الثلاثاء 17 يناير 2017 م - ١٨ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / ولنا كلمة: قانون عمل حسب الطلب

ولنا كلمة: قانون عمل حسب الطلب

**
استوقفتني قبل أيام تصريحات سعادة رئيس غرفة تجارة وصناعة عمان طلب فيها إعادة مشروع قانون العمل إلى الغرفة مرة أخرى لدراسته بعد أن سبق وأن وقع عليه ممثلا عن أصحاب الأعمال، بحجة أن موافقة الغرفة صدرت عليه على عجل وانه في صالح العامل اكثر من أصحاب الأعمال وان القانون الحالي مليء بالتشوهات، وما نعلمه بالضرورة ان مشروع القانون الذي بدأ العمل فيه منذ أكثر من ثلاث سنوات وأعده أحد بيوت الخبرة العالمية عن طريق منظمة العمل الدولية ومر بمراحل عدة وعقدت له عدد من الندوات فضلا عن اللجان وفرق العمل، وشارك في بعض الندوات التي عقدت لمناقشته إلى جانب أطراف الإنتاج الثلاثة الأساسية الحكومة وأصحاب الأعمال والعمال عدد من المكونات، دستورية واقتصادية ونقابية وإعلامية، ولأول مرة في السلطنة يطرح مشروع قانون حكومي عبر شبكات التواصل الاجتماعي لمعرفة رأي المجتمع حوله وذلك لمزيد من الشفافية في الطرح، وبعد أن استكملت كافة مراحل الإعداد وتضمين الملاحظات التي أبدتها الأطراف الأساسية واسترشادا كذلك بما أبدته تلك المكونات والمجتمع من خلال الاستبيان تم التوقيع عليه ورفعه إلى الجهات المعنية لكي يأخذ رحلته الإجرائية بين المجالس التشريعية المختلفة وصولا إلى الإعلان عنه بإصدار المرسوم السلطاني السامي.
والسؤال الذي يطرح نفسه هل الموافقة على القانون كانت ممثلة في أشخاص أو مؤسسة يمثلها أشخاص؟ حيث إن التعامل مع مثل هذه المشاريع يفترض أن ينطلق من كيانات مؤسسية وليس أفراد تحكمهم فترات زمنية محددة تصل طول الواحدة منها أحيانا إلى اقل من الفترة الزمنية التي يمكن ان يحصل عليها قانون بالموافقة، وبالتالي فان ربط اي مشروع قانون بموافقة أفراد محددين وليس مؤسسة ينتمي اليها قطاع كبير سبق وأن عرض عليه يدل على أن هناك خللا ما، فمن يضمن على سبيل المثال في هذه الحالة لو أعيد هذا القانون الى الغرفة وتمت دراسته مرة اخرى وانتهت صلاحية المجلس قبل إصداره من أن يطلب المجلس القادم إعادته إليه لأنه لم يطّلع عليه؟ وقس على ذلك الطرف الآخر وهو الاتحاد وكذلك الوزير المختص، ويصبح القانون في ظل هذا التوجه كالغجري متنقلا بين مباني الأطراف الثلاثة، وسيظل العامل الذي طال انتظاره أن يحظى بقانون فيه بعض الأحكام المنصفة التي تتواكب مع ما طرأ من تغيير على سوق العمل للحصول على حقوقه، وصاحب عمل ينتظر ان يعرف ما له وما عليه بشكل أكثر عدلا وموضوعية، كمن ينتظر شروق الشمس الذي يحمل وضوحا في العلاقة بين طرفي إنتاج تتماشى مع العديد من المتغيرات التي شهدها السوق خلال السنوات الماضية، كل ذلك لاشك لم يغفل عنه مشروع القانون الذي على ما اعتقد شهد نقاشا واسعا من الفريق الفني الذي أحد أطرافه من يمثل القطاع الخاص الذي ارتضى بما تضمنه من مواد وأحكام قانونية تمثل الحد المعقول لتنظيم العلاقة بين طرفي الإنتاج صاحب العمل والعامل .
من المستحيل أن يكون هناك قانون حسب الطلب خاصة اذا كان هذا القانون مشتركا ينظم العلاقة بين أطراف ثلاثة كل واحد منهم يريد أن يراه من وجهة نظره ملبيا لكافة مطالبه ومفهومه لطبيعة تلك العلاقة، وهذا يعد من الصعوبة بمكان على اعتبار أن مثل هذه القوانين في مجملها ثمثل الحد الأدنى من المطالب لهم جميعا خصوصا الطرفين الأساسيين فيه وهما صاحب العمل والعامل، فالحكومة وهي المعنية بمراقبة التطبيق تمثل حلقة الوصل التي تحرص على أن تكون أحكامه قادرة على بناء علاقة عمل جيدة ومستمرة وضامنة لبيئة عمل تتميز بالاستقرار وزيادة معدلات الإنتاج، وأن يكون القانون وقاية وعلاجا يسهم في التقليل من القضايا العمالية التي تنظرها الأجهزة المختصة في الوزارة المعنية بشكل يومي، مشروع القانون اعتقد لاتزال أمامه مرحلة مهمة تتمثل في عرضه على مجلس الشورى الذي سيراه هو الآخر من ثلاث زوايا مختلفة كل واحدة منها تمثل أحد الأطراف الثلاثة، وبالتالي إذا كان هناك من أطروحات يرى احد الأطراف ضرورة تضمينها في المشروع فبالإمكان تمريرها من خلال أعضاء مجلس الشورى الذين فيهم من ينحاز إلى الحكومة وآخر للتاجر وغيره للعامل، بدلا من طلب إعادته مرة اخرى لإبداء الملاحظات عليه من جديد كما لا يستبعد أن يكون لاتحاد العمال نفس الطلب لمعرفة ملاحظات أصحاب الأعمال، ويأخذ نفس المسار الذي سبق وأن مر فيه لجان وفرق عمل فنية ثم يلزم بعد ذلك التوقيع عليه مرة أخرى ويبدأ رحلته من جديد وصولا إلى الاعتماد والمصادقة .
فإذا كان القانون الحالي كما وصف فيه الكثير من التشوهات ولا تتوفر فيه العديد من الأحكام التي تتطلبها المرحلة الحالية لتحقيق المزيد من الآليات التي تساعد على تنظيم سوق العمل في ظل تنامي العديد من الظواهر العمالية، فضلا عن غياب بيئة العمل التي تحتاج إليها القوى العاملة الوطنية سواء تلك التي حاليا في منشآته الخاصة أو من تتطلع إلى الدخول إليه، فان مشروع القانون القادم ان لم تكن احكامه ستعالج التشوهات إن كانت موجودة فإنها على الأقل ستقلل الكثير منها وستضمن حدا معقولا من الاستقرار ليس للعامل فقط وإنما للمجتمع، المحتاج خلال هذه المرحلة المزيد من الثبات والاستقرار الأمني والاجتماعي وأن يقدم من لديه القوة بعض التضحية والتنازلات في سبيل تحقيق ذلك، فإذا كانت هناك من امتيازات ذات طابع مادي مباشر وغير مباشر في مشروع القانون لصالح الحلقة الأضعف وهو العامل فإنها طال الزمن ام قصر ستعود مرة أخرى إلى خزائن القطاع الخاص، فلنترك المشروع يمضي في طريقه مع المطالبة بتسريع صدوره بدلا من توقيفه وإعادته لمزيد من الدراسة.

طالب بن سيف الضباري
أمين سر جمعية الصحفيين العمانية
Dhabari88@hotmail.com

إلى الأعلى