الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الروائي الجزائري محمد جعفر لـ”أشرعة”: الرواية ليست حكاية تتفنن كيف ترويها، بل هي فكرة عليك أن تتقن كيف تحكيها

الروائي الجزائري محمد جعفر لـ”أشرعة”: الرواية ليست حكاية تتفنن كيف ترويها، بل هي فكرة عليك أن تتقن كيف تحكيها

* البحث عن الشكل الذي يحقق خصوصيتي وخصوصية الأفكار التي أحلم بالكتابة عنها هو هدفي
* المشهد الحالي في الجزائر يعكس فراغا رهيبا بعد اغتيال الأنتلجنسيا أو تغييبها بشكل مقصود
دمشق ـ من وحيد تاجا:
أكد الروائي محمد جعفر أن الرواية بالنسبة إليه “ليست حكاية تتفنن كيف ترويها، بل هي فكرة عليك أن تتقن كيف تحكيها. وأضاف في حوار مع “أشرعة” : إن البحث عن الشكل الذي يحقق خصوصيتي وخصوصية الأفكار التي أحلم بالكتابة عنها هو هدفي”. واعترف انه اخفق فعلا في اختيار اسم روايته “مزامير الحجر” حيث كان ثقيلا ومتكلفا ولا يليق برواية. . وحول مفهوم الأدب النسوي قال : ” إن فكرة الأدب النسوي تشعرني بأن هناك ابتزازا يمارس ضد المرأة “. والروائي محمد جعفر من مواليد 1976، له مجموعة قصصية “طقوس امرأة لا تنام”، ومجموعة شعرية “العبور على متن الحلم”، وثلاث روايات: “ميدان السلاح” و”هذيان نواقيس القيامة”. ومزامير الحجر. وتصدر له قريبا رواية “صديقي الكلب”.

* كيف كانت البدايات، ومن هم الكتاب الذين تركوا أثرا فيك وشكلوا مرجعيتك؟
** في علاقتي بالأدب أدين للصدفة بالكثير، وإن كنت أعتقد أنه سيكون من النادر أن تجد لدى صبي في عامه التاسع مكتبته الخاصة التي يحرص على تزويدها بالجديد من دراهم غير موجودة يصنعها ثم يدخرها لا يؤمن بغير الرغبة في الحصول على كتاب جديد. في تلك الفترة كنت أكتب حكايات أحاول فيها أن أحاكي القصص التي أقرأ. وأما الصدفة فقد تجلت في وقوعي على رواية البؤساء لفيكتور هوجو. قرأتها وأعجبت بها وراهنت على أن أصبح كاتبا بسببها؛ كما تعاظم هوسي بالكتب والروايات حتى صرت ألقب في مدرستي بالشاعر. وأذكر أني خضت تجربة فريدة أيام كنت في المدرسة الثانوية. لقد عرفت معنى الهدف أو ما يشبه ذلك. تأملت في الكتاب الذين أعرفهم وأحبهم. رشيد بوجدرة نشر أول عمل له في سن السابعة والعشرين، كذلك فعل نجيب محفوظ. واعتبرت تلك السن مثالية للنشر (هذا ما لم يحصل!!)، وهكذا كان أمامي أكثر من عشر سنوات قررت فيها أن أقرأ كل ما أنتجته البشرية وفق خطة مرسومة بدقة توقعت أن تصنع مني كاتبا. قرأت كل التراث العالمي بدءاً من الأدب الإغريقي ثم أدب عصر النهضة وهو في غالبيته مسرحيات. عرجت بعد ذلك إلى الكلاسيكيات. تولستوي، دوستفسكي، غوركي، ثم همنغواي وسارتر وكامي. في الأدب العربي بدأت من المعلقات ومررت بالشعر العباسي والأموي دون أن أنسى المقفع والجاحظ، ثم أدب عصر النهضة: المويلحي، الرافعي، المازني، أحمد أمين، أحمد شوقي، ثم طه حسين، العقاد، الأخوين أحمد ومحمود تيمور، توفيق الحكيم، وصولا إلى عرابي نجيب محفوظ. ولعله أفادتني كثيرا سلسلة كتب الجيب التي كانت تصدرها المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية بالجزائر. وهي تجربة رائدة في حينها وكان لها الفضل في تشكيل كثير من الوعي لشباب تلك الفترة.
وإن كانت الكتابة عندي اليوم تميل أكثر إلى الاحترافية، فإنها في البدايات جاءت كاحتجاج واقعي أصيل. كنت أكتب لأصلح عطبا أبتليت به. لرأب صدع مكانه الروح. أكتب مرغما لأتجاوز بشاعة عالم أنفر منه. لم أعرف المتعة خلال الكتابة، وكنت كمن يؤدي عمل سخرة. وإن ظلت الكتابة فرصتي في إثبات الذات وتجاوز واقع وجدت نفسي فيه مرغما. واقع لا أستطيع تجاوزه إلا من خلال تلك العوالم التي أخلقها لنفسي. وكان يسعدني أيما سعادة تجاوب قارئ ما مع هذه العوالم، سعادة تصنعها المشاركة والجدوى. وعليه فقد يتضخم الشعور باللا جدوى لما كنت لا أجد من يتجاوب مع ما أكتبه. إني ضد فكرة من يقول أنا أكتب لنفسي، وأعتبر أن أصحاب هذا الادعاء هم فشلة يدارون على خيبة نصوصهم لا أكثر ولا أقل.

* يلاحظ أن المكان، هو إحدى الثيمات الأساسية في رواياتك الثلاث، ما الذي يعنيه المكان، ولماذا الاهتمام بالمدينة تحديدا؟
** بعيدا عما يقوله التنظير حول الفضاء المكاني باعتباره واحدا من العناصر الفنية للرواية، وأنه المكان الذي تجري فيه الحوادث وتتحرك فيه الشخصيات وتتشكل فيه العلائق. وأنه مكان لفظي متخيل وقد يكون غير ذلك الموجود في الواقع. أريد أن أقول إن المكان بالنسبة لي هو مكان الولادة الأولى. هو حب العودة إلى الرحم الأم. هو الحنين إلى محطات العبور واستعادتها. هو التوق إلى اللحظة الماضية والرغبة في التحرر من الراهن الطاحن إلى عوالم الأحلام والرؤى والتصورات. إنه البديل والخلاص. ولهذا فأنا حين أكتب عنه أفعل ذلك بحب. وأما لماذا المدينة؟ فلأني ابن المدينة. فيها نشأت وتعلمت ولا زلت أعيش. بالإضافة أن الفن الروائي هو الابن الشرعي للمدنية، أو كما يقول جورج لوكاتش: “الرواية هي الشكل الأدبي الأكثر دلالة على المجتمع البورجوازي.” هذا المجتمع الذي تظهر سماته أكثر في المدينة. كما أن الأدب الروائي الرفيع ودائما بمفهوم لوكتش هو الذي يجب أن يطرح مشاكل المجتمع الكبرى وأن يناضل من أجلها.

*أيضا .. كان المثقف من الثيمات التي ركزت عليها في أعمالك الروائية، وهو شأن اكثر من روائي جزائري، لماذا؟
**ربما لأنه وبشكل طبيعي يبدأ الفرد من نفسه التي يعرفها قبل أن ينتقل للآخر الذي لا يعرفه. هذا من جانب، ومن جانب آخر اعتقد أن الجزائري الذي خاض أكبر ثورة تحررية في العالم لا زال يؤمن بدوره كفاعل. يقود خطابا تنويريا وطليعيا يساهم في تشكيل المرحلة القادمة. هذا الدور نفسه ما يحجبه اليوم عن الجوائز العربية. كما أرى أيضا أن مجتمعاتنا العربية تقوم على تقديس الجمعي، ووحده المثقف كان كاسرا لهذا السلوك ورافضا لهذا النسق. وعليه فعلاقته بمجتمعه هي علاقة صدام، كما يقوم بفعل التعرية ويقف كشاهد على التحولات الكبرى، وأعتقد أن هذه الموضوعة تشتغل كعملية جذب عظيمة وتشكل دافعا ملهما للكتابة. وأضيف أيضا أن المبدعين يقدمون كل شخصيته وفق منظوره الخاص. إنه حضور متعدد ومختلف، وأبدا لم يكن صورة نمطية ومكرورة إلا لدى الكتاب المقلِّدين. دائما المبدع الحقيقي يعرف كيف يمسك بخيوط شخصياته، وسوف يقدمها بكثير من الحدق.

* كانت نهاية رواية ” مدينة السلاح ” مأساوية جدا تجلت باغتيال البطل” المثقف” وبالتالي اغتيال أفكاره وأحلامه ..وسيادة العنف والتطرف..؟
**هذا ما حصل فعلا في الجزائر، كما أن المشهد الحالي في البلاد يعكس فراغا رهيبا بعد اغتيال الأنتلجنسيا أو تغييبها بشكل مقصود. ما قلته كان واضحا. كلنا مسؤولون أمام ما حصل، وكلنا ملوَّثون. ليس هناك من بريء.

*التركيز على المثقف يطرح سؤالا عن دور المثقف برأيك .. وكيف ترى طبيعة علاقته مع السلطة السياسية..؟
**في إجابة عن سؤال مماثل أذكر أني قلت إن الروائي والسياسي أشبه بضرتين لن ترضى إحداهما عن الأخرى. وإذا كان يهمنا في هذا الشق الروائي فإني أعتبره بطبيعته كائنا متمردا غير خنوع. كائنا زئبقيا لا يؤمن بالأسر ولا يمكن أن يشكمه أو يحتجزه إطار ما. رافضا على الدوام، و”لا يعجبه العجب” كما نقول في الأمثال. من هنا كانت برأيي جدواه، وأما هل مثل هذا المثقف العضوي موجود بيننا اليوم؟ فسؤال يجدر طرحه وإن كان كل جواب في الموضوع هو تعويم للفكرة. مفاهيم كثيرة تغيرت وغابت بين القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين. الوطن، الحرية، الثورة،.. أصبحت لا تعني أحدا. ومصلحة الكاتب الشخصية طغت وتجذرت حتى أصبح الجميع يرغب في الكتابة لا باعتبارها معاناة بل لكونها مكانة اجتماعية. لقد ابتلعت السياسة المثقف بإغداقها المال عليه (جوائز، مناصب، امتيازات) وصار مجرد تابع لها وترس يدور في ماكينتها العظيمة.

* لفتني تركيزك على المسرح من خلال البطل ..والحديث مطولا عن تاريخ المسرح الجزائري خلال الرواية ..؟
**الاشتغال على المسرح الجزائري (إرهاصاته الأولى، تكونه، تطوره، انشغالاته، مشاكله، رجالاته..) كان مقصودا لذاته. وأعتقد أني قدمت عملا كلفني الكثير من الجهد والبحث. وأكون أوّل من قدم للوضعية الكارثية التي تغرق فيها المسارح الجزائرية، كما طالبت بإنقاذ ريبرتوار المسرح الجزائري. المشكل هل من صدى لهذا الجهد؟

*لجأت الى استخدام شكل “رواية داخل الرواية” او “تكنيك” المخطوطة في كل من ” هذيان نواقيس القيامة” .. و” مزامير الحجر”، والتي لاقت استحسانا في الأولى، ولكن النقاد توقفوا عندها في الثانية ..لماذا الإصرار على نفس التكنيك.. وكيف تنظر الى موضوع التجريب والحداثة في العمل الروائي ..؟
**اعترفَ الناقد الجزائري لونيس بن علي أنه اضطر لقراءة رواية هذيان نواقيس القيامة ثلاث مرات حتى يقدر على الاقتراب من عوالمها ثم الكتابة عنها؛ ومع ذلك قد تجد من يدعي النقد ويكتب في أعمال مكتفيا بتقليبها بين يديه قارئا بضع أوراق من المقدمة ثم الوسط فالخاتمة، معتقدا بصلفه أن ذلك كاف ليقول ترهاته. ثم إن هناك من يكتب بناء على قراءات سابقة ولا يهمه إن بنى عليها أحكاما مغلوطة، والمهم عنده في كل ذلك ألا يجاور النص خصوصا إذا ما كان حجمه كبيرا لضيق وقته والتزاماته.
أقولها، لم يعد محمد جعفر تكنيكا قديما سبق له استعماله. أعتقد أني بت أعرف تماما ما أريد من الرواية، كما أصر أني من الكتاب القلائل في الجزائر الذين يملكون اليوم مشروعا روائيا. كما ووفق الخطة الموضوعة ستكتمل وتتضح صورة مشروعي لدى المتلقي على الأكثر بعد سنتين من الآن. وأحب أن أقول أيضا إني خضت معركة محتدمة بيني وبين نفسي لتحديد خياراتي واستراتيجية عملي في المستقبل، وحسمت موضوعا لطالما أرقني. هل ما يهم في الرواية هو الحكاية أم الفكرة؟ هل الرواية هي الحكاية أو الموضوع أم ما أُلبِس ثوب الحكاية والموضوع؟ وانتهيت إلى أن الرواية ـ على الأقل بالنسبة لي ـ هي ليست حكاية تتفنن كيف ترويها، بل هي فكرة عليك أن تتقن كيف تحكيها. فكرة يحيطها الموضوع ويدور حولها، يلوبها ويحاورها. ومن هنا فإن التشكيل الكلاسيكي لا يعنيني. وأعتبر أن رواية لكاتب شاب مثل علاوة حاجي “في رواية أخرى” أكبر بكثير من كل الهراء الذي يعتمد في بنائه على الهندسة القديمة ولا يقدم أكثر من اجترار ما هو قائم. إن البحث عن الشكل الذي يحقق خصوصيتي وخصوصية الأفكار التي أحلم بالكتابة عنها هو هدفي، حتى وإن كان صعبا أن تجد قارئا يصبر عليك أو لجنة في جائزة تميل إلى الشكل الجديد ويمكنها أن تجيزه. وحتى يستوعب القارئ ما قمت به في مزامير الحجر أقول وإن بالعادة الروائي ليس مدعوا ليفسر أعماله: إن الحق يقع على من أصر أن مزامير الحجر رواية تعتمد في حبكتها على فكرة المخطوط. وهو حكم متسرع لا يدل على قراءة متأنية وسليمة للمتن. يستند مدخل الرواية إلى وجود مذكرات (أدلة مادية) اعتمد عليها الراوي لكتابة روايته (فأين هو المخطوط هنا؟). وطرحت مقاربة في كيفية تحول المادة التاريخية إلى مادة محكية أساسها الخيال. وبين ما يجوز وما لا يجوز كانت فكرة الرواية الذي تبنت كتابة تاريخ شخصية وطنية لم تدل عليها ولا إشارة واحدة من لدن ناقد إلى اليوم، وهذا دليل آخر على القراءة المتسرعة والاستسهال الذي قوبل به العمل.

* يسجل لك ذلك الاعتناء في اللغة في “مزامير الحجر”، المتراوح بين السلاسة والسردية والسلامة النحوية..؟
**وهل يمكن أن يجري الأمر بطريقة أخرى؟.. فقط أضيف أني أعامل الرواية كما يعامل الشاعر قصيدته، والعاشق حبيبته. ولما انتهي من الرواية أبدأ في قراءة مقاطعها بصوت جهوري، أبحث عن ثقل أو كسر أو عطب في النغم العام. أعالج ما يمكن معالجته كل ذلك دون أن أخل بنسق النص أو أعيق انسيابيته. للعلم أتجنب الإضافات والحشو وألغيه بقلم أسود (ماركور) حتى أمنع نفسي من العودة إليه لاحقا.

*يشكل العنوان عتبة النص ومدخلا أساسيا له، وبحسب احد النقاد انك في “مزامير الحجر “أخفقت في اختيار العنوان تماما، إلى درجة أن امتدّ الإخفاق إلى عنونة فصول الرواية التسعة، على اعتبار أن الرواية لم تفد ولو في جزء منها الدعاء أو الغناء أو التغني أو الاستنفار أو أي معنى تشير له كلمة مزمار..ما قولك ..؟
** لعلك تشير هنا إلى ما كتبه الروائي سمير قسيمي في هذا الخصوص. ولا بد لي أن أعترف أني حقا أخفقت في اختيار عنوان يليق بعملي. لقد خذلت النص الذي كتبته في آخر شوط لما اضطررت وتحت إلحاح ناشري الذي خشي الرقابة وعدم قدرته على توزيع الرواية في البلاد العربية إلى تغيير العنوان الأصلي للعمل، وبدلا من “أرتق جبة الله” كانت “مزامير الحجر”. نعم أجد العنوان اليوم وبعد صدور العمل ثقيلا ومتكلفا ولا يليق برواية. وأما عن دلالته في الرواية أقول إن الحيز المكاني الذي اشتغلت عليه كان مدينة وهران، وجاء العمل أشبه بقصيدة حزينة كما أن المدينة هي في تكوينها حجر على حجر. من هنا جاء هذا العنوان والذي فرضه كما قلت التسرع والتهور والتشتت. ولا أكتمك أني حزين بسبب ما حصل، كما يمكن أن أدافع عن العنوان لاحقا ليعود كما تمنيته دوما “أرتقُ جبة الله” على الأقل لو قيد للعمل الترجمة.

* بقدر ما كنت حياديا في ” مزامير الحجر” وبعيدا عن شخصيات وأبطال العمل، الا ان ( محمد جعفر) كان في صلب رواية “هذيان نواقيس القيامة” و تحول إلى مرافع عن الروائيين وهمومهم في فصل كامل “المشبوه” .. وسؤالي إلى أي مدى يستطيع الكاتب أن يكون حيادياً في تسيير شخصيات روايته؟
**ما حصل في هذيان نواقيس القيامة كانا خيارا، وكنت واعيا ومدركا لما أقوم به. فصل ” المشبوه” كان جزءا أصيلا من نص العمل وليس مقحما، ويمكنني أن أضيف أنه مفتاح الرواية كلها لمن يهمه معرفة من يكون القاتل في الرواية. كما أن العمل تضمن مستوى ثان لم يطرقه ناقد إلى اليوم رغم كثرة الكتابات حوله، وفقط أذكر أن الدكتورة مريم جبر قد ناقشتني في هذه الفكرة عبر رسائل بيننا في موقع التواصل الالكتروني. وكان يمكن لمقال تكتبه أن يكشف عن مدى أهمية هذا الفصل باعتباره جزءاً أصيلا من العمل. وأنا عن نفسي لست مستعدا للكشف عما قمت به. إنها مهمة النقد، والذي أريده في مستوى النصوص التي تكتب. ثم برأيي، إن الكاتب المحترف لا يمكن أن تفوته أمور كهذه. وأن يكون حياديا ليس مطلبا بقدر ما هو إدراك متى تخلى عنه، تخلى الإبداع بدوره عنه.

* أعمالك ، بشكل عام ، اقرب الى الروايات النفسية فأغلب الشخصيات هي في الحقيقة إما حالة عشق وتوق أو حالة نفسية تتطلب التحليل.. ويلاحظ اعتمادك على الحوارات الداخلية للشخصيات وسبر نوازع النفس البشرية بشفافية وعمق..؟
**ربما يرجع هذا لتأثري في وقت سابق بالكلاسيكيات. وكان دوستوفسكي أحد الكبار الذين ولعت بأعمالهم. كما أن الرواية الجديدة اليوم هي رواية تقوم بالأساس على الاهتمام بأزمة الفرد والذات الإنسانية. تحول فيها الباطن إلى جوهري. تنبني أغلب النصوص فيها على الاغتراب. والعلاقات فيها يسيرها مبدأ السببية. كما أنها تنظر إلى العالم برؤية لا يقينية، معتمدة مبدأ الشك. تقوم بالأساس على نسف الشكل التقليدي للكتابة، كما أن المونولوجات النفسية إحدى سماتها.. ويمكنني أن أنهي هذه الفكرة بمقولة لفلوبير: “بوسعه أن يتخيل الصحراء والأهرامات وأبو الهول دون أن يراها، لكنه عاجز عن معرفة ما يدور في رأس حلاق قابع أمام بابه”. ما يشغلني وما أكتبه يقوم ضد هذا العجز.

* ركزت كثيرا في ” نواقيس القيامة” على الجنس بوصفه محرّكاً للفرد، ودافعاً له، ليقوم بالكثير من الأشياء، قد تصل إلى ارتكاب الجرائم، كالقتل والاغتصاب وممارسة الجنس مع جثة من قبل المحقق نفسه… لماذا هذا التركيز على الجنس وهل هي موضة ام ضرورة ؟
**يمكنني أن أقول إن تيمة الجنس الموجودة في رواية هذيان نواقيس القيامة لا أثر لها في مزامير الحجر ولو تلميحا، وهذا دليل أن الجنس لم يكن مقصودا لذاته بل فرضته طبيعة العمل. ومع ذلك أحب أن أضيف أنني لا أؤمن بفكرة أخلقة الأدب. كما لا أؤمن بالوصاية وتنصيب الحدود. وبالطبع لا أؤمن بحراس النوايا ومدعي العفة. كما انني لا أؤمن بالتابو كيفما كان. ولما أكتب لا أفكر فيه مطلقا. مؤمن أنا فقط بالانطلاق والحرية المطلقة للكاتب ما دام أن الكتابة كانت وستبقى عملية واعية يشكمها المنطق الذي أوجدها ووُجدت لأجله. ويكفينا كمثال أن ننظر كيف خدم الأدب الوجودي الملحد الإنسانية، وكيف تخدمه اليوم الشعوب المؤمنة؟.. لا مجال للمقارنة طبعا!

*اعتمادك سرد احداث الرواية بصوت واحد ( ضمير الغائب ) يوحي بوجود ” راوٍ عليم” بكل التفاصيل و دواخل الشخصيات وحيواتها السابقة. وسؤالي : عندما تقوم بكتابة رواية .. هل تكون ” الحكاية ” بكامل شخصياتها وتفاصيلها حاضرة في ذهنك؟
**بالنسبة لي التحبير هو الجزء الأخير من العملية الكتابية. في البداية تكون هناك فكرة ما تعاكسني. يحدث بيننا مد وجزر. ثم انجذاب في الأخير. تأسرني الفكرة وأبحث عما يقابلها في الواقع. تبدأ عملية التخييل بإيجاد البطل. البيئة الملائمة له. الشخصيات التي يتحاور ويتفاعل معها ومختلف الأمور الأخرى التي تقتضيها العملية الإبداعية بما في ذلك إيجاد قفلة مناسبة. تنتهي هنا المرحلة الأولى. وأكون قد تجاوزتها تماما لما أبدأ في البحث عن القالب المناسب. هذا القالب الذي قد يمتد البحث عنه فترة طويلة، كما يمكنه أن يتجاوز السنة بكثير كما حدث معي في هذيان نواقيس القيامة. متى تمكنت من القالب الذي سيتميز به النص أبدأ في كتابة المسودة الأولى والتي يرافقها تسجيل الكثير من رؤوس الأقلام كما قد يتخللها التعديل والتحوير في جزئيات الفكرة العامة. وتكون بالعادة كتابة سريعة. بعد ذلك أنتقل إلى كتابة المسودة الثانية (وهي الجزء الأخير من العملية الإبداعية). أكتبها بحرص شديد إذ غالبا لن تقبل بإضافات كبيرة. يبقى فقط كختام أن أعالج انسيابية النص والأخطاء التي يمكن أن أكون قد وقعت فيها.

* كان لافتا جدا قدرتك على وصف الشخصيات والأمكنة والأشياء..جسدًا، روحا، مزاجاً، لباسًا و ذهنًا. و هو فعلا ” سلاحٌ آخر تجيدُ استخدامه ” بحيث تشد القارئ وتمتعه بآن معا..؟
**يقول جورج أورويل: “الكاتب السيئ يخبرك بما ينبغي عليك الشعور به، عوض أن يجعلك تشعر به”. وأظن أني أعي هذه المسألة جيدا، وأوليها أهمية قصوى.

* قلت في احد حواراتك :” اظن أننا مهما حاولنا الكتابة عن المرأة سنبقى نحن الرجال بعيدين عن واقع حالها. وتحتاج في الغالب المرأة امرأة مثلها لتكتب عنها،..كيف ..وهل انت مع مفهوم أدب نسائي.. ؟
**هل يكون هذا التصنيف هو نفسه الموجود في ميدان الرياضة؟ إن القول بالأدب النسوي يقتضي ما يقابله، فهل يجوز أن نقول الأدب الذكوري؟ إن فكرة الأدب النسوي تشعرني بأن هناك ابتزازا يمارس ضد المرأة كما أراه استصغارا لها ولما يمكنها أن تنتجه؛ وإن كنت أعتقد ـ وبعيدا عن التعميم طبعا ـ أن الكتابة الروائية النسوية في عالمنا العربي ـ وعلى العكس منها في الشعر ـ لا تزال بعيدة كل البعد عن المأمول ما دامت ترتكز في الغالب على الهواجس و الاستغراق في الذاتية فتكاد تجد ما تقدمه أقرب إلى الخواطر منه إلى فن الرواية. يحكمها الاسترسال وفيض الخاطر. تدور في فلك الأنثى المعذبة ولا تستطيع أن تتجاوز عالمها البسيط. ما ينقص الكتابة النسوية التحرر من الذاتية والبحث عن العمق والوعي بالعالم والمتغيرات الحاصلة من حولنا. وعليه فأنا أنوِّه بتجربة رضوى عاشور، كما يمكنني أن أقول إن هناك كاتبات مميزات بدأن يشقن طريقهن، وهن اليوم على قدر كبير من المسؤولية. وأحب أن أختم هذه الفكرة بالقول، يحتاج الرجل للكتابة عن المرأة أن يحاول الشعور بها انطلاقا مما يعتبره أحاسيس مماثلة أو مشتركة. ولذلك يكون ما يراه يحتمل نسبة من الخطأ لاختلافٍ في الجنس والنظرة والتجربة الحياتية والسلوك، بينما قد لا تحتاج المرأة للكتابة إلا للإنصات إلى دواخلها، ولهذا سأبقى أشك دائما في تجربتي كرجل كتب عن المرأة أمام تجربة أي امرأة كاتبة تجعل من نفسها موضوعا.

* بالمناسبة كان لافتا في ” هذيان ..” ان أبطال الرواية كلهم ذكور ولكن المرأة كانت حاضرة في كل سطر.. حتى انها كانت رواية المرأة بامتياز..ما رأيك..؟
**نعم، لقد كانت هذيان نواقيس القيامة رواية المرأة بامتياز. المرأة الغائبة الحاضرة من خلال علاقتها بأبطال الرواية. لقد كانت هذه توليفة مهمة أردتها للرواية. إنك لو سألت نفسك من أنا؟ لن تجد الإجابة إلا لدى الآخر. أنا مجموع ما يكوِّنه الآخرون عني. وهذا ما حاولت إيضاحه. كل هذا مطعَّما بفكرة سيادة الفحل. فجاءت جل الأصوات ذكورية. لقد أردت أن أقول إنه في عالمنا العربي لا صوت للمرأة، وأنها عالم أخرس. وفي مقابل ذلك توَّلى زمامها الرجل فصارت (هي) ضحية ما يقول به (هو) عنها.

* كنا في ” هذيان نواقيس القيامة” أمام رواية بوليسية، ولكن اللافت ان هاجس الرواية لم يكن كشف القاتل بقدر ما كان الكشف عن حيوات المتهمين الأبرياء..؟
**لا أعتقد أن الرواية البوليسية تعنيني، كما الخوض في هذا المجال لا يشكل أهمية بالنسبة لي. ناهيك أن الرواية البوليسية في عمومها هي رواية متعة. فهل يكون هذا ما قدمته في هذيان نواقيس القيامة؟.. أنا معني بالكتابة عن عالم صار اليوم إشكاليا وأكثر تعقيدا. عن عالم لا يمكن ضبطه وفق معايير محددة كما لا يمكن تحديد توقعاتك منه. عالم غرائبي وغامض. وهكذا حاولت تشكيل نموذج روائي خاص بي يقوم في أساسه على التجريب كما يمكنك أن تسميه الرواية الألغازية أو رواية الغموض.

إلى الأعلى