الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الفساد وقمة لندن ورؤية بهيج طبارة

الفساد وقمة لندن ورؤية بهيج طبارة

عادل سعد

”.. يعد الفساد من أخطر الملوثات التي تقطع الطريق على تحقيق المساواة والعدل وإنصاف الشرائح الاجتماعية الأشد فقرًا، ثم إن الفساد يعد عرابًا لا يشق له غبار في ما يمكن الاصطلاح عليه (تآكل المعايير الأخلاقية) ضمن الدوائر السياسية المسؤولة عن إدارات الدول، وفي الوقت نفسه التآكل الذي يصيب المجمتعات ذاتها من خلال التكيف بصورة أو بأخرى مع ظاهرة الفساد عمومًا.”

من جديد تزدحم ذاكرتي بالتشخيص الذي أطلقه رئيس المنظمة العربية لمكافحة الفساد الوزير اللبناني بهيج طبارة، لقد جرى لي ذلك خلال متابعتي فحص نتائج قمة لندن التي عقدت هناك في الثاني عشر من الشهر الجاري وخصصت لموضوع الفساد فقط، والإعلان الذي صدر عنها، وكذلك بشأن التقرير الذي صدر عن صندوق النقد الدولي وتصريحات مديرته كريستين لاجارد على هامش تلك القمة وفي أعقابها مباشرة.
إن ما قاله المسؤول العربي (إن الفساد لا ينتظر أحدًا) وجدته ضمن أساسيات ما تمخض عن قمة لندن وبيان الصندوق وتصريحات لاجارد من خلال عدد من القوانين التي تستحق الإشارة، وفي مقدمتها أن الكلفة السنوية الإجمالية للفساد على مستوى العالم وصلت إلى تريليون واحد وخمسمئة مليار دولار، أي ما يشكل 2% من الناتج الإجمالي العالمي، وهذا يعني في التفسير المنطقي أن جموح الفساد ليس له أية كوابح، وهذا مؤشر انفلات لا يستهان به، مثلما ينبغي أن لا يستهان بحقيقة أن الفساد يتصدر أسباب المحنة التي تعاني منها البشرية قبل الفقر والبطالة وذلك بالإمعان الذي يتم فيه مضاعافته السلبية الخطرة على الحكومات والسكان بانخفاض الإيرادات المالية اللازمة للصرف على البرامج التنموية وارتفاع الإنفاق العام، مع حصول ضياعات مالية، الأمر الذي لا بدّ يتسبب في هدر مؤلم للمال العام، كما أن للفساد أصابعه الإجرامية في تكريس الاختلالات داخل البنوك المركزية الوطنية وما ينتج عنها من ارتفاعات في معدلات التضخم وتراجع الرصيد المالي المطلوب لخدمات التعليم والصحة والخدمات البلدية والاجتماعية.
ويعد الفساد من أخطر الملوثات التي تقطع الطريق على تحقيق المساواة والعدل وإنصاف الشرائح الاجتماعية الأشد فقرًا، ثم إن الفساد يعد عرابًا لا يشق له غبار في ما يمكن الاصطلاح عليه (تآكل المعايير الأخلاقية) ضمن الدوائر السياسية المسؤولة عن إدارات الدول، وفي الوقت نفسه التآكل الذي يصيب المجمتعات ذاتها من خلال التكيف بصورة أو بأخرى مع ظاهرة الفساد عمومًا، والأخطر من ذلك أن يصيب التآكل الأخلاقي دوائر ومؤسسات مسؤولة عن أمن السكان كما هو الحال في العراق وفي بلدان أخرى، إذ ما زال العنف المسلح والقتل العمد سيد الموقف في أكثر من منطقة واحدة.
إن توحش الفساد بالشبكات المعقدة التي ينضوي تحتها تجعله عاهة صعبة التشخيص السريري، وبتحليل مضاف أنه يستطيع أن يقاوم أو يفلت من أية إجراءات تحد منه، وقد يتحول إلى (خلايا نائمة) في أجسام الحكومات والشركات يتحين الفرص لمواصلة العمل عندما يجد أن العين الرقابية غافلة أو عندما تكون الحكومات فاسدة، أو مشغولة في قضايا جانبية لصالح موضوعات تبدو في المشهد العام هي القضايا الرئيسية، تمامًا كما تستطيع العديد من البكتريا والجراثيم أن تتمرد على أدوية المضادات الحيوية، وقد يلجأ عتاة الفساد إلى التضحية بقضايا فساد صغيرة لكي يتم الانشغال بها، في حين تكون جرائم الفساد الكبرى آمنة، ويحضرني هنا المشهد التمثيلي الجميل للفنان السوري القدير دريد لحام في مسرحية (كأسك يا وطني) عندما ابتلع مبلغ ليرة معدنية واحدة تم تحديد مكانها في الجهاز الهضمي، في حين أن هناك من يبتلع الملايين من العملات المحلية والأجنبية دون أن يعرف أحد مكانها.
إن ما جاء في إعلان لندن وتصريحات لاجارد يؤكد بما لا يقبل الشك أن الفساد تحول إلى سلوك يومي تمامًا كما كان يفعل ذلك الموظف الهندي الفاسد الذي لا يستطيع أن يتسلم مرتبه الشهري إلا من تحت الطاولة التي يدير من فوقها شؤون وظيفته لكثرة ما تعاطى من الرشاوى في استلامها من تحت الطاولة، أو كما يفعل موظفون عراقيون مرتشون يبدأون صباحهم الوظيفي بفتح (مجرات) مكاتبهم أمام المراجعين، وهي إشارة إلى هؤلاء المراجعين أن يرموا بها مبالغ معينة مقابل إنجاز معاملاتهم السليمة، وقد يعيدون غلق وفتح تلك (المجرات) في إشارات إلى قلة المبالغ المدفوعة، وهكذا باتت هذه الآلية علامة يومية فارقة في المشهد الوظيفي العراقي.
الخلاصة من كل ذلك ومن رؤية (طبارة) أن الفساد لا ينتظر أحدًا تبقى ملاحقة هذه الظاهرة المأساوية عنوانًا لمواجهتها، أين ومتى يتم الإمساك به وفضحه وسوق مرتكبيه إلى العدالة ضمن نصائح أربع أسداها صندوق النقد الدولي وتتمثل في تعزيز الشفافية، وتعزيز سيادة القانون، وتبسيط اختصاصات الموظفين، وأن تلعب القيادات السياسية دورًا حاسمًا في المكافحة.

إلى الأعلى