الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / مئة عام سايكسبيكوية

مئة عام سايكسبيكوية

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

إذن مئة عام من سايكس بيكو، وحتى لا نعفي أنفسنا من المسؤولية، فإنه، وقد تهتك ستر التبعية، وكان للهشاشة القطرية أنيابها التي يشحذ شراستها ازدياد إحساسها بهشاشتها وخوفها المتأتي من لا شرعيتها، فإننا قد ابتلينا إضافة لهذا بنخب مستلبة وذات وعي اشوه وحول ناجم عن تغييب متعمد للوازع القومي، وازورار مرضي عن التمسُّك بالهوية الجامعة العاصمة..

لم يك من الممكن لهم إخضاع أمة بحجم وعراقة الأمة العربية، أو الحؤول دون استقلالها ونهوضها، إثر انهيار الدولة العثمانية بغير التوافق، أي التآمر، المسبق لتجزئتها. هذا ما فعله ذات ليل البريطانيون والفرنسيون، أو الاستعماريون المنتصرون في الحرب العالمية الأولى، الساعون قبلها وبعيد انتصارهم فيها لأن يرثوا الرجل المريض وأن يتقاسموا أشلاء سلطنته الآفلة. لذا سبق انهيار هذه الدولة وكاستعدادَ لتقاسم تركتها الإبرام السري لمعاهدة سايكس ـ بيكو، والتي تمر علينا هذه الأيام ذكراها المئة… ذكرى لما جاز وصفها بأم الكوارث جميعا، هذه التي تناسلت وتلاحقت على الأمة العربية من حينها وحتى هذه الساعة. إذ يكفي أنها قد قطَّعت أوصال المشرق العربي، وهيأت مسبقا لاغتصاب فلسطين، بأن أُردفت بوعد بلفور لينجبا سفاحا الكيان الصهيوني على أنقاضها، وليفصلوا بالتالي مشارق الأمة عن مغاربها. ولم تتوقف مصائب مثل هذه المكيدة عند هذا الحد، بل لعل تداعياتها المستمرة كانت الأشد وبالا على الأمة، وفي المقدمة منها اصطناعها لشائه القطريات العربية الجاثمة على صدر الوطن العربي وترسيخها وتمكين ثقافتها.
وعندما نقول ذكرى أم الكوارث جميعا، نستحضر الذكرى الثامنة والستين للنكبة العربية في فلسطين، واللتين تصادف مرور ذكراهما معا هذه الأيام، كما لا ننسى أن ما لا يزد عن أسبوعين لا أكثر هو ما يفصلنا عن ذكرى النكسة، ثم أشهرا قليلةَ عن وعد بلفور، وهكذا… تداعيات أم الكوارث بحجم خيبات ومرارات وانكسارات قرن بكامله، قرن يا لكثرة مرور مناسبات ذكرياته العلقمية.
لكنما، وبالعودة إلى ما هو الأشد من وبيلها، ونعني القطرية، كمنتج لتلكم التجزئة الأولى ومن ثم التكريس المديد لها، أو هذه التي تحصد الأمة النازفة الآن الأدهى من نتاجاتها المسمومة في راهن عربي متفق على أنه الأسوأ والأخطر في تاريخها، والذي لا من مستفيد فيه ومنه سوى عدوها الصهيوني، ومختلقيه بالطبع وسائر جبهة أعدائها السايكسبيكويين داخلا وخارجا، لا بد لنا من العودة إلى استهدافات سايكس بيكو الأصل التي بدأنا بها، والتي يمكن اختصارها في الإخضاع والاستتباع فبسط الهيمنة وتمكينها على كامل كتلة الأمة، وهي أمور لا تستقيم بدون انتزاع التسليم بضياع فلسطين، فالقبول بالكيان الاستعماري الدخيل مركزا تدور من حوله أشلاء الأمة بل والمنطقة برمتها، بمعنى ضياع البوصلة، التي لطالما وحَّدت هذه الأمة وكانت الشاحذة لأسباب نهوضها والمحفِّز لبواعث انعتاقها وتحررها والمؤشر على ضرورة ومستوجب بل ومصيرية وحدتها… أو كل ما هو قد بات من نافل القول إنه ما كان ليتوافر لمستهدفي الأمة تحقيقه دون تكريس التجزئة وترسيخ بلاء القطرية العربية، أو هذه المزق من كياناتها البائسة التي تتصرف كل منها وكأنما هي أمة بحد ذاتها.
إن مئة عام وكوارثها كافية لأن تشهد أمام التاريخ على جملة من الحقائق يأتي في المقدمة منها سقوط القطرية، التي باتت الآن على شفا حفرة من التشرذم والتفتت، أو برسم تجزئة المجزأ. وإن الهيمنة والتبعية والاستبداد ومعهما التخلُّف هم دائما وأبدا في جبهة واحدة. كما لا يمكن بحال فصل التبعية والدونية والانهزامية عن الشرذمة والتمذهب والتطييف والدعشنة، إذ كلها مصائب تتخادم ويشد بعضها بعضا، بحيث ساءت الأمور في دنيا العرب لدرجة أن يخوض بعضنا حروب أعدائنا في بلادنا، وأن تهزل لدرجة أن يتباكى المتباكون منا حتى على سايكس بيكو التي أوصلت حالنا ومآلنا إلى ما هما عليه. بل وحتى بتنا وجها لوجه مع ما يمكن وصفه بالصهيونية العربية، التي لم يكفها تواطؤها لتصفية قضية قضايا الأمة في فلسطين فحسب، وإنما لم تعد ترى في الكيان الصهيوني عدوا، وبالتالي لم يعد مستغربا منها أن تعده حليفا، وحتى بات من الممكن تخيُّل سماعنا لمن يدعو من هؤلاء لضمه إلى جامعة الدول العربية، وربما هذا في واقع كل هذا الانحدار أمر قد لا يحول دونه إلا رفض هذا الكيان له تمسكا منه بيهوديته!
…إذن مئة عام من سايكس بيكو، وحتى لا نعفي أنفسنا من المسؤولية، فإنه، وقد تهتك ستر التبعية، وكان للهشاشة القطرية أنيابها التي يشحذ شراستها ازدياد إحساسها بهشاشتها وخوفها المتأتي من لا شرعيتها، فإننا قد ابتلينا إضافة لهذا بنخب مستلبة وذات وعي اشوه وحول ناجم عن تغييب متعمد للوازع القومي، وازورار مرضي عن التمسُّك بالهوية الجامعة العاصمة، وكله، دون أن نغفل أن السلبية هي أخت الدونية وهما إلى جانب استسهال جلد الذات، بحق أو من دونه، وفيما هو الأشبه هذه الأيام الحالكة بالذات بالمندبة، لهو أشد فتكا من تآمر المتآمرين وقمع القامعين.
…نعم مئة عام سايكسبيكوية، لكنها فشلت في تأبيد القطرية المتهالكة، وعجزت عن إخضاع الأمة التي تظل الحيَّة، وأخفقت في كبت توقها العارم للانعتاق والنهوض، ولم تتمكن ولن تتمكن من شطب قضيتها المركزية في فلسطينها…لماذا؟
لأن دروسها المريرة اليوم من شأنها أنها تعيد الاعتبار للعروبة وأبجديات الخلاص وركائز النهوض ومسلمات قيامة الأمة، ألا وهي الوحدة كنقيض أوحد لرزايا التجزئة، والحرية والعدالة والمواطنة المتساوية والديمقراطية كبديل للنبعية والاستبداد… ومئة عام تقول لنا صباح مساء، إنه لا يفل فقه الفتن والتطييف وثقافة الهزيمة والتبعية والدونية الضاربة جذورا في راهننا إلا اللجوء إلى فقه العروبة والاحتكام فحسب لثقافة المقاومة.

إلى الأعلى