السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / المسجد الحسيني في عمّان.. شاهدٌ على تحوّلات المدينة
المسجد الحسيني في عمّان.. شاهدٌ على تحوّلات المدينة

المسجد الحسيني في عمّان.. شاهدٌ على تحوّلات المدينة

عمّان ـ العمانية:
في وسط مدينة عمّان، المكتظ بحركة الناس والباعة على مدار اليوم، يقف المسجد الحسيني معْلما مضيئا بعبق الماضي وعراقة التاريخ، منسجما مع حاضر المدينة ومواكبا للتطورات التي شهدتها على مدار قرون.
ورغم شحّ الأدلة الملموسة والموثوقة حول تاريخ بناء المسجد، إلا أن هناك مصادر تاريخية تشير إلى أن المسجد شُيّد في عهد الخليفة عمر بن الخطاب قبل نحو أربعة عشر قرنًا، ولهذا يظهر في بنائه نمط الهندسة الراشدية التي كانت شائعة زمن الخلفاء الراشدين.
ويتفق مؤرخون آخرون على أن المسجد يعود إلى العهد الأموي، ويؤكدون أنه عُرف قديمًا باسم “المسجد الأموي”، وقد ورد ذكره لدى جغرافيين ورحّالة عرب، من ذلك ما أورده الجغرافي أبو عبدالله محمد بن أحمد المقدسي، في كتابه “أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم”، حيث يقول: “عمّان على سيف البادية، ذات قرى ومزارع، ورستاقها ـ ضواحيها ـ البلقاء، وهي معدن الحبوب والأنعام، بها عدة أنهار، وأرحِيَة يديرها الماء، ولها جامع ظريف في طرف السوق، مفسفس الصحن، شبه مكّة”، وقصد بتشبيه المسجد بمكّة أن تصميم البناء القديم يشبه تصميم المسجد الحرام في مكّة المكرمة.
وقدم ياقوت الحموي في كتابه “معجم البلدان”، وصفا مطولا لهذا المسجد الأموي القديم؛ حيث ضمّ، بحسبه، صحنا واسعا تحيط به من الجهات الثلاث سقائف محمولة على أعمدة، وبيت للصلاة سقفه محمول على أعمدة أيضا؛ تتجه عموديا نحو حائط القبلة، واستُخدمت في بنائه حجارة منتظمة الشكل تمنح واجهاته الخارجية طابعا هندسيا دقيقا، أما واجهاته الداخلية، وبخاصة المطلّة على صحن المسجد، فقد زُخرفت بالفسيفساء الملونة، واشتملت على تشكيلات هندسية غاية في الجمال، كما استُخدم الخط العربي لتزيين المسجد بالآيات القرآنية الكريمة.
ونظرا لتقادم الزمن وتقلبات الجو وكوارث الطبيعة، كادت ملامح المسجد القديم تختفي من الوجود، إلى أن تم تدارك بقاياه واستكمال بناء مسجد عليها سُمّي “المسجد العمري” حتى مطلع عشرينات القرن الماضي، إذ أُعيد ترميم المسجد بشكل كامل في عهد الأمير (الملك لاحقا) عبدالله (الأول)، وأطلق عليه اسم “الجامع الحسيني” نسبةً إلى والده الشريف الحسين بن علي، الذي أطلق الثورة العربية الكبرى في وجه الأتراك قبل قرن من الزمان.
وقد مثّلت إعادة بناء هذا المسجد، أولَ مشروع عمراني كبير في مدينة عمّان المعاصرة، واستُخدمت في بنائه الخلطة الاسمنتية، والتي اقتصر استخدامها أول الأمر على بناء المئذنة الشرقية ذات الخوذة الحجرية، والتي دُمرت في الزلزال الذي أصاب المدينة عام 1927، وقد استبُدلت بهذه الخوذة خوذةٌ خشبية في وقت لاحق.
وفي الأربعينات من القرن الماضي، أجريت للمسجد عملية ترميم أخرى، حيث تمت توسعة صحن المسجد وأقيمت في وسطه مِيضأة، كما أضيفت المئذنة الغربية بارتفاع طابقين، وهي مشابهة للمئذنة الشرقية، غير أن الخوذة فيها حجرية وليست خشبية، وفي الفترة بين العامين 1986 و1987 خضع المسجد لأعمال ترميم وتجديد كبرى ليستقر على هيئته التي يبدو عليها الآن.
أما جدران المسجد فكانت قديما من الطين والاسمنت، ثم جُددت بالحجر الأبيض، وكانت أرضه من البلاط العادي، ومع التجديد الأخير رُصفت بالرخام، وكان المصلّون يستعملون نافورة تتوسط صحن المسجد للوضوء استُبدل بها فيما بعد متوضّأ أقيم في الجهة الشرقية.
يحتوي المسجد اليوم على أربع بوابات؛ الكبرى لا تفتح إلا بالمناسبات والأعياد الدينية، وعلى طرفي الواجهة الكبيرة للمسجد ترتفع مئذنتان إحداهما أطول من الأخرى، تمنحان المسجد هيبة وعراقة وهما تعانقان فضاء المدينة.
وبينما ينقسم صحن المسجد إلى جزأين، فإن النافورة التي تتوسّطه، والتي كانت متوضّأً في السابق، تمنح الراحة للنفس حيث خرير الماء المتدفق فيها يمتزج بأنفاس المصلّين وصوت الإمام يتلو آيات الذكر الحكيم. وعلى يمين صحن المسجد تقف خمسة أعمدة بيضاء وفي مقدمته سبعة أعمدة تحمل بمجموعها الطابق الثاني.
أما بيت الصلاة فله ثلاثة أبواب، أوسطها هو المدخل الرئيسي، ويقوم سقف بيت الصلاة الذي تتهادى تحته النفوس مطمئنّة، على دعائم تتعامد مع جدار القبلة، وروعي في تصميمه وبنائه مراعاة المناخ الشتائي البارد لمدينة عمّان، إذ يخلو من النوافذ ما عدا أربعة جميعها على الجدار الشمالي، ويتوسط المحرابُ جدارَ القبلة في مواجهة قبة المحراب، ويكتمل المشهد البهيّ بوجود المنبر إلى جواره، وهو المنبر الذي يقف عليه كبار علماء الدين والأئمة والفقهاء والقضاة يخطبون في الناس يوم الجمعة.
وقد أُرفق بالمسجد دار لتعليم القرآن الكريم، ومكتبة تضم كتبا ومجلدات قديمة، دينية وتاريخية وفنية، ومجلات، وتسجيلات صوتية، بالإضافة إلى مرافق خاصة بصلاة النساء ووضوئهن.
وبحسب ما يرويه الشيخ عايش الحويّان في مذكراته، فإن الملك المؤسس عبدالله بن الحسين، كان يأتي إلى المسجد الحسيني قبل موعد الإفطار، ويجلس في المسجد مع أهل العلم والدين مثل الشيخ حمزة العربي (إمام المسجد وخطيبه يوم الجمعة)، والشيخ عبود النجار (إمام الحضرة الهاشمية)، والمشايخ (الشناقطة) مثل: الشيخ محمّد المختار الشنقيطي، والشيخ عثمان الشنقيطي، والشيخ محمّد الخضر (أوّل قاضٍ للقضاة)، والشيخ محمّد الأمين، والشيخ محمّد السالك، والشيخ محمّد فال الشنقيطي الذي كان مفتشا للمحاكم الشرعية.
وكان هؤلاء الشيوخ يلتقون في المسجد الحسيني في رمضان، يتحدثون في الفقه وأحكام الصوم، ويتدارسون اللغة العربية، وكانت المجالس التي يجتمع فيها الملك بكبار العلماء تستمر خلال شهر رمضان المبارك. وقد بُنيت داخل المسجد مقصورة، كان الملك عبدالله يصلّي فيها.
ويكتسب المسجد الذي يبلغ طوله نحو 59 مترا وعرضه نحو 13 مترا، إلى جانب رمزيّته التاريخية والدينية بُعدا سياسيا، فمن ساحاته تنطلق في كثير من أيام الجمع، وبعد صلاة الجمعة، مسيرات شعبية تطالب بإصلاحات اقتصادية وسياسية وعدالة اجتماعية.
والمسجد الحسيني ليس مجرد مسجد وحسب، بل هو تحفة معمارية محاطة بأربعة شوارع رئيسية تربط ضواحي عمّان القديمة بعضها ببعض، وتنتشر حولها الأسواق القديمة التي ما تزال تحمل ذاكرة المدينة وتحكي تاريخها، فعلى اليمين سوق السكّر، وعلى اليسار سوق البخارية، وليس بعيدا عنه سوق الحميدية، لذا فإن المسجد بأروقته الداخلية وساحاته الخارجية يجمع البشر من مختلَف الممل والنحل: مرتادي السوق، والتجار، والشيوخ، والزوار العرب والأجانب.

إلى الأعلى