الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / التسابق في عمل الصالحات

التسابق في عمل الصالحات

أنس فرج محمد فرج
قديماً كان آباؤنا وأجدادنا من السلف الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ يتسابقون في عمل الصالحات ويتسارعون في فعل الطاعات فكل منهم يود أن يسبق أخيه في ميدان الطاعة والبر لا في مهاوى الفجور والإثم وما قصة أبو بكر في التبرع بكل ماله وعمر بنصف ماله منا ببعيد والكل يعلمها، هذا وإن التنافس في عمل الخير شعار الموحدين وآية اليقظة بين المسلمين فالمؤمن يرى الحياة قصيرة وسبل الخيرات كثيرة والتسابق فى عمل الصالحات والوصول إلى السعادة طريقه.
يفتخر الناس في هذا العصر بأشياء فمنهم من يفتخر بأنه أغنى من غيره ومنهم من يفتخر بكثرة أولاده وذوي قرباه وحسبه ونسبه ومنهم من يفتخر بما له من قوة وجاه ومنهم من يفتخر بظلمه وغدره وتدبيره المكايد للناس ومنهم الذي يتفاخر بمأكله وملبسه وسيارته ومسكنه وهكذا .. هذا الافتخار بذلك كله أو بعضه بعيد عن الحق والصواب فالإنسان الكامل المؤمن الحق لا يفتخر بهذه الأشياء التافهة والمظاهر الكاذبة لأن التنافس الصحيح يكون في العمل الصالح والخلق الفاضل ومكارم الأخلاق والعلم والأدب.
ولقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خير من يبعث روح التنافس في الخير بين أصحابه فقبيل غزوة أحد وقف النبي (صلى الله عليه وسلم) بين أصحابه ورفع في يده سيفا وقال (من يأخذ هذا السيف بحقه) فقال أكثر من واحد من الصحابة أنا يارسول الله وكان من هؤلاء الفاروق عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب والزبير بن العوام ولكن الرسول (صلى الله عليه وسلم) لم يعط السيف أحد من هؤلاء ولعل السبب في هذا أنهم لم يسألوا عن حق أخذ السيف ثم قام أبو دجانة فقال وما حقه يارسول الله قال:(حقه أن تضرب به في وجه العدو حتى ينحني) فقال: أنا أخذه يا رسول الله.
إن التنافس فضيلة من فضائل الإسلام العظيم وجزء من هدي النبي الكريم ـ عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ يقول الله تبارك وتعالى:(وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) (المطففين ـ 26) أى: فليتسارع وليرغب الراغبون في مثل ذلك بالمبادرة إلى طاعة الله تعالى لأن التنافس يجب أن يكون في مثل ذلك النعيم العظيم الدائم لا في النعيم الدنيوى سريع الزوال والفناء والمتنافسون كل منهم يريد أن يسبق غيره في طريق الخير والبر بما يظهر من نفسه الجد والاجتهاد في عمل الطاعات.
والنص القرآني في هذا الموطن يتحدث عن الأبرار الذين يجلسون على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نضرة النعيم (يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) أى: يُسقى هؤلاء الأبرار من خمر صرف لا غش فيه مِزاجها وخلطها مسك وطعمها وريحها مسك فهؤلاء الأبرار الذين يتنافسون في الخيرات وكل منهم يبذل جهده وطاقته ليكون سباقاً إلى المكرمات يسقون من خمر الجنة الصافي المختوم وعاقبة ما يشربونه مسك طيب وفي مثل هذا المجال الكريم فليتفاخر المتفاخرون وليسبق إلى مثله المتسابقون وذلك مثل قوله تعالى:(إن هذا لهو الفوز العظيم، لمثل هذا فليعمل العاملون) (الصافات 61 ـ 62).
فالذين يتنافسون على شيء من أشياء الأرض مهما كبر وعظم وارتفع إنما يتنافسون في حقير قليل فان والدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة ولو كانت كذلك ما سقى الكافر منها جرعة ماء ولكن الآخرة في ميزانه ثقيلة فهي إذا حقيقة تستحق المنافسة والمسابقة ومن العجيب أن التنافس في أمر الآخرة يرتفع بأرواح المتنافسين جميعا بينما التنافس في أمر الدنيا ينحط بهم جميعا والسعى لنعيم الآخرة يصلح الأرض ويعمرها ويطهرها للجميع والسعي لعرض الدنيا يدع الأرض مستنقعا وبيئا والتنافس من أجل نعيم الآخرة لا يدع الأرض خرابا كما يدع بعض المنحرفين لأن الإسلام يجعل الدنيا مزرعة للآخرة ويجعل القيام بخلافة الأرض بالعمار مع الصلاح والتقوى وظيفة المؤمن الحق على أن يتوجه بهذه الخلافة إلى الله ويجعل منها عبادة له قال الله تعالى:(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (الذاريات ـ 56).
إن عمر المرء في هذه العاجلة محدود وعمره في الآجلة ممدود لا نهاية له وإن متاع الأرض في ذاته محدود وإن مستوى النعيم في هذه الدنيا مألوف ومستوى النعيم هناك محفوف بالخلود فأين هذا من هذا وأين غاية من غاية حتى بمجال الربح والخسارة فيما يعهد البشر من الحساب.
.. هذا والله تعالى أعلى وأعلم.

إلى الأعلى