الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / لماذا لا تأبه الصين للخصوصية؟

لماذا لا تأبه الصين للخصوصية؟

”إن مفهوم الخصوصية، لا سيما كما يفهمه الغرب، لم يصل حقا الى الصين حتى القرن الـ20. وحتى ذلك الحين، كانت أماكن المعيشة الضيقة والمنازل متعددة الأجيال، وقبل كل شيء، صلاحيات الحكومات الاستبدادية – التي احترمت الحقوق الجماعية أكثر من تلك الشخصية – تعني أن الخصوصية كانت ترفا يتمتع عدد قليل جدا من الصينيين.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لبضعة أيام الأسبوع الماضي، ظهرت في الصين نسخة خاصة بها من تسريبات ويكيليكس بالحركة البطيئة. فعبر تويتر، قام شخص ما يستخدم حساب shenfenzheng@ بنشر تسريب لمعلومات شخصية – مثل عناوين المنازل وأرقام بطاقات الهوية – لبعض الشخصيات التجارية وأقوى رموز الحكومة في الصين.
لقد كانت حيلة جريئة، ولكن كان المسرب واضحا أن له هدفا أسمى: “آمل أن يكون هذا مشجعا على التدقيق في الصين، وتوضيح كيف ان لا قيمة للبيانات الفردية في الصين”، وقد كتب ذلك قبل تعليق الحساب. هناك سبب وجيه للقلق: فالصين هي أكبر سوق في العالم لعمليات الاحتيال عبر الإنترنت، والهاتف، وكثير من الحالات تستفيد من القوانين الرخوة والحمايات للمعلومات شخصية.
لكن على الرغم من الفضائح الأخيرة وغيرها، تظل الخصوصية على شبكة الإنترنت أولوية منخفضة في الصين، لمستخدمي الإنترنت والشركات على حد سواء. وهذه الفضيحة – مثلها مثل خروقات للبيانات أكبر بكثير سبقتها – من غير المرجح أن تخيف الكثير من الناس وتدفعهم إلى مزيد من اليقظة.
عندما يتعلق الأمر بالخصوصية يعتبر مستخدمو الانترنت في الصين في عزلة عن العالم. ففي عام 2013، اعتقد 50 في المئة فقط منهم أنهم اضطروا إلى توخي الحذر عند تبادل المعلومات الشخصية عبر الإنترنت، مقارنة مع 83 في المئة في الولايات المتحدة. ولكن مستخدمي شبكة الإنترنت في الصين يتعاملون مع العديد – إن لم يكن أكثر – من التهديدات على الإنترنت التي تصيب مستخدمي شبكة الإنترنت في جميع أنحاء العالم، وغالبا ما يبدون على استعداد أيضا لتداول البيانات الخاصة للوصول إلى خدمات ومواقع تقدم حماية لا تذكر لذلك.
وبالتالي ما الذي يفسر التناقض؟
إن مفهوم الخصوصية، لاسيما كما يفهمه الغرب، لم يصل حقا إلى الصين حتى القرن الـ20. وحتى ذلك الحين، كانت أماكن المعيشة الضيقة والمنازل متعددة الأجيال، وقبل كل شيء، صلاحيات الحكومات الاستبدادية – التي احترمت الحقوق الجماعية أكثر من تلك الشخصية – تعني أن الخصوصية كانت ترفا يتمتع عدد قليل جدا من الصينيين.
لم تغير هجرة الصين الكبيرة الى فضاء الانترنت هذا الوضع كثيرا. فعندما ظهر النقاد المجهولون للحكومة على شبكة الإنترنت، حاولت السلطات دفع مئات الملايين من مستخدمي الانترنت للكشف عن أسمائهم الحقيقية عند التسجيل للحسابات على الانترنت. لم ينجح هذا الجهد تماما، ولكنه ذكرنا بشيء مهم أنه لا يوجد افتراض للخصوصية في الصين الشيوعية. فالحكومة، من الناحية النظرية، تعرف كل شيء.
عمالقة التكنولوجيا في الصين أيضا يظهرون القليل من الاهتمام بالخصوصية. فشروط الخدمة في مواقع مثل علي بابا وتينسنت (صاحب موقع WeChat ) تعطي الشركات تفويضا مطلقا لاستخدام بيانات العملاء الى حد كبير كما يشاؤون. وحتى الآن، لم تحفز فضيحة تويتر تحركا نحو تغيير تلك السياسات.
لكن مع توسع التجارة الإلكترونية والتمويل عبر الإنترنت في الصين، سوف يصبح الموقف غير المبال بالخصوصية أكثر مسؤولية. في النهاية، التجارة الإلكترونية لا يقتصر دورها فقط على تبادل المال. انها أيضا تتعلق بتبادل المعلومات الشخصية المرتبطة بهذا المال. ومستخدمو الانترنت في الصين قد لا يعتبرون الخصوصية عزيزة عليهم مثل نظرائهم الأميركيين، ولكن عندما يتعلق الأمر بحرمة فحص حساب أحد، يصبح العالم مستويا عموما. إذا لم يتمكن موقعا بابا وتينسنت التأكد من أن حسابك المصرفي آمن، فربما لن تصل إلى خدماتهم.
مع ذلك فإن الحكومة الصينية، المقيدة برغبتها في معرفة أكبر قدر ممكن من المعلومات عن مواطنيها، اتخذت بعض الخطوات المهمة في الآونة الأخيرة، مثل اعتماد قانون خصوصية البيانات ووضع تدابير أكثر صرامة للأمن السيبراني. ولكن التطبيق ما زال سطحيا، والمستهلكون لديهم عدد قليل من الطرق لتقديم شكوى أو الحصول على تعويض في حالة إساءة استخدام البيانات الخاصة بهم.
هذا يترك المجال لشركات التجارة الإلكترونية لسد الفجوة. فلا شك في أنها يمكن أن تحسن معايير الخصوصية، وخاصة عن طريق تقييد كيفية تبادل البيانات الشخصية للمستخدم واعتماد بروتوكولات الاتصال أكثر أمنا (مثل HTTPS ). ولكن الأهم الآن هو العمل على تثقيف مستخدميها بشأن مخاطر سرقة الهوية، وحول ما يمكن – وما لا يمكن – للشركات القيام به لحمايتهم. هذا النوع من المعلومات، الذي يعتبره الأميركيون والأوروبيون في كثير من الأحيان أمرا مفروغا منه، أمر نادر الحدوث في الصين. العمل على جعلها غير ذلك من شأنه أن يحسن التجارة الإلكترونية بشكل ملموس، في حين سيساعد على ضمان أن لا يجد عمالقة الإنترنت الصيني مرة أخرى عناوين منازلهم منشورة في تويتر.

ادام مينتر
كاتب أميركي مقيم في آسيا يغطي الشؤون السياسية والثقافية والتجارية خدمة واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز – خاص بالوطن

إلى الأعلى