الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تشريع القمع

تشريع القمع

علي بدوان

”يشير المحلل السياسي “الإسرائيلي” من صحيفة (يديعوت أحرونوت) شالوم يروشالمي في تعليقه على مساعي الوزيرة (ايليت شاكيد) من حزب “البيت اليهودي” لطرح قوانين وتشريعات جديدة للحد من دور وعمل المنظمات والحركات المناوئة للاحتلال إلى: “أن هناك تقاسمًا للأدوار بين عدد من الشخصيات الوزارية البرلمانية…”

تتواصل في دورة “الكنيست” الإسرائيلي” الحالي (الدورة العشرين) بصورة منهجية حثيثة، ما كان قد بدأ في دورتيه السابقتين بشكل خاص (الـ19 والـ18) في إطار الحملة التشريعية المحمومة التي يقودها وينفذها “اليمين الإسرائيلي” الحاكم لسنّ مجموعة من القوانين العنصرية المعادية للديمقراطية ولحقوق الإنسان الفلسطيني تحديدًا، قوانين وتشريعات تنقضّ على جمعيات ومنظمات غير حكومية تعنى بحقوق الإنسان عامة، والفلسطيني خاصة، بغية معاقبتها أولًا. ثم محاصرتها والتضييق عليها ثانيًا، وخنقها ماليًّا ثالثًا، وذلك من خلال اتهامها، بصورة عامة، بأنها “تتعاون مع أعداء إسرائيل” و”تخدم أجندات أجنبية معادية لدولة “إسرائيل” ومصالحها كدولة يهودية.
وهنا، يشير المحلل السياسي “الإسرائيلي” من صحيفة (يديعوت أحرونوت) شالوم يروشالمي في تعليقه على مساعي الوزيرة (ايليت شاكيد) من حزب “البيت اليهودي” لطرح قوانين وتشريعات جديدة للحد من دور وعمل المنظمات والحركات المناوئة للاحتلال إلى: “أن هناك تقاسمًا للأدوار بين عدد من الشخصيات الوزارية والبرلمانية التي تؤدي دورًا كبيرًا على صعيد دفع تنفيذ خطة تغيير قواعد اللعبة بشكلٍ كامل وتحويل إسرائيل إلى نوع من الدولة الديمقراطية اليهودية ــــ الدينية المُتعصبة، التي تعتمد على الطابع اليهودي أكثر مما تركّز على الطابع الديمقراطي. ويتزعم هؤلاء رئيس الحكومة الذي أخذ يتجه نحو هذا المسار الخطر المعادي للديمقراطية، لكن يغير أحيانًا تكتيكه ويتراجع إلى الوراء ليعاود هجومه من جديد”. وبرأي المحلل السياسي شالوم يروشالمي “إن إسرائيل تسير في اتجاه نظام يبعدها عن الديمقراطية الغربية، ويحولها إلى دولة مختلفة حيث لن يكون هناك وجود لليسار العلماني ولا لحقوق الأقليات”.
إن عضو الكنيست (ياريف ليفين) من حزب الليكود، وأحد أكثر النشيطين في ميدان سن القوانين الرامية إلى تغيير أصول اللعبة الداخلية، حدّد بملء الوضوح أن غاية هذه الحملة التشريعية تتمثل في إصابة ثلاثة أهداف على المستوى “الإسرائيلي” الداخلي. أولًا، المحكمة العليا التي وصفها ياريف ليفين بأنها تضم البعض من المحسوبين على “تيار مناصر للمنظمات التي تدعي المدافعة عن حقوق الإنسان الفلسطيني، وهي نخبة ضئيلة من حي رحافيا الأشكنازي (في القدس الغربية)، حيث تتبنى جدول أعمال ما بعد صهيوني”. ثانيًا، وسائل الإعلام التي تنتقد سلوك جيش الاحتلال والتي وصفها بأنها “تمارس حرية التشهيـر والتحقير”. ثالثًا، منظمات المجتمع المدني، وأساسًا منظمات حقوق الإنسان التي تدافع عن حقوق الإنسان الفلسطيني في الأراضي المحتلة، والتي قال إنها “تلحق أضرارًا فادحة بالسيادة الإسرائيلية، كمنظمة (لنكسر الصمت) و(بتسيلم).
وتصبّ الحملة الحكومية “الإسرائيلية” إياها، ومحاولات نقلها إلى عملية التشريع في إطار تجسيد أيديولوجية حكومة اليمين الحالية، بما يرمي إلى تطبيق سياسات اليمين، كما تطالب بها وزيرة “العدل الإسرائيلية” (ايليت شاكيد) من حزب البيت اليهودي، ولهذا السبب ولهذا الغرض، بالضبط، تم وصول تلك الأصوات وانتخاب مرشحيها للكنيست. فالوزيرة (ايليت شاكيد) هي صاحبة المبادرة الأساسية والمسؤولة المباشرة عن الجزء الأكبر من هذه القوانين الجديدة.
وتسعى (ايليت شاكيد) إلى سن “قانون الشفافية” أو “قانون الجمعيات”، الذي يهدف إلى فرض قيود على التمويل الأجنبي للمنظمات الحقوقية خصوصًا. وينص هذا القانون على فرض نسبة ضريبة مرتفعة جدًّا على هذا التمويل. كما يقضي القانون بإلزام مندوبي المنظمات بتقلد بطاقة تعريف لهم لدى دخولهم إلى الكنيست للقاء نواب.
وكانت منظمة NGO MONITOR “الإسرائيليّة” اليمينيّة، التي تَدَّعي أنها تراقب الحركات والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، قد أبلغت رئيس الحكومة “الإسرائيلية” بنيامين نتنياهو، والوزراء أن منظمة (بتسيلم) تلقت تمويلًا من “الصندوق الأوروبي للديمقراطية” خلافا لما يسمى بـ”قانون الشفافية”، الذي تعمل الحكومة على سنه لمنع التمويل الأجنبي لهذه الجمعيّات.
إن مشروع القانون الأخير ضمن هذه الحملة، هو المُسمى رسميًّا “قانون الشفافية” أو “قانون الجمعيات” الذي أقرته “اللجنة الوزارية لشؤون التشريع” (برئاسة ايليت شاكيد نفسها)، يوم 27 كانون الأول/ديسمبر 2015، وذلك بإجماع أعضائها الوزراء الـ12 كلهم، بينما لم يَكُن حاضرًا في الجلسة إياها سوى اثنين منهم فقط: (ايليت شاكيد) رئيسة اللجنة و(زئيف إلكين (من حزب الليكود. أما الوزراء العشرة الآخرون أعضاء اللجنة، فقد صوتوا مؤيدين مشروع القانون، من دون إجراء أي نقاش أو بحث حوله.
وتُشكّل المصادقة على مشروع القانون في “اللجنة الوزارية” الخطوة العملية الأولى في عملية سنّ هذا القانون، إذ سيُطرح على الكنيست للتصويت عليه باعتباره “مشروع قانون حكومي”، وهو ما يُكسبه الأغلبية البرلمانية اللازمة، بصورة أوتوماتيكية تقريبًا، ما يعني أن سنّه وإدراجه في كتاب “القوانين الإسرائيلي” قد أصبح في حكم المؤكد، تقريبًا. وبالفعل صادقت الكنيست بالقراءة الأولى على مشروع القانون المثير للجدل والمعروف بـ”قانون الشفافية” الذي طرحته وزيرة القضاء أيليت شاكيد من حزب “البيت اليهودي” ويُلزم جمعيات تتلقى معظم تمويلها من دول أو منظمات أجنبية بأن تذكر ذلك في جميع تقاريرها ووثائقها الرسمية. وأيّد مشروع القانون هذا (50) عضو كنيست وعارضه (43) عضوًا. وأكد معارضو مشروع القانون أنه يهدف أساسًا إلى المساس بجمعيات حقوقية تنشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، فالوزيرة ايليت شاكيد تسعى إلى كمّ أفواه الجمعيات المناهضة للاحتلال، فمشروع القانون هو مرحلة أخرى من عدة مراحل مخططة لإقصاء جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان.
وبالنتيجة، إن منظمات حقوق الإنسان في “إسرائيل” تحت سطوة القمع، ومحاولاته تشريعه تشريعًا تامًّا، حيث تمارس الحكومة “الإسرائيلية” بقيادة بنيامين نتنياهو، ولا تزال على أرض الواقع سياسات التضييق والملاحقة بحق ناشطي تلك المجموعات والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك تشريع الإعدامات الميدانية بحق النشطاء السلميين من الشبان الفلسطينيين، وقد سارعت بعض الأقلام التي تكتب في الصحافة العبرية للقول بأن السلطات “الإسرائيلية” تمارس “صيد الساحرات” ضد هؤلاء الناشطين من حركات ومنظمات، حيث يتم من حين لآخر قيام الشرطة “الإسرائيلية” باعتقال عددٍ منهم.

إلى الأعلى