الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الأدب العماني المترجَم بين دار النشر الأجنبيّة ودار الترجمة العمانيّة

الأدب العماني المترجَم بين دار النشر الأجنبيّة ودار الترجمة العمانيّة

بعد ترجمتي الإنجليزيّة لمجموعة الشاعر هلال الحجري الأولى “هذا الليل لي” ونشرها في دار عربيّة، تساءل بعضهم في صفحات التواصل الاجتماعيّ عن جدوى ترجمة أدب لم ينتشْر عربيًّا، بل لما يجدْ له موطئ قدم راسخًا لدى القارئ المحلّي، وتساءل الآخر عن جدوى نشر الترجمة الإنجليزيّة في دار جمهورها القرّاء العرب، لا الأجانب. أريد أن أقف عند هاتين المقولتين لا موقف السّاعي إلى دحضهما، وإنّما موقف المعتقِد بمشروعيّتهما وبحرص الذاهبين إليهما على رؤية الأدب العمانيّ رائجًا محّليًّا وعربيًّا وعالميًّا، ولكن، في الوقت ذاته، موقف المؤمن بأنّ هذا الاعتقاد لا ينبغي أن يكون حائلا لنا دون تفكيكهما. فالمقولتان كلتاهما تستندان إلى رؤى مسبقة موقعها عندي موقع المشكوك فيها.

“جوهر” الأدب و”خمول” الترجمة
فالأولى تفترض أنّ في الأدب جوهرًا يكمن فيه قوام تحقّقه وانتشاره؛ ولما كان الأدب العمانيّ فاقدًا هذا “الجوهر” لم تقم له قائمة، لا محليًّا ولا عربيًّا ولا عالميَّا؛ لذا على المترجم أن ينتظر حتّى ينضج الجوهر ويكتمل نضجه. على أنّنا إن نظرنا في الأدب، ظاهرةً ثقافيّة، وجدناه، تعريفًا وانتشارًا ودورًا ثقافيًّا، متداخلا، بل متواطئا، مع الأنساق الثقافيّة الأخرى، يأتينا منظومًا أو منثورًا، يشمل ملحمة أو ملهاة، قصيدة ألقيت في بلاط حاكم أو حكاية روتها جدّة لأحفادها، يساند السلطات هنا، ويتحدّاها هناك، يجنح إلى مناصرة المجمع عليه هنا وإلى تفكيكه هناك؛ تحقّقه وانتشاره ينبني على جملة هذه العوامل لا على جوهر لازمني ولا مكاني داخل العمل الأدبي.
ونظرًا لضيق المقام سأكتقي بإيراد مثالين فقط، وبإيجاز، أحدهما محلّيّ والآخر عالميّ، دليلا على ما أقوله.
محلّيًّا تتميز رواية “الرولة” عن غيرها من الروايات العمانيّة أنّها الوحيدة، حسب علمي، التي نفدت نسخها المعروضة قبل انتهاء المعرض (معرض مسقط للكتاب 2015)، قد نختلف فيما إذا كانت هذه الرواية محكمة البناء من حيث توظيفها لشخصيّاتها وأحداثها، زمنها ومكانها، موضوعاتها وثيماتها، ومن حيث درجات تلاحم هذه العناصر، بعضها ببعض، بل قد نختلف في ما إذا كان فيها بناء روائيّ فنّيّ أصلا، ولكنّي لا أظنّ، بأيّ حال من الأحوال، أنّ قارئين اثنين أوتيا من المعرفة والذوق النقديّين قدرًا يسيرًا يتّفقان على أنّ في الرواية، في داخلها، “جوهرًا” لا يوجد في الأخريات، جوهرًا عثر عليه قرّاؤها، بقدرةِ قادرٍ قاهر أو ببصيرةِ ناقدٍ نافذ، فأقدموا عليها إقدام المشتاق لها والمؤمن بها والمقدِّر لتميّزها عن غيرها. الرأي عندي أنّ نفاد نسخها المعروضة لم يكن ميزة في “داخلها” بقدر ما كان إفرازًا لما أثير حولها في “خارجها” من جدل عبر الشبكات الاجتماعيّة، فآل ما أُريدَ منه أن يكون إساءة إلى حسنة؛ والمآل هذا حكم على المجتمع لا للرواية، والمفارقة التي ينطوي عليها سلبيّة، اجتماعيًّا، لا إيجابيّة، أدبيّا.
عالميًّا لنا في الوضع اللغويّ والأدبيّ في دول الكومنويلث والدول الفرنكفونيّة توكيد لطرحي، فمستعمرات بريطانيا السّابقة والدول التي كانت تحت حمايتها أو وصايتها أو تحت نفوذها على نحو من الأنحاء تدرس الإنجليزيّة وآدابها في مدراسها وجامعاتها لا الفرنسيّة، ومستعمرات فرنسا السّابقة والدول التي كانت تحت نفوذها على نحو من الأنحاء تدرس الفرنسيّة وآدابها في مدارسها وجامعاتها لا الإنجليزيّة، لا لأن الأولى وجدت “جوهرًا” إنجليزيًّا ساميًا، فعشقته، فتبنّته لتسمو سموّ الإنجليزي، والثّانية وجدت “روحًا” فرنسيّة عالية فارتاحت إليها، فحذت حذوها لتعلو علوّ الفرنسي. الحال أن في كلّ حالة من الحالتين تقبّل اللغة والأدب يأتي متداخلا متشابكًا مع التّاريخ الاستعماري لكلتا الدولتين، وما تركه ذلك التاريخ من إرث صار جزءًا من بنًى سياسيّة وثقافيّة واجتماعيّة موقع الأدب منها موقع المتأثّر بها والمؤثر فيها.
امتدادات هذا الإرث لم تزل فاعلة، فأيّ منتج ثقافيّ عربيّ إسلاميّ يُنظَر إليه بمنظوره، فالثقافة “الغربيّة” لها رؤاها المسبقة على نحو ما ناقش إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق”، وأيّ كتاب عربيّ يترجم يستقبل في إطار تلك الرؤى؛ وكل دار نشر تجاريّة في المقام الأوّل، لها أجندتها، لها حساباتها من الربح والخسارة، تختار بها من الأجناس ومن الموضوعات ما يأتيها مساعدًا لها على تحقيق منشودها من الربح، فتؤثِر الرّواية على الشّعر، وتؤثر من الرّواية ما يدور حول موضوعات “ساخنة”، دراماتيكيّة، مثل اضطهاد المرأة “الشرقيّة” وعلاقات الغرام والجنس لدى المقموع والمكبوت جنسيًّا و”الربيع” العربي وما يتّصل به ممّا تراه استبدادًا وإرهابًا، أو ثيمات “صوفيّة” ولكنها مغلّفة بإيحاءات فرويديّة جنسيّة.
عليه فأنت إن كتبت شعرًا أقررت بينك وبين نفسك مسبقًا أنّه لن يتجمهر لك كثيرون ليقرؤك؛ وحين تترجم الشعر العربيّ وتسعى إلى نشره في دار أجنبيّة تدرك أنّه لا “سوق” لك في عصر لا يفهم إلا لغة السوق. وتتدرّج أسهم نشرك انخفاضًا في أسواق النشر حسب المعطيات، فكلما بعُد شعرك المترجَم عن “مراكز” الثقافة العربيّة انخفضت أسهم نشره. وربّما يبلغ انخفاض أسهمك مبلغًا إذا كنت تترجم من الشعر ما يتحدّى الصور النمطيّة، ما يقوّض “سخونة” السّاخن، يعارض السائد، يشكّ فيه، يختلف معه اختلاف الإنسان “العادي” بمسعاه ومساره اليومي، الإنسان المتململ الممتردّد لا اختلاف البطل السينمائي المغوار المجيد؛ ومن كان هذا شأنه ما كان له أن يأتي دور النشر بما تروّج به سلعتها.
من إفرازات فرضيّة “الجوهر” قول بعضهم بأنّ العمانيّ لا يقرأ أدبه، وعليه لا حاجة لإيصاله إلى القارئ الأجنبي. مع أنّي أميل إلى الاعتقاد بصحّة الجزء الأوّل من هذا القول إلا أنّ الاستنتاج المبنيّ عليه لا حظّ له من المنطق. فأنا كلّما أسأل طلبة قسم اللغة الإنجليزيّة في كلية الآداب والعلوم الاجتماعيّة في جامعة السلطان قابوس عما قرأوه من الأدب العماني، شعره وروايته، لا ألقى إلا ردّين: نحن نقرأ الرواية لا الشعر، نحن نقرأ الرواية الخليجيّة والعالميّة لا الرواية العمانيّة المحلّيّة. على أنّ هذا القول ليس فيه ما يجعله حكمًا على الأدب العماني، ولا فيه ما يقنع المرء على أن يحجم عن الترجمة، فأنت إن ناقشتهم ندر أن تجد من بينهم من قرأ الأدب العمانيّ ثمّ قرنه إلى الأدب “الخليجيّ” أو العالمي، ثم خلص إلى أنّ الثاني أشدّ نفاذًا وأحكم بنيةً وأثرى رؤيا، وعليه أجدر على القراءة من الأوّل. الحال أنّ رأيهم إنّما هو نابع عن افتراض مسبق واهٍ لا عن علم ودراية، افتراض سنده سياق ثقافيّ عامّ يرى به العمانيُّ بني وطنه أقلَّ كفاءة من الأجنبيّ في غير مجال من الحياة؛ فقوّة القول في قبوله الاجتماعيّ والثقافي لا في ما للأدب العماني وفي ما عليه، ومن ثَمَّ مقدار ضعف الافتراض مقدار ضعف المستنتَج منه.
البادي لي أنّنا، المربّين و”المثقّفين”، بترديدنا مقولات كهذه، دون فحص ولا تمحيص، نغدو مجسّدين لما نزعم أنّنا من معالجيه، فنسهم، عن غير وعي، في تعزيز الافتراضات السلبيّة مع أنّه كان الأولى بنا أن نكون من أوائل مفكّكيها. ففي قسم اللغة الإنجليزية في كلية الآداب في جامعة السلطان قابوس ثمّة مقرّرات مثل “الأدب العالميّ بالإنجليزية” و”الأدب العربيّ بالإنجليزية”، ولكنّه لا يوجد مقّرر مثل “الأدب العماني بالإنجليزية”. هذا الغياب، مع أنّه مفهوم في ظلّ وضع نرى فيه قليلا من الأدب العماني مترجمًا إلى الإنجليزيّة، ربما كان سببًا إلى دفع الطالب الجامعيّ إلى الاعتقاد أنّ الأدب العمانيّ دون مستوى الآداب الأخرى، وإذا ما أردنا أن نكون حذرين فيما نستنتج كان لنا أن نقول إنّه إن لم يكن هذا الغياب سببًا مباشرًا في تعزيز افتراضات الطالب المسبقة فإنه من المرجّح أنّه لعب دورًا سلبيًّا فيها.
أمّا قول بعضهم إنّنا، “المترجمين”، يجب أن ننتظر حتى تكتمل للأدب العماني شروط التحقّق فهو يفترض مقدّما أنّ الترجمة تستجيب لوضع كان، لا تقدم على المشاركة في خلق وضع سيكون، تترقّب لتستثمر أسهمها لدى المتحقّق من الآداب والفنون، شأنها شأن غير القادر على حسم أمره في فريقين يتصارعان، لا يعرف أيًّا يؤازر، فينتظر، فيميل مع ميلان حظّهما من النصر، وما إن رأى أنّ الكفة راجحة لهذا الفريق كفّ عنّ تأرجحه، فأخرج خنجره رقصًا وطربا، وأشعل حنجرته صياحًا وصراخا، مؤيِّدًا مؤازِرًا حقًّا تحقّق؛ أو قل إنّ شأنه شأن ألفريد بروفروك، بطل قصيدة تي إيس إيليوت الشهيرة “أغنية حبّ ألفريد بروفروك”، فصاحبنا يحبّ، ويريد أن يهزّ الكون هزًّا ببوحه لحبّه، ولكنّه، بوعيه المفرط بذاته، مظهرًا وجسدًا وسنًّا ومكانة اجتماعيّة، ما أن يقدم على شيء حتّى يحجم عنه، فهو يخاف أن يقع، يخاف أن يزلّ، يخاف أن يكبو.
هذا المؤمن في ساعة النصر، وهذا الشاكّ، غير القادر على بوح أمر حبّه، لا دور إيجابيًا لهما، والترجمة التي تجلس خاملة، تشاهد الأدب العماني يتحقّق أمامها، ثم تأتي من خلف الصفوف مطبّلةً مزمّرة له، رافعةً راية تحقّقه بائسة في ما لها من الحول والقوّة؛ على أنّ هذه نظرة قاصرة، فالترجمة لم تكن بهذه السّلبيّة قطّ، ولا نحتاج إلا إلى لمحة خاطفة إلى أدبياتها، ولا سيّما تلك التي تتعلّق بما يسمّيه المنظّرون بـ”المنعطف الثقافي”، لنعي أنّها ظلّت دومًا في خضم الحراك الثقافيّ الاقتصاديّ الاجتماعي؛ وإن لم يكن لنا أن نزعم أنّها كانت بطلا قاهرًا في هذا الحراك فليس لنا أن نزعم أنّها كانت بهذه السلبيّة.

دور الأدب العماني المترجم في الحراك الثقافي
إن كان العمانيّ لا يقرأ أدبه وجب أن يكون سعينا محلّيًّا في أوّل الأمر، وجب علينا أن نضع النشر عالميًّا جانبًا، إن مؤقّتًا، ونفكّر في طرق نعدّل بها ما ترسّخ في ذهن العماني من رؤًى مسبقة حول أدبه، وفي هذا الشّأن لا بدّ أن نسأل أنفسنا: ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الترجمات الإنجليزيّة المنشورة في دور عربيّة إزاء ذلك أو في الحراك الثقافيّ العمانيّ عامّة؟ أوّل ما يأتيني في هذا الشّأن كوني عضوًا أكاديميًّا هو إدخال الشعر العماني بالإنجليزيّة في أقسام اللغة الإنجليزيّة في كلّيّتي الآداب والتربية في جامعة السلطان قابوس والمعاهد والكليات التطبيقيّة إلى جانب الجامعات الخاصّة بل حتّى المدارس العامّة والخاصّة. ففي قسم اللغة الإنجليزيّة في كلية الآداب بجامعة السطان قابوس يمكن إدراج “الشعر العماني باللغة الإنجليزيّة” كمادّة أساسيّة إلى جانب “الشّعر العربيّ باللغة الإنجليزية” و”الشعر العالمي باللغة الإنجليزيّة”؛ فيقرأ بذلك الطالب العمانيّ أدبه بالإنجليزيّة، فيقرنه بالآداب العربيّة والإنجليزيّة والعالميّة، فيتناول أشكالها وثيماتها، وإن تشكّل لديه رأي، سلبًا أم إيجابًا، كان نابعًا عن دراسة لا عن تحيّز مسبق.
قد يعارض بعضهم توجّهي هذا قائلا بأنّ بعض الكليات والمعاهد ليس بها أقسام للأدب الإنجليزي، وعليه لا مكان للأدب العمانيّ المترجم إلى الإنجليزيّة فيها؛ قد يكون الجزء الأوّل من المقولة صحيحًا إلا أنّه لا يستلزم منه بالضّرورة أنّه لا مكان للأدب المترجم، فهناك اتّجاه في أدبيّات تدريس اللغة الإنجليزيّة يدعو إلى استثمار الترجمة أداة في شحذ الحسّ اللغويّ لدى الطالب، وذلك بمقارنة نصّ أصليّ بترجمته؛ ويرى منظّرو هذا الاتجاه أنّ للأدب، ولا سيّما الشعر منه، ميزة، فهو لغة واعية بذاتها، تصرف النظر عن مكوّنات التواصل الأخرى إلى نفسها، مفرادتٍ وتراكيبَ، يدخل بعضها مع بعض في علاقات متوازية تكتسب بها قيمة إضافيّة عن اللغة الإحاليّة، وإذا ما حدث أيّ تغيّر لتلك العلاقات حدث خلل في الوظيفة الشعريّة للغة ؛ وهذا عين ما تفعله الترجمة، فهي تؤثّر فيما للمفرادت والبنى التركيبيّة من أنماط متوازية، و(قد) تخلق لها أنماطًا خاصّة بها؛ وإذا ما فهم الطالب ذلك حقّ الفهم تعزّز حسّه اللغويّ، شكلًا ووظيفة.
إلى جانب ذلك ثمّة قيمة بحثيّة فيما يتعلّق بدراسات الترجمة. فلو أخذنا ترجمتي الإنجليزيّة لـ”جندي من مسكن، شهد الذاكرة” لسعيد بن راشد الكلباني، أوّل مفتّش عامّ عمانيّ للشرطة والجمارك، نجد أنّ الكتاب المترجم يمكن أن يكون مادّة بحثيّة من زوايا متعدّدة. فعلى المستوى السيمائي، مثلا، هناك “مؤلّف” الكتاب راويًا سيرته، مولده ومنشأه، وعمله بالجيش أوّلا ثمّ بالشرطة، تدرّجه في الوظائف حتّى صار المفتش العامّ للشرطة، دوره الطليعي في بناء جهاز الشرطة؛ وهناك محمّد الرحبي، الكاتب الروائي القاصّ، ذو الأسلوب الأدبيّ المميّز، المائل إلى الإطناب والاستطراد، محوّلًا المادّة المرويّة إلى مادّة مكتوبة، صائغًا الأحداث تارةً صوغًا مجازيًّا تصويريًّا وساردًا إيّاها سردًا مباشرًا تارةً أخرى؛ وهناك المترجم بخلفيّته الأكاديميّة ضابطًا المشتَّت، مغيِّرًا موقع ما في غير موقعه، مؤوّلا الملتبس؛ وهناك قارئة مخطوط الترجمة مبديةً ما رأتها عينها “الإنجليزية” من ملاحظات، أخذ المترجم ببعضها وترك الآخر؛ مناقشة تداخل هذه الأصوات، بعضها ببعض، مجال سيمائي خصب، ومن شأنها أن تشحذ وعي المترجمين بأبعاد خياراتهم الترجميّة.
مثل هذه القيمة البحثيّة يمكن أن يدعم على مستوى التدريس؛ فالمؤسف أنّه لا توجد في البرامج الجامعيّة للترجمة، سواء في قسم الترجمة في جامعة السلطان قابوس أو في جامعات وكلّيّات أخرى، حسب علمي، مادّة مثل “الترجمة في عمان”. فمادّة كهذه يمكن أن تكون منتدى لنقاش علميّ رصين مؤطَّر بنظريات لموضوعات بحثيّة ترجميّة كالتي أثرتها حول ترجمة “جندي من مسكن، شهذ الذاكرة”. وهي، إن وجدت، لا تكون انعكاسًا لتطوّر الترجمة في عمان كما وكيفًا فحسب وإنّما تفعيلًا وتنشيطًا للحراك الترجمي والثقافي لدينا أيضًا.

ضرورة وجود دار للترجمة في عمان
القيمة التربويّة والبحثيّة هذه، مع أنّها قد تسهم في تعزيز ثقة العماني بأدبائه ومترجميه، إلا أنّها لا ينبغي أن تلهينا عن سعينا إلى نشر الأدب العماني عالميًّا، وهنا نرانا في اتّفاق تامّ مع من أثار إشكال النشر في دور عربيّة؛ على أنّي لا أرى رأي المتذمّر النادب، بل رأي الساعي إلى تحويل الإشكال إلى طاقة إيجابيّة؛ من وجوه ذلك تفعيل دور المؤسّسات العامّة، فإن كان المترجم الفرد منّا يأخذ المبادرة، فيختار كتبًا ليترجمها، فإنّ جهوده في نشر ترجماته خارج عمان تظلّ محدودة، ولا أرى هنا مناصًا من المطالبة بأخذ المؤسّسات بيد المترجم أخذًا منظّمًا ممنهجًا مدروسًا.
الحال الآن أنّ الدعم المقدّم إلى الترجمة دعم بالغ المبلغ من الشح، وإن وجد كان مشتّتًا، فهناك مؤسسات حكوميّة كالمنتدى الأدبي تقيم مسابقات موسميّة للترجمة، وأخرى، كوزراة التراث والثقافة، تبتدر إلى ترجمة أعمال مختارة من الأدب العماني، أمّا الدعم المقدّم للأفراد فهو يأتي استجابة لمبادرات فرديّة، لعلّ لي أن أقدّم تجربتي توكيدًا لما أقوله، فترجمتي العربيّة لـ”عمان في عيون الرحالة البريطانيّين، رؤية جديدة للاستشراق” كانت مبادرة من مؤلّف الكتاب ومنّي، تقدّمنا بها إلى مكتب مستشار صاحب الجلالة للشؤون الثقافيّة، فتبنّاها، وترجمتي الإنجليزيّة لـ” هذا الليل لي” وكتابي “الشعر العماني المعاصر مترجمًا إلى الإنجليزية” كانا مبادرتين منّي تبنّتهما وزارة التراث والثقافة . على أنّ المبادرات الفرديّة والمباركة الرسميّة لها تظلّ مبعثرة، لا جامع ولا ضابط لها، فلا رؤية استراتيجيّة ولا تخطيط مسبق مجدوَل زمنيّا، والفرد منّا إذ لم يأتِه الدعم المنشود ربّما أتاه من الإحباط ما صرفه عن الترجمة. من هنا ضرورة إقامة دار للترجمة ينضوي تحتها المترجمون الفاعلون، كلّ على النحو الذي يناسبه، دار ترعى الترجمة، ممارسة وبحثًا ونشاطًا ثقافيًّا، يتقاطع مع الأنشطة الاجتماعيّة والثقافيّة الأخرى.
ومن جملة ما يمكن أن تقوم به هذه الدار ترويج الأدب العماني المترجم بطرق عدّة، أورد بعضًا منها على سبيل المثال لا الحصر:
1- توزيع الترجمات على مراكز الدراسات العالميّة ولا سيّما تلك التي تهتمّ بالشرق الأوسط أو بالعالم الإسلامي عامّة.
2- إقامة شبكة من التواصل مع مراكز وأقسام الترجمة العالميّة وتوصيل الأدب العماني لها.
3- توزيع الترجمات على زائري الأيّام الثقافيّة التي تقيمها وزارة التراث والثقافة في مختلف دول العالم.
4- إقامة (والمشاركة في) ندوات ومؤتمرات خاصّة بالترجمة للتعريف بالحراك الترجمي العماني وتوزيع الأدب العماني المترجم على المشاركين في الندوات والحاضرين فيها.
5- عرض الكتب العمانيّة المترجمة إلى الإنجليزيّة واللغات الأخرى على مواقع الشراء الإلكترونيّة كأمازون Amazon، مثلا، وعلى دور بيع عالمية كبوردرز Boarders ووترستونز Waterstones
6- دعم الترجمة الأدبيّة في إطار دعم شامل للحراك الترجمي ليشمل جميع جوانب المجتمع العماني من ثقافة وسياسة واجتماع .

خلاصة الكلام أنّ ذلك كلّه، إن تحقّق، سيساعد على نشر الأدب العماني في العالم الناطق بالإنجليزيّة. لعلّي لا أبالغ هنا إن انهيت مقالي هذا بقولي إنّنا إن استثمرنا الأدب العماني المترجم على النحو التربويّ والبحثي الذي أوضحته وإن أوصلناه إلى مراكز الدراسات والترجمة والمكتبات العالمية عبر دار عمان للترجمة كان ذلك مأثرة من مآثر الترجمة، ولجاز لنا بها أن نقول إنّ الترجمة في عمان حراك ثقافيّ رائد، واثق في خطاه، قويّ في آثاره، رغم قصر عهده.

د.خالد بن محمد البلوشي أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة السلطان قابوس

إلى الأعلى