الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / وما زالت “النكبة” مستمرة!

وما زالت “النكبة” مستمرة!

جواد البشيتي

”الذكرى إنما هي في الأصل تجربة، والتجربة لا قيمة لها ولا أهمية تُذكر إن لم نخرج منها بما تستحق من دروس وعبر؛ ونحن لم نُظهر، في قولنا وعملنا، ما يؤكِّد ويُثبت أننا الأبناء الحقيقيون للتجربة الكبرى التي نسميها “نكبة فلسطين”؛ فميلنا إلى “القدرية”، تفسيرًا وتعليلًا، رأيناه في منتهى الوضوح في اتخاذ كلمة “نكبة” تسميةً، أو وصفًا، لهذا الذي حدث في فلسطين سنة 1948.”

“حقُّ العودة (لملايين اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم)” اختلف الآن، فكرةً وواقعًا وممارَسةً وفعلًا..
من قبل، وسنويًّا، واظب أهل الفكر والقلم على إحياء “الذكرى”.. ذكرى نكبة (أو اغتصاب) فلسطين؛ وقبلها ذكرى تقسيم فلسطين؛ وقبلها ذكرى وعد بلفور المشؤوم.. بلفور الذي اعْتَدْنا أن نَلْعَنه ووعده؛ فكفانا الله شرَّ لَعْن أنفسنا، فنحن “الضحية”؛ وكأنَّ مأساتنا التي كانت تَعْظُم سنويًّا ليست من صُنْع أيدينا في المقام الأوَّل. ولو ظَلَلْنا على هذه الحال لاشتدَّ قنوطنا وعَظُم، ولشرعنا نَرْجُم بلفور كما نَرْجُم إبليس!
ولقد كتبوا، متذكِّرين ومذكِّرين إنْ نفعت الذكرى؛ وهي لا تنفع إلا المؤمنين، “وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ”؛ وكان كلامهم كلامًا تمجه الأسماع، لا يؤثِّر في العقول والقلوب؛ لأنه لم يقع على أسماع تشبه أسماع متكلميه.
الذكرى إنما هي في الأصل تجربة، والتجربة لا قيمة لها ولا أهمية تُذكر إن لم نخرج منها بما تستحق من دروس وعبر؛ ونحن لم نُظهر، في قولنا وعملنا، ما يؤكِّد ويُثبت أننا الأبناء الحقيقيون للتجربة الكبرى التي نسميها “نكبة فلسطين”؛ فميلنا إلى “القدرية”، تفسيرًا وتعليلًا، رأيناه في منتهى الوضوح في اتخاذ كلمة “نكبة” تسميةً، أو وصفًا، لهذا الذي حدث في فلسطين سنة 1948.
في تذكُّرنا وتذكيرنا، إنما أكدنا وأثبتنا أننا ما زلنا أبناء الوهم في انتمائنا إلى تلك التجربة، فلم نعللها، وإنْ عللناها لا نحسن التعليل، وكأن صنَّاع النكبة ظلُّوا فينا، يتحكَّمون في تفكيرنا، ويوجِّهون أبصارنا، ويمسكون بأقلامنا، حتى ننكب عن النطق بالحقيقة، ففي النكب عن الحقيقة، وعن النطق بها، تستمر “النكبة”، التي كان فيها من “الحاضر” ما يجعلها أقرب إلى “المضارع” منها إلى “الماضي”!
سنة 1948، حدث الآتي: نشبت الحرب الأولى بين العرب وإسرائيل، وجاء “جيش الإنقاذ العربي” ليقول للفلسطينيين جئناكم لنقضي على الصهاينة ودولتهم، فاتركوا بيوتكم وقراكم، ولسوف تعودون إليها، بعد أيام، آمنين.. اتركوها حتى نؤدي مهمتنا على خير وجه، وحتى لا يصيبكم مكروه.
وخرج عشرات الآلاف من الفلسطينيين ومعهم المفاتيح، فنُصرة الدول العربية لهم كانت الوهم الكبير الذي لم يصدِّقوا أنَّه وهم إلا بعد فوات الأوان.
وقاتلت الجيوش العربية وكأنها تقاتل من أجل صنع “نكبة فلسطين”، فالهُدَن والأوامر العسكرية لم تأتِ إلاَّ لإنقاذ “الصهاينة” من هزيمة عسكرية مرجَّحة أو مؤكَّدة.
والآن، لكم أن تقارنوا بين نكبتين: “نكبة فلسطين” تلك ونكبة الاعتراف العربي بأن لإسرائيل الحق في العيش في أمن وسلام حتى في الأرض الفلسطينية التي احتلتها في حرب 1948.
النكبة الثانية إنما جاءت دليلًا على أن أسباب النكبة الأولى قد زادت واتسعت وترسَّخت.
الذكرى تنفع “المؤمنين” الذين لن يتأكد إيمانهم ويظهر إلا إذا فهموا “نكبة فلسطين” وفسَّروها على أنها “إنجاز عربي” في المقام الأول، فالدهر العربي نكب فلسطين، فكانت “نكبة فلسطين”.
ليس من أُمَّةٍ على وجه الأرض، وعبر التاريخ، أعَدَّت ما استطاعت من قوَّة أكثر من أُمَّتنا؛ ومع ذلك فإنَّ أحدًا من أعداء الله وأعدائنا لم يُرْهب بهذه القوَّة، وكأنَّها ليست لنا، وليست ضدهم، ولو ظهرت على أنَّها في أيدينا!
نحن يوسف يا أبي..
إنَّهم عشرة ملايين فلسطيني، ثلاثة أرباعهم في “خُلْد المنافي” يعيشون؛ حياتهم كلها انتقال من تهجير إلى تهجير؛ فمن وطنهم هُجِّروا أوَّلًا، ثمَّ هُجِّروا، بـ”قوَّة الخوف منهم”، من “دنيا حقوق الإنسان”، ومن “دنيا حقوق المواطِن”، فهم بشرٌ لا حقَّ لهم في التمتُّع بـ”حقوق الإنسان”؛ أمَّا “حقهم في العودة” إلى حيث كانوا فتلاشت “واقعيته” بـ”قوة منطق القوة”، وأصبح القول به قولا بـ “الوهم” و”الخرافة”، بحسب “منطق السياسة الواقعية”.
وقد طُعِنَ هذا “الحق” بـ”خنجر بروتوس” إذ اتَّهموا اللاجئ الفلسطيني بأنَّه شُغِلَ بالخُلْدِ عن وطنه!
“الفلسطيني” هو تراجيديًّا “إنسان بلا حقوق”، مُثْقَلٌ بـ”الواجبات”، التي منبعها “الخوف منه”، وإنْ ألبسوه لبوس “الخوف عليه”.
عليه أن يفعل هذا أو ذاك، وليس له الحق في أن يفعل هذا أو ذاك.
خاطبوه دائمًا بهذا “القول البليغ”: إنسَ حقك في التمتُّع بـ”حقوق الإنسان” و”حقوق المواطَنة” حتى لا تنسى “حقكَ في العودة”، الذي ينبغي لكَ أن تنساه حتى نتذكَّر حقكَ في التمتُّع بـ”حقوق الإنسان” و”حقوق المواطنة”!
وهُجِّر أيضًا.. هُجِّر من “حقِّه في خبزه السياسي”، فلا رأي له في ما يسمى “مفاوضات السلام”، التي غايتها أن تَجِدَ شيئًا يشبه تلكَ “الثلاثين من الفضة”، فيُعوِّضونه به خسارته “حق العودة”، الذي إن ظلَّ مستمسِكًا به سيعود؛ لكن ليس إلى حيث كان..وإنَّما إلى حيث يمكن أن يكون.
إلى “إسرائيل” لن يعود؛ لأن ثمَّة “حقائق” منيعة، تمنع “حقه في العودة”.إلى “الدولة الفلسطينية”، قد “يعود”؛ لكن “قد” هذه قد تتحوَّل إلى “لن”، فالولايات المتحدة لم تَقُلْ بـ”حق المستوطنين في البقاء إلى الأبد حيث هُم” إلا تمهيدًا للقول بـ”حق اللاجئين في البقاء إلى الأبد حيث هُم”!
إنَّ استمساك العرب بـ”حقِّ العودة”، أو بـ”الحل العادل الواقعي المتَّفَق عليه” لمشكلة اللاجئين، أو بـ”رفض التوطين”، لا معنى له ولا صدقية ولا قيمة عملية، إنْ لم يُتَرْجَم بفعل بسيط وصغير هو السماح للاجئين الفلسطينيين بتنظيم أنفسهم بأنفسهم، ليس من أجل أن يتسلَّحوا بالحديد والنار، ولا من أجل أنْ يفتحوا النار على إسرائيل من حيث يقيمون، ولا من أجل أنْ يصبحوا دولة في داخل دولة، وإنَّما من أجل أنْ يقولوا للعالم أجمع: هذا هو رأينا نُدْلي به، وهذا هو موقفنا نعبِّر عنه، من خلال هيئات انتخبناها بأنفسنا ولأنفسنا.
وإنَّني لأتمنى أنْ تقف الدول العربية من وجود اللاجئين الفلسطينيين على أراضيها الموقف نفسه الذي وقفه ليبرمان (ونتنياهو) من وجود ما يسمَّى “عرب إسرائيل” في دولته؛ فهذا الرجل أبدى، غير مرَّة، إصرارًا على عدم توقيع اتفاقية للسلام مع السلطة الفلسطينية قبل أنْ تلبِّي له مطلبه، ألا وهو نقل “عرب إسرائيل” من “منزله”، وضمِّهم إلى مواطني الدولة الفلسطينية المقبلة.
أليس من حقِّ العرب أنْ يقولوا لإسرائيل إنَّنا لا نريد بقاء اللاجئين الفلسطينيين عندنا، وإنَّنا، من ثمَّ، لن نوقِّع معكَ اتفاقية للسلام، أو لن نستمر ملتزمين لها، إلاَّ إذا أخذتِ اللاجئين من عندنا؟!
أتمنى أنْ تجرؤ الدول العربية على إبداء هذا “العداء الإيجابي” لوجود اللاجئين الفلسطينيين على أراضيها، فوحده هذا “العداء” هو ما يُقْنعني بأنَّ الدول العربية معادية حقًّا للتوطين.
واليوم يقول اللاجئون إنَّ أحدًا من الأقربين أو الأبعدين لا يملك التنازل عن حق العودة؛ وإنَّ اللاجئ الفلسطيني نفسه لا يملك التنازل عن حق العودة؛ لأنَّ هذا “المُتنازَل عنه” ليس بالشيء المُمْتَلَك، أو الذي يمكن أن يُمْتَلَك، امتلاكًا شخصيًّا، فالأبناء والأحفاد من حقِّهم الذي لا ريب فيه أن يعلنوا تخلِّيهم عن هذا التخلَّي؛ لأنَّ حق الإنسان في وطنه ليس بالحق الذي إذا تنازل عنه السلف وَجَبَ على الخلف أن يظل ملتزما هذا التنازل؛ ولأنَّ الحقوق القومية والتاريخية للشعوب لا تزول إلا بزوال الشعوب نفسها، ولا يمكنها أبدًا أن تزول بتخلي فَرْد، أو أفراد، عنها.

إلى الأعلى