الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / القصيدة الغزلية في الشعر العماني (4)

القصيدة الغزلية في الشعر العماني (4)

ملامح الغزل في عصر الدولة البوسعيدية
إن الأحداث السياسية التي شهدتها عمان خلال فترات حكم السلاطين البوسعيديين، جعلت الشعر يسير في حلقات متصلة، يدفعها ذلك الانتظام في السلطة المركزية بين عمان وشرق أفريقيا في عهد هذه الدولة التي كانت بمثابة تحديد لأول دولة “آسيوية أفريقية” ظهرت في العصر الحديث.
كان اهتمام السلاطين البوسعيديين بالشعر والأدب وتطلعات هذه الدولة لمواجهة النفوذ الاستعماري الذي دخلت في صراع معه أهم سببين أثرا على ازدهار الشعر وتطوره؛ لذلك بدأ طور تجديدي يشق طريقه في القصيدة العمانية وذلك على مستوى الشكل والمضمون.
ولعل هذا الطور يمكن تحديده زمنيا بقيام إمامه ” عزان بن قيس “، ففي هذا العصر بدأت مظاهر التجديد تشرق في الأفق، بعدما كانت القصيدة العمانية غارقة في ألوان البديع و الزخرفة.
فالشعر الغزلي ليس كما كان عليه في السابق غرضا ينفس فيه الشعراء عن عواطفهم، أو مقدمة يبدأون بها قصائدهم، أو موضوعا قائما بذاته لدى بعض الشعراء، بل اتسع ليتخلص من بعض مظاهر المبالغة والإسراف.
ويمكن أن نذكر بعضا من أسباب التجديد في فن الغزل العماني، والتي برزت في المناداة بضرورة التطور وتجاوز أساليب الزخرفة والمحسنات البديعية.
كما أن تأسيس الإمبراطية العمانية وازدهارها خلال هذه المرحلة ازدهارا كثيرا أثر تأثيرا إيجابيا على توجهات القصيدة العمانية عموما، والقصيدة الغزلية خصوصا، ولا يخفى علينا ما كان للهجرات إلى شرق أفريقيامن أثر، وما نتج عنها من استنشاق بعض ملامح الحرية المفقودة.
أضف إلى ذلك ازدياد النفوذ الاستعماري في منطقة الخليج عقب الحرب العالمية الثانية، وما تبعها من ظهور الحركات التي تنادي بالتحرر والثورة.
ومن هؤلاء الذين قالوا في فن الغزل ” سعيد بن خلفان ” و ” أبو مسلم الرواحي “، وقد ظهر ملمح جديد في غزلهما حيث ارتقيا به إلى الحب الإلهي الذي يسمو بالنفس فوق الرغبات الدنيوية على نحو ما كان في تأملاتهم الصوفية.
كما نجد بعض الشعراء الذين أوقفوا فنهم أو معظمه على الغزل، ولم يجدوا في أنفسهم حرجا من الخوض في مثل ذلك، حيث اعتمدوا على إظهار الصفات الحسية، وكل ما يدل على أثر المحبوبة من لون ورائحة وغير ذلك، وأكثروا من ذكر الصفات المعنوية كالحياء مثلا.
من ذلك نجدهم إذا تغزلوا شبّهوا حمرة الوجه بالورد، والرضاب بالخمر، والثغر باللؤلؤ، وكل ما تحدث عنه شعراء الغزل القدامى نجد له أثرا في غزلهم، غير أنهم كانوا يحاولون الارتقاء بالحياة العاطفية إلى درجة قريبة من العفاف في هذا المسلك، فتراهم يؤكدون السمو بالحب فوق مطالب الدنيا، وهذا راجع إلى تمكن الأخلاق في نفوسهم وإلى سيادة التقاليد العربية فيهم.
ونذكر من الشعراء العمانيين في الدولة البوسعيدية ( ناصر بن سالم بن عديم الرواحي) المعروف بأبي مسلم البهلاني (1859- 1920) الذي يُعد واحدا من أهم الشعراء في عمان في العصر الحديث، بل من أشهر شعرائها على الإطلاق.
وقد ولد الشاعر في ولاية سمائل في قرية وادي محرم، وأخذ علمه على عدد من المشايخ، وكانت دراسته لا تختلف عن دراسة زملائه حيث يكون التركيز على المواد الشرعية واللغوية.
والمتتبع لأشعاره يجد أنه لم يهتم بالغزل كثيرا وإنما جاءت موضوعاته عرضا، فهو في تغزله لا يخرج عن نطاق من سبقه، بل يستعمل صورا ومفردات مشابهة لما كانوا يستعملونه ولكن بشيء أبسط وأيسر، والحب لديه مسألة نسبية لا حد لها ولا قياس؛ فغزلياته أقرب إلى إظهار المهارة التعبيرية وترويض القول منها إلى المعايشة أو التمثل أو حتى الغزل الصوفي الذي كان تشتهر به جماعة من المتصوفة والزهاد.
وأوصاف أبي مسلم لمحبوبته لم تختلف عن أوصاف غيره من شعراء عصره وذلك ناتج لتأثره ببيئته عمان، ولثقافته الواسعة؛ لذا جاءت كلماته ومعانيه وصوره الشعرية مطابقة لكلماتهم ومعانيهم وأخيلتهم، فهو يستخدم ” غضيض الطرف، سقيم الجفن، قمري الوجه، ليلي الشعر، ناحل الخصر، ثقيل الردف، مائس القد ” إلى غير ذلك من الكلمات العديدة التي تدل على صدق ما أوردناه:
ساحر الطرف، سقيم جفنه، قمريُّ الوجه، ليليُّ الشعر، ناحل الخصر، ثقيل ردفه، مائس القد، ردينيُّ الخطر، نافر عني، وقلبي سكنه، صفوة الود، إذا قال غدر، هل يراعي ذمة، من ودنا لا، وهيهات الوفا، ممن غدر، طول ليلي، وصله منتظر، ليلة من وصله، ألف شهر يا غضيض الطرف هب لي نظرة إن أعراضك أدهى وأمر عجباً في خدك النار وفي مهجتي منها لهيب وشرر فاتني بعض رشادي في الهوى إن عذالي لقد قالوا كفر.
واستدل هنا بما قاله الكاتب الأستاذ أحمد الفلاحي في بحثه عن الشاعر في مجلة نزوى (العدد 23، 2000) عن غرض الغزل في شعر أبي مسلم، حيث قال: ولأبي مسلم مقطوعات صغيرة في الغزل وهي قليلة ولا تحتل من ديوانه الضخم الذي يربو على خمسمائة صفحة أكثر من صفحتين أو ثلاث ولا ندري إن كانت له غزليات أخرى ضاعت أو مزقها في حياته كما كان يفعل أكثر الشعراء في عمان عندما تتقدم بهم السن تحت مقولة إن الغزل من لهو القول.
وغزليات أبو مسلم القليلة ليس بها من قوة الشاعرية وزخمها أي شيء وهي لا تعدو أن تكون تكرارا لكلمات الغزل المعادة.

وفاء الشامسية

إلى الأعلى