الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / تكـريـم الله للإنسان (81)

تكـريـم الله للإنسان (81)

الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:
فـمنـزلة أبي بكـر الصدـيـق في الإسـلام مـنـزلة عـالية، وقـد نـوه الـرسول (صلى الله عـليه وسـلم) بـذلـك، فـعـن ابن عـباس ـ رضي الله عـنهـما ـ عـن النبي (صلى الله عـليه وسـلم)، قال:(لـو كـنـت متـخـذاً مـن أمتي خـليـلاً، لاتخـذت أبا بـكـر خـليـلاً، ولـكـن أخي وصاحبي) ـ اخـرجه البخاري وصححه.
وعـن محمد بن الـحـنفـية، قال قـلـت لأبي:(أي الناس خـير بـعــد رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم)؟ قال: أبـو بـكـر ـ رضي الله عـنه ـ قـلـت: ثـم مـن؟ قال: عـمـر بن الخـطاب ـ رضي الله عـنه ـ قال: وخـشــيت أن يـقـول عـثـمان ـ رضي الله عـنه ـ قـلـت ثـم: أنـت؟ قال: ما أنا إلا رجـل مـن المسـلمـين) . رواه البخـاري في الصحيح.
وعـن أبي سـعـيـد الخـدري، قال: قال رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم):(لا تسـبـوا أصحـابي، فـلـو أن أحـدكـم أنفـق مـثـل أحـد ذهـباً، ما بلـغ مـد أحـدهـم ولا نصـيـفـه) ـ رواه البخـاري.
فأحـياناً الإنسـان يـكل إلى الله أمـر أولاده، وهـو عـلى فـراش المـوت أو يـكل إلى الله في أمـر صـحـته، وقـد أعـجـزه العـلاج يطـلب الشـفاء مـن الله، وقـد كاد أن ييـأس وهـو يـتألـم ويـقـول: يا رب تـوكلـت عـليـك وفـوضـت أمـري إلـيـك، أنـت أعـلـم وأنـت أرحـم وأنت أكـرم وأحـكـم، فـيـجـيـب الله دعــاءه وتضـرعـه، فـيتماثـل إلى الشـفـاء، فـفي هـذا الحـال إذا تـوكـلـت عـلى الله فـثـق بالإجـابة، فـو الله إنـك ســترى العـجـب العـجـاب، مـن سـرعة لـطـف في الجـواب، وسـوف تـرى أنـك أقـوى الناس.
ولـذلك قـالـو: إذا أردت أن تـكـون أقـوى الناس فـتـوكل عـلى الله، وإذا أردت أن تـكـون أكـرم الناس فاتـقي الله، قال الله تعـالى:(.. وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ..) (الطـلاق 2 ـ 3)، وإذا أردت أن تكـون أغـنى الناس، فـكـن بـما في يـدي الله أوثـق مـنـك مما في يـديـك، فالـذي يـتـوكل عـلى الله هـو أقـوى الناس وأغـنى الناس وأزهـد الناس.
والـدعـاء سـلاح المـؤمـن، وكـلـنا ضـعـفـاء، ولـكـنـك قـوي بالله وكـريم بالله فأنت كـريم بـطاعـة الله، وغـني بالاعـتمـاد عـلى الله، وقــوي بـتـوكلـك عـلى الله، لـذلك ما تـوكل عـلى الله أحـد وخـيـب الله ظـنه، وما تـوكل أحـد عـلى الله إلا كـفـاه الله وأرضاه وأكـرمه فإذا عـلـم العـبـد أن الله هـو الـذي يكـفـيه، لـم يـرفـع حـوائجـه إلا إلـيه، ويـعـاب مـن يشكـو الـرحـيـم إلى الـذي لا يـرحـم، فإذا أيـقـنـت أن الله وحـده هـو الـذي يكـفي، فـلماذا تـسأل غـيره.
فالله سـبحـانه وتعـالى سـريـع الإجـابة، لـمـن انـقـطـع إلـيه، إذن: أنـت مـتـجـه إلى الله تعـالى بـكلـيـتـك ولا تعـلـق أملـك بـمـن دونه، فـهـو ســريـع الإجـابة ، فـتـوكـل عـلى الله في جـمـيـع أحـوالـك وأمـورك، فأما إذا كانت حاجـتـك، في حـق الله خـيراً محـضاً كـطـلـب الهـدايـة والاسـتـقـامة والـرزق الحـلال، والـكـفايـة فـهـذا الطـلـب يجـاب فـوراً لأنـه في حـق الله.
أما إذا طـلـبـت الـدنـيا، فـهـناك وضـع آخـر لعـلها لا تـنـفـعــك ، لعـلها تـؤذيـك وتـبـعـدك عـما خـلقـت مـن أجـله ، فـلـذلك قـد يجـيـبـك، لـكـن الأدعـية المتعـلقـة بالآخـرة ســريعـة الإجـابة، ومـن عـلـم أن الله كافـيه لا يســتـوحـش، مـن إعـراض الخـلـق عـنـه ولا يـأنس بهـم.
يحـكى أن رجـلاً كان مـن كـبار صـناع الحــلويات في لـبنـان، وكان يصـدر طائـرة كل يـوم إلى دول الخـليـج، محـملة بأنـواع الحـلـويات ، دخـل يـوما إلى مصـنـعـه فـرأى أحـد العـمـال يعـجـن العـجـين فـلم يـعـجـبـه ذلك، فـاخـذ تـلك العـجـيـنـة ووضـعـها عـلى الأرض وعـجـنهـا بـقـدميه، لـيـعـلـم الصناع عـرك العـجـين ، فـقال له الـعـامل منبـها له إنـك يا سـيـدي تـلـبـس حــذاء؟، فـأجـابه وماذا يضـير الآخـرين أن يأكلـوا تلك الحـلـوى لاتي قـمت بعـجـنها؟.
وبـعـد شـهـرين مـن ذلك المـوقـف، مـوقـف المغـرور، أحـس الـرجـل بألم شـديـد فـذهـب إلى بـريـطـانيا للعـلاج، فـقـرر الأطـباء قـطـع رجـليه كـلاهـما، اليـمنى واليسـرى فـقـطـعـتا وهـو الآن مقـيـم في بـريـطانـيا، فانظـر صـنع الله في الـرجـل المغـرور عـلى مـن يـتكـبر ويتجـبر هـذا الإنسان الضـعـيف، أعـلى الله يـتـكـبر ويتجـبر اعـمـل ما شـئـت وأعـلـم أن حـساب الله في الـدنيا، حساب تـربـوي تهـذيبي، أما حـسابه تعـالى في الآخـرة، فهـو حـساب جـزائي، وفي الـدنيا يحاسـب لــتربيته وأخـذ العـبرة، أما في الآخـرة يحـاسب ليجـازى.
ومما لا شـك أن الأسـرة هـي مجـتـمع صـغـير متعـدد الأفـراد، وذو مصالح مـشتركة لابـد مـن أن يـقـوم فـيها واحـد مـن أفـرادها لـتـكل إلـيه الأسـرة إدارة شـئـونها وهـو رب الأسـرة، ولم يـكـن مـن الممكـن أن يـقـوم فـيها (قـائـد غـير رب الأسـرة) فـيكـون ذلك سـببا للتمـزق، لأن الأمـر في الأسـرة كالأمـر في السفـينة، إن تعـدد فـيها المسـؤولـون غـرقـت.
والأسـرة هـي النـمـوذج المصـغـر للـدولة، ومـن هـنا فإن الـدولة هـي التي يـكل أفـرادها سـيادتهـم إلى واحـد منهـم ليـمارسـها، وهـم لا يسـتـطـيعـون إلا أن يـكـلـوها إليه كاملة، لأن السـلطة لا تـتجــزأ، ولا يمكـنهـم أن يسـحـبـوها بـعــد أن يـكـلـوها إلـيه لأن مـبـررات التخـلي عـنها إليه مـبررات دائـمة ولا يجـوز أن تـنـقـطـع.
وجـاء الإسـلام بـكل خـير للـفـرد والأسـرة والمجـتـمع، جـاء ليجـمع الناس عـلى كـلمة الحـق ، كلمـة لا إلـه إلا الله و ن محـمدا رسـول الله، جـاء لخـرج الناس من الظـلمات إلى النـور، جـاء ليجـمع الناس عـلى صـعـيـد واحـد، بعـد الفـرقـة والتشتـت، ويـؤلـف بين القـلـوب المـتـنافـرة، ويجـعـلهـم إخـوة متحـابين، بعـد العـداوة والبغـضاء مـتعـاونيـن مـتعا ضـدين مـتراحـمـين، ومـن الأمـور التي جـاء بهـا الإسـلام تنظـيـم الأسـرة، مـن تلـك الأنظـمة الكـثيرة خـلـق الاسـتـئـذان.
قال الله تبارك وتعـالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) (النـور 27 ـ 29).
روي في بـيان سـبـب الـنزول لهـذه الآيات، إن امـرأة مـن الأنصار قالـت: يا رسـول الله إني أكـون في مـنـزلي عـلى الحال التي لا أحـب أن يـراني أحـد عـليها، والــد ولا ولـد، وإنه لايـزال يـدخـل عـلي رجـل مـن أهـلي وأنا عـلى تلك الحـال فـنـزلـت تـلك الآيات، أنها الأخـلاق التي نحـن بحـاجـة إلـيها أكـثر مـن أولئـك المـؤمنيـن، ولن يصلح حـاضـرنا ولا يمـكـن أن يصـلح مسـتقـبلنا، إلا إذا رجـعـنا إلى تلـك القـيـم الإيمـانية.
قال الله تعـالى:(.. إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجـرات ـ 13)، ويـقـولون إن أكـرمـهـم عـنـد الله أعـظـمهـم بيـتا، والإذن في الآيـتيـن قـد جـحـده الناس قال له الـراوي: أأســتأذن عـلى أخـواتي أيـتـام في حجـري مـعي في بيـت واحـد؟.
قال ابن عـباس: نعـم فـكـرر السائل السـؤال لـعـله يجـد رخـصـة، فـقال ابن عـباس: أتحـب أن تـراها عـريـانـة؟ قال السـائـل: لا قال فأسـتأذن، فـراجـعـه أيضـاً فـقـال له: أتحـب أن تطـيـع الله؟ قـال السائـل: نعـم، قال ابن عـباس: اسـتـأذن، فاسـتـئـذانـك طـاعـة لله.
.. وللحديث بقية في الاسبوع القادم.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى