الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / «الحريق» يشتعل في أميركا اللاتينية .. والاتهامات تتجه صوب الولايات المتحدة
«الحريق» يشتعل في أميركا اللاتينية .. والاتهامات تتجه صوب الولايات المتحدة

«الحريق» يشتعل في أميركا اللاتينية .. والاتهامات تتجه صوب الولايات المتحدة

فنزويلا بعد البرازيل .. البرلمان يجمع توقيعات “تمرد” لعزل الرئيس.. والحكومة تعلن الطوارىء..

أيمن حسين
مراسل الوطن

مقدمة:
يبدو أن القوى العالمية اتجهت صوب أميركا الجنوبية لتتابع حركات تغيير حكام الدول الكبرى فى القارة اللاتينية، والتى تشهد تصدي بعض مؤسسات هذه الدول – والتى تسيطر عليها المعارضة – للنظام الحاكم بغية إحداث تغيير فى رأس النظام بطريقة مؤسسية مدعومة بمظاهرات شعبية لخلع جسد النظام السياسى الحاكم كاملاً خاصة وأن السياسة الاقتصادية ونظم الحكم فى هذه البلدان “اشتراكية” وهو ما لا يتوافق مع النظم الرأسمالية التى تسيطر على مقاليد الأمور فى العالم كله، فبعد أيام معدودات على عزل الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف بواسطة البرلمان الذى تسيطر المعارضة عليه، دخلت فنزويلا على الخط حيث تسير المعارضة المسيطرة على الجمعية الوطنية “البرلمان” نحو خلع الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو فى موجة جديدة ربما تسمى “الربيع اللاتينى” على غرار ماسمي “الربيع العربى” الذى اندلع فى 2011 ببعض الدول العربية وأحرق الأخضر واليابس فيها.
//بداية الأزمة:
بعد فترات طويلة من سيطرة حزب فنزويلا الاشتراكى الموحد بقيادة الرئيس الفنزويلى الراحل هوجو تشافيز الذى تولى الحكم من 1999 حتى 2013، دخلت الدولة اللاتينية حقبة جديدة من التوترات يدعمها طمع المعارضة فى السلطة خاصة وأن خلف تشافيز نجح فى الانتخابات الرئاسية بنسبة بسيطة جداً 50.08% مقابل 49% لانريكى كابريليس رادونيسكى و0.92 لمرشحين آخرين.
وفى نهاية 2015 أجريت الانتخابات البرلمانية وحصلت المعارضة على 112 مقعداً من أصل 167 لتسيطر على الجمعية الوطنية، وتبدأ فى إسقاط الرئيس مادورو، ففى الجلسة الافتتاحية قام نواب المعارضة بتمزيق صور تشافيز الموجودة داخل البرلمان، ورفض زعيم كتلة الشافيزيين في البرلمان والرجل الثاني في النظام ديوسدادو كابيلو الاعتراف بهؤلاء النواب الجدد، وأعلن أنه سيرفع الأمر إلى المحكمة العليا، وهي أعلى سلطة قضائية في البلاد، بينما أعلن ائتلاف طاولة الوحدة الديمقراطية بصريح العبارة عن سعيه نحو الإطاحة بالنظام مما أثار سخط نواب الحزب الإشتراكي فغادروا الجلسة، وبدأ هنري راموس، رئيس البرلمان الوطني الفنزويلي كلمته قائلاً: “لاستعادة استقلالية السلطة التشريعية، وقانون المصالحة وكذا العفو الوطني، علينا أن ننظر في هذه الأمور خلال فترة ستة أشهر اعتبارا من اليوم، إنّها وسيلة دستورية، ديمقراطية، سلمية وانتخابية من أجل وضع حد لمهام هذه الحكومة”، ثم بدأت موجات المظاهرات خارج الهيئة التشريعية المناصرة للرئيس وحزبه والمؤيدة لنواب البرلمان الذى تسيطر عليه المعارضة.
المؤيدون للرئيس تظاهروا في ساحة سيمون بوليفار في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، ضد نزع صورة الرئيس الراحل هوجو تشافيز من داخل مقر البرلمان، وبعضُ المتظاهرين كانوا يبكون من شدة التأثر والاستياء من كيفية تعاطي السلطات الجديدة مع صُورة زعيمهم تشافيز، فيما نظم مناصرو المعارضة مسيرة مؤيدة لائتلاف طاولة الوحدة الوطنية وطالبوا بتعديل الدستور واجراء استفتاء لعزل الرئيس من منصبه.
//هزيمة الرئيس:
وفى أول رد فعل منه على هزيمة حزبه فى الانتخابات طلب مادورو من وزرائه الاستقالة بعد يومين فقط من نتيجة الانتخابات، واتهم المعارضة التي حققت فوزا ساحقا في الانتخابات التشريعية الأخيرة بالسعي إلى “زعزعة” سلطته، ثم عيّن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الأربعاء حكومة جديدة لمواجهة البرلمان الذي تهيمن عليه معارضة تتمتع بأغلبية الثلثين مما يمنحها سلطات واسعة، وقال مادورو “قررت تشكيل هذا الفريق كي يبدأ اليوم حركة عمل جديدة مع الشعب ولمواجهة الوضع الاقتصادي الخطير”، موضحا أنه شكل هذه الحكومة لمواجهة “مرحلة جديدة من الثورة وكذلك برلمان برجوازي”، وأضاف أن هذه الحكومة ستعمل على حل مشكلات “الوضع الاقتصادي الخطير” وتقود عملية “إعادة تصحيح وانطلاقة للشافيزية”.
وقال مادورو إنه مستعد لـ”ثورة راديكالية”، مضيفا “إما أن نخرج من هذا المستنقع عن طريق الثورة وإما تدخل فنزويلا في نزاع كبير يمكن أن يؤثر على منطقة أميركا اللاتينية والكاريبي برمتها”، مؤكدا أنّه سيدافع بـ”يد من حديد” عن الديموقراطية والاستقرار في فنزويلا.
//تمرد المعارضة:
المعارضة بدأت تدرس الوسائل القانونية لتسريع رحيل مادورو، لكنها ترى أن هامش تحركها يضيق إذ أن تقصير ولاية الرئيس يمكن أن يتم بإحدى طريقتين الأولى تعديل الدستور لجعل الولاية الرئاسية أربع سنوات بدلا من ست، وهذا الأمر يحتاج إلى موافقة محكمة العدل العليا بفنزويلا، والثانية تنظيم استفتاء لعزل الرئيس، لكن هذا الإجراء يجب أن يقره المجلس الوطني الانتخابي.
فى الطريقة الأولى أصدرت المحكمة العليا في فنزويلا حكما في إبريل الماضي ينص على أن أي تعديل للدستور من شأنه تقليص فترة ولاية الرئيس لا يمكن أن يكون ذا اثر رجعي، وأنه لا يمكن تغيير فترة ولاية الرئيس مبدئيا إلا إذا صوت الشعب على ذلك في استفتاء عام فإنه يطبق فورا لأن الدستور يسمح بهذا الاجراء بعد مضى نصف ولاية الرئيس، وأثار هذا الحكم غضب المعارضة، التي وصفته بأنه يعزز الاتهامات بأن مادورو يسيطر على مؤسسات الدولة، لكن زعماء المعارضة دعوا الى تنظيم مسيرات تتوجه الى لجنة الانتخابات لمطالبتها بتوزيع الاستمارات الضرورية والتي تعد الخطوة الاولى نحو جمع 4 ملايين توقيع التي تتطلبها عملية الدعوة الى استفتاء عام، حيث ينص الدستور على جمع توقيعات 1% من إجمالى عدد الناخبين أى حوالى 200 ألف توقيع.
وقال زعيم المعارضة هنريك كابريليس: “يجب اجراء استفتاء العزل هذه السنة، والا فلا موجب له”، مشيرا إلى انه استطاع جمع 2,5 مليون توقيع وسيتم تقديمهم الى اللجنة الوطنية الانتخابية، مضيفاً “في الوقت نفسه هناك دليل مهم على أننا نحن الفنزويليين نختار الطريق الدستوري والديموقراطي والسلمي، ونريد أن نقرر طريقنا وتصويتنا ومستقبل بلدنا”.
وستتحقق اللجنة الوطنية الانتخابية فيما إذا كان الحد الأدنى المحدد من الأصوات قد تحقق، وستدعو الناخبين الى تأكيد خيارهم شخصيا قبل البدء بعملية تحقق أخيرة، قبل أن تنتقل المعارضة الى مرحلة ثانية وهي جمع أربعة ملايين صوت خلال ثلاثة أيام للدعوة إلى الاستفتاء، الذي تأمل في تنظيمه اعتبارا من نهاية نوفمبر القادم.
وفى الوقت الذى لم يستخدم استفتاء الإقالة سوى مرة واحدة في تاريخ فنزويلا، في 2004 ضد الرئيس السابق هوجو تشافيز وباء بالفشل، أصبح مادورو متخوفاً من نجاحه هذه المرة فدعا أنصاره فى ذكرى عيد العمال إلى “التمرد لكن بشكل سلمي إذا نجح الاستفتاء”، وقال أمام آلاف المتظاهرين المؤيدين له “إذا تمكنت الاقلية المتحكمة يوما ما من فعل شيء ما ضدي وتمكنت من الاستيلاء على هذا القصر بطريقة أو بأخرى، فإني آمركم أن تعلنوا التمرد واضراب عام مفتوح حتى الانتصار على الأوليجاركية”.
//صدام وردة فعل:
من ضمن الصدام السياسى بين الحكومة والمعارضة هو قيام البرلمان الفنزويلي بإصدار عفو عن السجناء السياسيين من خلال إصدار قانون ينص على الإفراج عن 76 سجيناً سياسياً، ويعفو عن منفيين معارضين لتيار الرئيس السابق هوجو تشافيز، كما يشمل المعارض ليوبولدو لوبيز الذي يقضي حكما بالسجن مدته 13 سنة، بعد إدانته بالتحريض على الاحتجاجات التي أسفرت عن مقتل أكثر من 40 شخصاً قبل عامين، لكن حكومة مادورو تعهدت بعرقلة دخول القانون حيز التنفيذ حيث أعلن الرئيس أنه لن يوقع على القانون قائلاً: “إنهم يستعجلون الأشياء من يوم إلى آخر، ويمررون قوانين تحمي القتلة والمجرمين ومهربي المخدرات والإرهابيين، تأكدوا من أن هذا القانون لن يمر هنا، ولن يمروا هنا مهما فعلوا”.
رد الرئيس كان حاداً وتصعيديا حين أعلن فى 14 مايو حالة طوارئ شاملة لمدة 60 يوما لمواجهة العدوان الخارجى – حسب قوله – ومعالجة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها فنزويلا، وأمر الحكومة بوضع يدها على المصانع المتوقفة عن الإنتاج وسجن أصحابها، ووجه الجيش بإجراء “مناورات عسكريةلإعداد أنفسنا لأي سيناريو محتمل”، وقال مادورو أمام حشد من مؤيديه “علينا أن نتخذ كل الإجراءات اللازمة لاستعادة القدرة الإنتاجية المشلولة من قبل الطبقة البورجوازية، من يريد وقف الإنتاج وتخريب البلد يجب أن يغادر، ومن يفعل ذلك يجب أن تكبل يداه وأن يرسل إلى السجن”.
المعارضة هى الأخرى كان لها ردة فعل تمثلت فى تنظيم مظاهرة في كاراكاس للضغط على السلطات الانتخابية من أجل إجراء استفتاء يتيح الإطاحة بالرئيس مادورو من السلطة، وقال زعماء المعارضة إن الهدف من إعلان حالة الطوارئ هو ترويع الناس والحيلولة دون إجراء استفتاء، وقال النائب المعارض توماس جوانيبا “اليوم خرق مادورو الدستور من جديد، لماذا، لأنه يخشى أن يتعرض لاستفتاء”.
//أثر برازيلي:
يبدو أن الرئيس الفنزويلى تأثر جدياً بما جرى فى البرازيل من عزل البرلمان البرازيلى للرئيسة ديلما روسيف، حيث استدعى سفير بلاده من البرازيل رداً على وقف روسيف، وقال بعد اجتماعه مع رئيس حكومته، إن تعليق عمل “روسيف” محاولة لإلغاء إرادة الشعب البرازيلي وتهديد للديموقراطيات الصاعدة بالقارة، وان هناك انقلاب موجه ضد جميع دول أميركا الجنوبية تقوده قوى إمبريالية ووسائل إعلام لإنهاء الحركات التقدمية والشعبية في تلك الدول، وأن من يقفون وراء ذلك يسعون إلى تكرار السيناريو في فنزويلا.
ووصف مادورو ما حدث فى البرازيل وومحاولة استنساخه فى بلاده بأنه “مؤامرات من داخل فنزويلا والولايات المتحدة للإطاحة بحكومته”، وقال مادورو خلال كلمة في التلفزيون الرسمي “إن واشنطن تُفعل الإجراءات بناء على طلب اليمين الفاشي الفنزويلي الذي شجعه الإنقلاب الذي حدث في البرازيل”.
//مؤامرة أميركية:
والحقيقة أن اتهامات الحكومة الفنزويلية للولايات المتحدة علناً ليست وليدة الأزمة الحالة ففى قمة تجمع دول أميركا اللاتينية والكاريبى العام الماضى قال مادورور إن العديد من رؤساء الدول خلال القمة أبلغوه عن خطط مزعومة ضده، وحذر مادورو قائلا: “الرئيس باراك أوباما، و حكومته بأكملها، يخططون لقلب نظام الحكم الشرعي في فنزويلا، أنتم تعرفون أن جميع الجهات الحكومية (CIA، DEA، NSA) متورطة في خطة لملء فنزويلا بالعنف لتبرير انقلاب ما وتشجيع وقوع تدخل في فنزويلا انطلاقا من تصعيد العنف”، وذكر أنه جرى جلسة في واشنطن بين نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، وقادة في أميركا اللاتينية، حيث حث المسؤول الاميركي هذه الدول إلى ترك فنزويلا وحدها، قائلا ان حكومة كاراكاس ستسقط قريبا.
وتشهد علاقة واشنطن مع كراكاس توترا منذ سنوات ولاسيما في أعقاب دعم الولايات المتحدة لانقلاب لم يدم طويلا في 2002 ضد الرئيس الراحل هوجو تشافيز، وما زالت الولايات المتحدة تخرج بتصريحات تؤكد ما قاله مادورو، حيث أعلن مسؤولان في المخابرات الأميركية، أن الولايات المتحدة تشعر بقلق متزايد من احتمال حدوث انهيار اقتصادي وسياسي في فنزويلا، ويدفع لذلك مخاوف من التخلف عن سداد الديون وزيادة الاحتجاجات في الشوارع والتدهور في قطاع النفط الحيوي في البلاد، وأنه من غير المحتمل أن يتمكن مادورو من إكمال مدة رئاسته التي من المقرر أن تنتهي أواخر 2018.
وقال المسؤولان إن أحد السيناريوهات “المعقولة” سيكون إجبار حزب مادورو أو شخصيات سياسية نافذة الرئيس على الاستقالة، ولم يستبعدا إحتمال وقوع انقلاب عسكري، ومع ذلك قالا إنه لا يوجد دليل على أي مؤامرة فعلية أو أنه فقد دعم كبار ضباط الجيش له.
وتساءل مارك ويسبروت الباحث في مركز البحوث الاقتصادية والسياسية بواشنطن، عن الدافع وراء إعلان مسؤولي الاستخبارات الأميركية عن مستقبل مادورو، قائلاً، لصحيفة الإندبندنت البريطانية، إن الولايات المتحدة لها تاريخ طويل، على الأقل منذ 15 عاماً، في محاولة تغيير النظام في فنزويلا، وهذه التصريحات جزء من الاستراتيجية الأميركية لتهديد البلاد وزعزعة استقرارها.
//اتهامات لأسبانيا:
الاتهامات الخارجية لم تقف عند الولايات المتحدة بل امتدت إلى أسبانيا، ففى أعقاب قيام مدريد باستدعاء سفيرها فى كراكاس على خلفية تزايد الاحتجاجات ضد مادورو واتهامه لاسبانيا بانها جزء من مؤامرة دولية لاسقاطه، اتهمت فنزويلا الحكومة الإسبانية بتقديم الدعم للمعارضين الذين يريدون الإطاحة بالرئيس، وأعلنت وزارة خارجية فنزويلا في بيان رسمى أن حكومة ماريانو راخوي قدمت الدعم لعناصر من اليمين الفنزويلي المعارض، وقال مادورو فى تصريحات تليفزيونية “راخوي عنصري ونفاية فاسدة”.
في المقابل، تقول أسبانيا إن موقف مادورو “مؤسف ولا يتوافق مع العلاقات التي يجب أن تكون بين الحكومات”، مضيفة ان هذا الأمر أصبح ممارسة معتادة من قبل رئيس فنزويلا.
الخلاصة
رغم واقعية أغلب تصريحات حكومة فنزويلا بأن الغرب يريد تغيير النظام فى بلادها، إلا أن الأكثر واقعية هو أن تزايد الاحتجاجات الشعبية فى البلاد لم يكن سياسياً فى المقام الأول بل كان اقتصادياً بسبب تردى الأوضاع الاقتصادية وسط أزمة متفاقمة تضمنت نقص المواد الغذائية والأدوية وتكرار انقطاع الكهرباء وعمليات نهب متفرقة وارتفاع معدل التضخم، حتى وصلت حدة الاحتجاجات الى قيام حشود متظاهرين بسرقة دقيق ودجاج بل وملابس داخلية، وتزايد عمليات النهب.
وأشار استطلاع للرأي نشره معهد فينيبارومترو إلى حوالى 68% من الفنزويليين المستائين من نقص المواد الأساسية والتضخم الذي بات يتجاوز المئة في المئة، يرغبون في رحيل الرئيس في أسرع وقت ممكن وإجراء انتخابات جديدة.
ولم تعد فنزويلا تملك الموارد اللازمة لاستيراد الطاقة. فاقتصادها الذي يعتمد بشكل شبه كامل على عائداتها النفطية، انهار مع تراجع أسعار الذهب الاسود، وبعد نسبة تضخم بلغت 180,9% في 2015 وهي الأعلى في العالم، يتوقع صندوق النقد الدولي نسبة 700% هذا العام.

إلى الأعلى