربة طفلَ أُختي في السوق المكتظ بالبشر، رغم زحام الآدميون الذي أمقت فيه صدام الأكتاف، إذ أبى أحدهم أن يسعفني في كل فرجةً من بين الأجساد أن أسرق ولو هواء نقي! فكان يحتك بي تارة، ويلتصق بجسدي تارة أخرى. ساقطاً عليَّ بكم هائلٍ من كلِمات الرحمة والعطف والترجي حتى يحن له قلبي، مولولا بنغمة في الأحرف المنطوقة تشي بالبكاء، كي يشطر فكري ويلين نصفي الثاني، متوسلاً وهو يمسكُ بذراعي، متضرعاً يناجي بدعائه الخالق حتى أُخرج له ما في الجيب.

الله يخليك يا ولدي سُدَ لي رمقي، القوت ولو بالقليل.

امتقع لوني مستنكرا، وشعرت بحرارة مايو تسري من القاع إلى القمة. متسولون في شتى بقاع الأرض، حيثما أولي بوجهي أراهم بفنون تسولهم وابتكاراتهم المستْجِدة. فهل أنا مُلزم يا ترى بأن أعطي كل سائل كل متضوع أو كل يدٍ مددت؟ قبل قليل أعطيتُ طفلةً، وقبلها أيضا كنت قد أعطيت طفلة، وكلتاهما تلبسان ملابس لا توحي بفقرهما، وقبلهما أعطيت عجوزاً غابرْ، وكلَّ منهم لا يبعد عن الآخر سوى بِضعَ خطوات. ما ذنبي أنا إن كانت أرضكم قد لفظتكم جوعا، ونبذتكم موطنا، وسلختكم من القيم، وعرتكم من العروبة. فهل وجب عليَّ إسنادكم والربت على أفواهكم بشيء من الريالات! هل تضمن لي أنت أيها المتسول المحتك بجسدي بأني إذا فرغت لك الآن ما في جيبي ستسقط عليّ مائدة من السماء مملوءةً بالمال والذهب؟ لم آتي إلى هُنا لإطعامكم، أتيتُ أنا وعائلتي كي نتسكع ونمرح ونشاهد، نجوب المدن الآسرة نفرغ فيها المكبوت من الضجر والضيق، ونتصحر من الهموم، ونرمم الآلام. نريد أن نكتشف ما قد سمعناه ورأيناه على الشاشة، عن سر أناقتها .. جمالها .. تاريخها .. رؤيتها المستقبلية، أتينا إلى هذه البلاد الخضراء لننعم برؤية جنانها الأناضولي، الصاخبة بمعالمها الأثرية وبشموخ مسلاتها، وبسفينة نوح المتوثبة فوق الجودي، لحين فوّر التنور من جديد لتمخر عباب الجبال المترامية.
لن أعطيك ريالاً واحدا، وأنت رجلاً قادراً لعون نفسك.قلت له بغلظة وترفع.
هل أنت متأكد بأنك لن تعطيني؟! قالها بلِكنة التحدي.
تعجبت من شيئين طوال مزاحمته: من لغتهُ البيضاء وكأنه بروفيسور الفصاحة، ومن متسولٍ يزرع الخوف في داخلي، وبأن في حدة نبرة صوته يجثم نّصْلٌ !.
تجهمت وصوبت سهام أنظاري من غضب ونفور وكرها ممقوت نحو عيناه حتى أقرأ وأميز فيهما الصدق من الكذب، ولكن ولسوء الحظ فأنا لا أجيد لا قراءة العيون ولا قراءة حظي العاثر! فصرخت في وجهه بعد أن شعرت بأنه يقتل فيّ كل شيءٍ .. كل شيءٍ .. ولعله هو من استطاعَ قراءة سهامي الخائفة ويرحمني.
لن أعطيك مليماً واحداً، اذهب ولا تُزاحمني.
متأكد؟! بنبرة ثقة.
استنكرت شدة إصراره وثقته العمياء رغم تسوله اللاأخلاقي. لم يسبق لي قط أن رأيتُ متسولا يفرض عليك أن تعطيه، شئت أم أبيت. سرى في الباطن هلع فوق الأرق، ومن الخارج قوة مصطنعه برجفة، توقفت وأنا في حيرةٍ، تفصّدنَ خَمْسُ شِعاب فوق الجبين، واندلقن هكذا فجأة رغم برودة الجو. التفت للخلف كي أتاكد من أن أبي وأمي والأختين وخالتي وخالي خلفي مباشرة. ثم وبنبرة أكظم فيها غيظي وأعضُّ على شفاهي، لأني غريب في بلد يجب أن أكون فيه أديب، ولأني بتُ أشعر بأني سجين متسول من يوم وصولي، يطوقني بلزوجة ترجيه وتهديده.
ارحل .. من هنا لأني لن أعطيك شيءً، فقد بلغتُ من تسولك سُقما.
مد خطواته وتوقف أمام العربة مباشرة، كنا وجها لوجه، تفرست في وجهه مستهجنا مُستفهما، طُبعت صورته واختزنتها في طيات الذاكرة، ولاح في مخيلتي بأنه سيستل مدية وينحرني بها أو يبطش بها معدتي، ولكنه لم يفعل، بل بدأ يتراجع للخلف دون أن يلتفت، فكانت نظراته مصوبة لعيناي، وهو داعيا عليّ راجياً مناجياً ربه

الله يريني فيك ما لا تحمدُ عقباه، روح الله يبتليك بمصائب الدنيا، روح وفي كل خطواتك ندامة، روح الله ينتقم منك ويحرقك أنت والبترول …. ستندم وخذ كلامي محمل الجد.
صمدت مكاني مشدوهاً فاغراً فاهي، شاخصاً ببصري متعمقاً في دهاليز معاني كلماته، والمد البشري يتآكله وهو يتوارى عن أنظاري، وأنا في بوتقة من الأفكار الجمة المتصارعة المتأتية من فوضى الواقع. ولا أدري إن كانت جبهتي تنزف بترولا؟! أم على جبيني علامة الجودة وبأني ….
ابتعد الصوت والصورة تدريجيا عن نطاق مسمعي وهو يكرر في دعواته عليّ، وكأنّ لسانه سيقصفني أو سيقصمني إلى شطريّن متنافرين، أو لربما ستنشق السماء من فوقي، وبِوابل من سجيل ستُلقى عليّ إثر دعوات السائل المناجي لربه.
الغريب في تسوله لم تكن عيناه تدمع حتى أشفق عليه، ولم تكن ملابسه رثه حتى يشعرني بأنه محتاج، ولا كفه خشنة الملمس حتى أقول بأنه بلا مأوى.
انتزعني أبي من شخوصي، وهو يسألني ماذا كان يريد مني ذاك الرجل طوال ذلك الوقت. وحتى لا أحمله معي في أسفاري الغامضة وسراديب فكري وعتمته، تملصت من سؤاله وأنا أبتسم ملء شدقي، وبدعابة ساخرة قلت بأنه مُروج للمومسات. فابتسم لي وهو يغمز أن كنت قد قبلت العرض فنظرت إليه بنظرة جردتها من الحزن وأنا أدعو بداخلي أن تمر علينا هذه السفرة بالمتعة، ونرجع حاملين في طياتنا بقايا من الذكريات الجميلة.
رغم فرحي وخوفي المتداخلان في بعض، إلا إن هناك ثمة ما ينغص عليّ ويقلقني في سفري. بداية عندما كنا على متن الطائرة حينما سكبت المضيفة الشقراء المسترجلة بمشيتها وبحة صوتها عصير البرتقال على بنطالي ولم تعتذر. وقالت إنه خطأي. وددتُ حينها أن أنتزع حذائي من مرقده، وأقذفه في وجهها كموضة وأدخل من خلالها التاريخ، ولكني حمدُت ربي بأني قد وضعت كل أعصابي في صومعة حقيبتي الجسدية وأحكمت القفل. واعتمل السؤال وأصبح سيد الذهن ـ أين هو إذاً حسن الضيافة كما يدعوّن ؟! لم أشأ حينها خلق بلبلة أو ضجة فحجمت جماح بركاني، حتى لا أفسد السفر. وعندما حطت الطائرة بسلام، استغرق وقت الحصول على تأشيرة الدخول ساعتين ناهيك عن الطابور الممتد لختم الجواز والموافقة بالدخول شرعا. كل هذا والفندق الذي لم يعطف على المنهوكين من السفر، تماما عشر ساعات مدة الرحلة، رافضًا إعطاءنا الغرف بسبب وصولنا مبكرين بثلاث ساعات، وعندما توسلت إليهم كالمتسول .. قال لي موظف الاستقبال بطريقة دبلوماسية محنكة ـ للأسف يجب عليّنا الانتظار فجميع الغرف شبه غير متاحة ثم يجب تنظيفهن بعد توفرهن. وصدَ ولم يبد لنا بعد ذلك أي أهمية.ويا له من حفاوة في الاستقبال وكرم الضيافة .
قررنا النزوح للخارج حتى نتسكع بين الأزقة وبين المحلات نملي بها معدتنا بالأكل ثم نرجع بعد ثلاث ساعات.
في طريقنا كانت الأجواء جميلة باردة يشوبها دخان الأفواه، وكم أكره كافة الأدخنة. إلى أن وصلنا الساحة الواسعة المستديرة، يتوسطها تمثال أشبه بجنود نحل حلقوا حول الخلية مدججين بالبنادق، وفي تلك الساحة وكأنها لوحة تفوق الخيال، يمتد بصرك في كل الاتجاهات فتجد المحلات المتنوعة والمطابخ والتي تعرض أمام واجهتها شتى أنواع المأكولات، يسيل لعاب النظر قبل لعاب الفم، وحلويات غريبة الألوان حلوة المنظر تشدك فتتحرك أمعاؤك وتتغنج لتتذوق، فتبلع ريقك فتتوسل لك بوخزه لكي تتذوق من كل بستانٍ زهره. تمنيت لو كانت معدتي كحجم منجم! والباعة المتجولون يفترشون الأرض، تجدهم في كل ركن ببضاعتهم المُزْجاة، يحيكون المدح عن بضاعتهم، ماء عذب .. فواكه الجنة .. لوحات رسم لمشاهير .. كستناء مشوية لذيذة .. بيرة محلية تنسيك الهم .. ورد وزهور ….الخ.
انزاح منا الأرق العالق فوق العيون ونحن نشاهد جمال وتناسق البنية التحية مع البنايات الشاهقة. زُرت مُدنا ولم يعصف بي الانبهار الوجداني إلا في هذه المدينة والتي تقسم إلى أربعة اتجاهات أسميتها الأربع أميرات.

قررنا خلالها أن نتجه إلى أميرة البطون لأن كل شيء فيها مُلفت. مررنا خلالها بجانب الشرطة المنتشرة وكانوا فقط مدعمين بالسجاير. قال لنا مرشدنا السياحي الذي استقبلنا عند وصولنا المطار بأن في الجانب الآخر من هذه المنطقة توجد رشقات غازية لأن بها متظاهرون يحللون ما قد حُرم! لم نكترث بذلك لأن الأخبار هي نفسها الأخبار معادة، ولكنها تصاغ كل يوم بصيغة أكثر حبكة وتعقيدا وأكثر تحريضاً.
وبعد أن ملأنا البطون وتجولنا في السوق المكتظ وبالدخان المنتشر من الأفواه، وبعد أن أعطيت الطفلتين والعجوز الغابر ونهرت ذلك الرجل الذي لم تعجبني حنكة صوته والذي هددني بدعواته والتي حقاً لن تصل إلى السماء. كان يبدو لي من كلّ ذلك بأن هناك رسالة غيبية تنذرني ويجب عليّ فك طلاسمها قبل الوقوع في المحظور، ولأني اصدق حدسي إلا أنني إنسانٍ ازدواجي التفكير، لأني أخلق من الحبة قبة.
ثلاث ساعات انقضت، المعدة مملوءه والعقل بين منقسم والعين تغالب النعاس. حين قررنا الرجوع للفندق. حينئذ كان أفرادا من الشرطة يحملون أسلحتهم الفتاكة وسياراتهم المصفحة تندفع وتخترق البشرية وتخترقنا، ثم تصطف في الأربعة اتجاهات. سمعنا أصواتاً تشجب، تأتي من الساحة المفتوحة المستديرة، وبدأ لنا دخان يصعد للسماء ثم يهوي أرضا كقوس قزح، والناس تأتي نحونا وجها لوجه مندفعة مجلجلة متذمرة صاخبة خائفة، تغير المشهد السريالي إلى مشهد فوضوي، ونحن لا نعي شيئا سوى الشخوص. أحدهم أشفق علينا وأشار لنا في تغيير مسارنا إلى إحدى السكك ثم قال لنا بلغة إفرنجية متضعضعة فيما معناهُ بأن الطريق سالك آمن. لم نعي ما كل ذلك، ولكن حدسي يقول بأننا بوسط حقل ملغم. في تلك السكة، كانت ثمة مقاهي مترامية والناس قد حلقوا حول الطاولات يرمون بالنرد، غير عابئين ولا مكترثين بما يحصل هناك، مثرثرين ومدخنين ويلعبون ويشربون الشاي الأحمر، وأنا أدفع بالعربة، حلقتُ بعيدا بفكري حيث تغيّر المشهد الفوضوي إلى لوحة سريالية. ثم ضحكت على جنوننا وبأننا من الأفضل لو كنا قد انتظرنا غرفنا. ولكن تبقى المتعة أخذة طريقاً غامض. إلى أن صادفنا اثنين في تلك السكة أحدهم يقرع الطبلة ببراعة شرقية، والآخر بيده جيتار علّقَ على صدره كأنه وسام. راح الثنائي المندمج يُغنيا لنا (( يا مصطفى يا مصطفى أنا بحبك يا مصطفى )) هم يغنون لنا، ونحن نضحك والعيون تدمع من الضحك، نمشي بفرح وهم من خلفنا يمشون ويغنون، فقد بدلوا خوفنا المتدرج إلى فرحة وفي داخلنا بقى خوفاً فطن. نمشي وأنا أفكر في لعنة الفراعنة إن كانت ستصيبنا حقا من رجلٍ متسول! ندمتُ حينها لأنني بدأت أشعر بخوفٍ، الخوف ليس على نفسي وذاتي بل على الذين هم من خلفي.
في نهاية السكة، مددنا لهم ما يستحقونه، ولأنهم قد لطفوا جونا بعض الشيء. لم يكن تسول بقدر ما كان عمل يعيشون منه وهم غرباء وطن.
نهاية السكة التي تفضي للفوضى حيث تنتهي الابتسامة. مدخلاً آخر للساحة المستديرة، تعج بالناس وهم يندلقون جمعا وفرادى فتتوحد الأجساد بلسانٍ واحد وتهتف بالمجابهة، على ماذا؟! لا نعرف!
شعرنا بسخونة وبحرقة في عيوننا، لم يعد الجو بارداً كما كان، ولم يعد المكان يطاق كما كان، وانسل الخوف في الأحشاء. بدأنا نتذوق رذاذ الفلفل الأسود المتطاير، غاز مسيل للدموع، لم نكن نراه ولم نكن نعرف كيف مذاقه وما هو سر خلطته العجيبة. التفت إلى الخلف أرى دموع أمي ودموع أبي ودموع الجميع تأتي هكذا دون سبب أو دون حادثة، من تلقاء الغاز تأتي الدموع سيلا.أحزنني الموقف وأبكى حواسي.
أخبرت يوسف طفل أختي والذي يبلغ من العمر خمس سنوات وهو في عربته، بأن لا يفتح عيناه أبدا إلا عندما أطلب منه فتحهما، ثم قلت للقافلة تحركوا مدوا أرجلكم يجب أن نبحث عن مخرج. تداعيات تلك السكة قادتنا بعيدا عن الفندق، فقررنا المضي قُدماً وبأن نأخذ دورة كاملة حول الأميرات بمحاذاة البنايات المرصوصة. تعاظم الخوف في نفوسنا، ونحن نشق ونزاحم الناس الغاضبة من الشرطة، والشرطة بمكبرات الصوت كأنها تقول تفرقوا وأذهبوا لبيوتكم، هذا ما استنتجته أو ما شعرت به. هذه المرة نحن من كنا نزاحم على عجل، وأنا أقول للقافلة تحركوا لا تلتفتوا، لن يُصيبنا إلا ما قد كُتب. وكل الخوف أن تصدق دعوات الرجل المتسول، لو صدقت سأتهم نفسي إذا حدث أي مكروه لهم، وسأرفع قضية ضد نفسي، وأحاكم نفسي، واسجن نفسي، وأعدم نفسي.
العيون تدمع هكذا من الغاز المتطاير، الساحة الواسعة أصبحت كقدر يغلي، نستنشق الغاز فيحرق البلعوم، نبلع الريق فيأتي طعمه مُر، شِعاب من العيون والأنف. كانت الشرطة تحاول تفريق المتجمهرين الغاضبين بفتح خراطيم الماء عليهم، وكان الرد بالرشق بالحجارة. لا أدري ما كان ذاك التكافؤ، وما سر هذا التحرش؟! كلُّ شيء يأتي سلمياً وعلى طاولة المفاوضات والنتيجة سترضي الطرفين. النمل الأحمر الملتهب من كل حدب وصوب ينسلون، فيتناسلون ويتحصنون في جسدٍ واحدٍ، فيشجب الجسد بصرخة مدوية، فترتج الأرض من تحتنا رجاً. الشرطة هي الأخرى تمركزت في مكان واحدٍ بقرب بائعة الورد والزهور، كان يجب على الشرطة أن تلطف الجو بشحن أسلحتهم بالورود والزهور بدل الذخائر والغاز الخانق، كان يجب رش المتجمهرين بماء الورد لا بالماء الساخن. اشتد الوضع وأصبح في نظري مآساويا، رميٌ بالحجارة، صراخ، وهتاف، ووعيد، وشجب، وأعلاماً سوداء ترفرف وكأنه الموت، وصورٌ مرفوعة كأنها لمناضل .. وسرف في الماء .. وفجأة أطبق الصمت وساد السكون ونحن بوسط المعمعة ، كان الطنين سيد السمع يخالطه صفير عجلة عربة يوسف وهي تحتك بالقاعدة. شعرت بأني في عالمٍ سينمائي، أو بوسط صحراء جرداء. توقف كل شيء وكأن أحدهم يتحكم بالجميع، وكأنهم ريبورتات، وما هي إلا هنينة من السكون المطبق، حتى شعرت بسخونةٍ مخفيةٍ مندفعةٍ من خلفي فتصطدم برأسي، دبَّ الصراخُ من جديد حيث عادت الحياة المزلزلة، أصبح النمل الآدمي يصطدم ببعض، الكل يتوارى مخلفين وراءهم ظلالهم ، وكمن يتخبطه نشوة السُكر فلا يعي سيره من مراده. نظرت خلفي كانت العلبة الملقاة تتلوى حول نفسها كأفعى ناشرة دخان سُمها حولنا، الغاز المسيل للدموع نشر الذعر بيننا، أسرعتُ بيوسف، وأنا أرى أمي وهي تتلفح بالكامل بعبائتها وسط الدخان الحارق وتغطي وجهها، وسدّت أختي الصغرى والتي أجريت لها عملية قلب عند ولادتها أنفها وفمها بـ”الإيشارب”، لم أر في تلك النظرة لا أبي ولا أختي الكبرى ولا خالي وزوجته فقد حال الدخان بيني وبينهم أو بالأحرى الخوف قد أعمى بصيرتي. فكانت الدموع تذرف كشلالٍ منهمر. ركضت بيوسف وأنا أدفع عربته وأصرخ بالإفرنجية على النمل المحتشد ( مووف مووف ) افسحوا الطريق، فطنت لشيء غريب بأن في تلك الساحة لم أر أطفالا ألا المتسولتان. فهل هو متعارف على أن هذه الساحة ساحة حرب أو ساحة قتال؟! النمل عندما رأى الطفل بادر في فتح الطريق لي، فتوغلت بين الحشود حتى دخلت مقهى مملوء بالأجساد المترامية، وكان البكاء سيد المقهى، وكانت الأحضان لدرء الخوف. أفسحوا الطريق وهم ينظرون ليوسف بحزن. تناولت كوب الماء لغسل وجهي الحارق والدموع المنهمرة كغيث قاني اللون، إلا أنَّ أحد المتواجدين أعارني بعضا من الحليب والآخر أعارني قطعتي ليمون وقالوا لي بأن الماء لا يصلح لغسل المسيل. في تلك اللحظة رأيت وجهه وصلعته التي تبرق وهو يمر من أمامي ويبتسم، فقد صدق وعده واستجيب لدعائه، فقد قسّم شملنا، ولا أدري ما حل بهم.
كنت أسترجع قواي وفكري حتى أخرج وأطمئن على الجميع، لم يكن هاتفي المحمول يعمل، ولا أعرف الرقم السري لهاتف أمي والذي وضعته بداخل حقيبة يدها ثم وضعت الحقيبة على ذراع العربة، ولا أستطيع ترك يوسف وحده في المقهى للبحث عنهم، كان تفكيري متذبذب غير دقيق، الخلطة الدسمة شتت كل شيء .. والخوف الذي يلتهمني رويدا رويدا، ورؤيا تسبح فوق الرموش بأن أمي قد ماتت من الاختناق، فأبكي .. وبأني أشعر بحرقةٍ خلف رأسي، ولا أدري لماذا صَرختْ إحدى النملات وهي تشير لظهري، كنت البس قميصا أبيض، كان الدم الساقط من الرأس ممتدا كخط طول من ساعة دخولي المقهى، وكأنه بارود وأنا المستودع لأنفجر. شعرت وأنا أقتفي آثار الدم الممتد بفقدان توازني .. وبأني بتُ أفقد كل شيء.. كل شيء .. كما كنت قد فقدت كل شيء من ذلك المتسول.
حاولت جاهداً أن اقوي من عزيمتي وطاقتي، ولكن الأرق والتعب والمتسول والحظ العاثر والدخان والزحام والرشقة التي أصابتني والتقسيم الذي قسمنا، ولا أعرف إن كانوا بخير أم …. كل ذلك أثقل من عزيمتي وانهارت قواي .

(وأنا الذي أتيت إلى هنا كي أهرب من همومي هناك وأفرغ الضيق المكبوت، ولكني لم أصبر على همومي هناك ما زاد فوق الهموم بلوى وحسرة وكأني إنسان يستظل في حياته بالمصائب.)
وهلم النمل يحتويني كملك لإسعافي وأنا أنظر ليوسف رغم صغر سنه إلا إنه ذكي لم يفتح عيناه. فبادرته بفتحهما، وما أذكره بأن عيناه كانتا نضاختان بالقوة والحب والحزن ما جعلني أغيب بسلام.
هبّ يوسف من على عربته لإسعاف عمه وهو يقول للنمل البشري:
هل مات عمي؟!
ولكنهم لا يجيدون لغته العربية.

نكتل بن خلفان الأخزمي

إلى الأعلى