الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (212) :عن الحيرة والاستقرار نفسياً

نافذة لغوية (212) :عن الحيرة والاستقرار نفسياً

الحَيْرة في اللغة نقيض التحقّق والاهتداء ، سواء في ذلك الاهتداء بالعقل أم بالنظر ، والحيرة : التردّد أيضاً ، وأعني بذلك التردد في المضي بإنجاز أمر ما ، أو التردد في المكان.
وعندما تكون الحَيْرة نقيض التحقق تقول : حار في أمره ماذا يفعل … يحار حَيْرة وحيراً وحَيَراناً ، وذلك تحيّر في العقل والتفكير ، فإذا أردنا الحيرة في النظر قلنا : حار بصره يحار وتحيّر ، إذا نظر إلى الشيء فعشيَ بصرُه. ولعل الأصل الأول لهذه المادة اللغوية يعني التردد في المكان ، وبصفة خاصة تردد الماء : يقال : تحيّر الماء : اجتمع ودار ، والحائر : مجمع الماء أو هو حوض يسيّب إليه مسيل الماء من الأمطار. وعلى هذا الأصل قاسوا عندما توسّعوا في معاني هذه المادة اللغوية ، فعندما نقول : كان فلان يقلّب يديه حائراً في أمره ، نكون بذلك قد قسنا حاله على حال حوض الماء ، أو الوعاء الممتلئ بالماء؛ لأن الحوض أو الوعاء الواسع إذا امتلأ بالماء تردد بعضه على بعض ، فكأنه غير قادر على الهدوء والقَرار، ولعلهم من هنا قالوا على المتردّد : هو عاجز عن اتخاذ قرار حازم ، فالقرار في الأصل نقيض القلق والتردد والاضطراب ، والقرار في الأصل ـ وكذلك القرارة ـ من الأرض : المطمئن المستقر ، أو ما قرَّ فيه الماء ، أو كل مطمئن اندفع إليه الماء فاستقرّ فيه ، وهي مكارم الأرض إذا كانت سُهُولة.
ولا يخفى على المتأمل كيف انعكس الجانب النفسي للإنسان في صورة اللغة ، فقد عبّرت عن المتحيّر المتردد الذي شحن ذهنه بالفكر والمشاغل بلفظة (الحائر) التي أطلقت على الحوض الممتلئ بالماء القلق. وفي مقابل ذلك عبّرت عمّن اتخذ القرار ، أو عمّن استقر ـ مكاناً أو نفساً ـ بلفظة (القرار) على المطمئن من الأرض الذي اندفع إليه الماء فاستقر فيه ، وعدّوا ذلك الموضع من مكارم الأرض ، أي نسبوا إليه صفة إيجابية محمودة.
ومن الحَيْرة ـ وبعضهم يلفظها الحِيرة بالكسر خطأً ـ اشتقوا لفظة الحارَة التي جمعها حارات ، لكل أهل محلّة تقاربت منازلهم ؛ لأنهم يرجعون إليها ، أي يحورون ، كالماء إذا اجتمع ودار في الحائر. واشتقوا من المادة بالنظر إلى صورة المعنى الأول ما يدل على شكل دائري فسموا الحظيرة التي تكون حول الدار حائراً ، وكذلك أطلقوا هذه التسمية على الحائط الذي يطيف بالبيت ، قال كعب بن جُعيل التغلبيّ :

صعدةٌ نابتةٌ في حائرٍ أينما تُمَيِّلْهَا تَمِلْ

فالصَّعْدَة ـ فتح فسكون ـ القناة التي تنبت مستوية، والحائر: المكان الذي يكون وسطه منخفضا وحروفه مرتفعه عالية، وإنما جعل الصعدة في هذا المكان لأنه يكون أنعم لها وأسد لنبتتها، شبه امرأة بقناة مستوية لدنة قد نبتت في مكان مطمئن الوسط مرتفع الجوانب والريح تعبث بها وهي تميل مع الريح.
كما قيل لنبت الحَنْدَقُوقي ، أو الذُّرَق : حائر ؛ لأن الماء يتحيّر فيه ، فيجيء ويذهب ، ويحسن التنبيه على أن الحائر هو الحيْران – بتسكين الياء – ، فإذا أردنا المصدر ، أي حال الإنسان قلنا : الحيَران – بتحريك الياء – .. أما جمعه الدالّ على حوض الماء فهو الحِيران ، والحوران ، بيد أن الجمع الشائع للإنسان الحائر هو الحَيارى ، وحيرى للمؤنث في الإفراد والجمع سواء ، تقول : فتاة حيرى ، و أمهات حيرى.

د.أحمد بنَ عبدالرحمن سالم بالخير
أستاذ الدراسات اللغوية المشارك
مساعد عميد كلية العلوم التطبيقية بصلالة للشؤون الأكاديمية المساندة
balkher1971@gmail.com

إلى الأعلى