الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : الجامعة تطالب بإصلاح مجلس الأمن .. تنصل أم دعم؟

شراع : الجامعة تطالب بإصلاح مجلس الأمن .. تنصل أم دعم؟

خميس التوبي

وسط هذا الركام الهائل من الخراب العربي والموت المجاني وأنهار الدماء والفتن كقطع الليل المظلم، تبدو مطالبة جامعة الدول العربية على لسان أمينها العام نبيل العربي بضرورة إصلاح مجلس الأمن الدولي لعجزه عن حفظ السلم والأمن بالمنطقة العربية، استكمالًا للفصول الموجعة من العبث السياسي والفكري التي لعبت الجامعة أدوارها منذ عقود وذلك بالتنصل من مسؤولياتها المباشرة فيما يحصل من مآسٍ وكوارث لا تزال بسببها تدفع الشعوب العربية ثمنًا باهظًا، ومحاولتها رمي المسؤولية على مجلس الأمن وغيره.
فقد دعا العربي، في كلمته خلال أول اجتماع مشترك ضم مندوبي الدول العربية الأعضاء في جامعة الدول العربية ومندوبي الدول أعضاء مجلس الأمن الدولي أمس الأول، إلى ضرورة “إصلاح مجلس الأمن، وإعادة النظر في لائحته ونظام العقوبات”، منتقدًا “عجز المجلس عن القيام بالدور المنوط به في إنهاء النزاعات وحفظ السلام”. متسائلًا: “كيف يمكن تبرير استخدام حق النقض (الفيتو) لمنع صدور قرار من المجلس بوقف إطلاق النار في إحدى مناطق النزاع من أجل حقن الدماء، (لم يسم المنطقة المذكورة)”.
من الواضح أن هذه الدعوة لا تُعبِّر عن الندم مما اقترفته الجامعة بقيادة أمينها “العربي” بتحولها إلى رأس حربة لـ”الحريق العربي” وإنجاز مخطط إعادة تقسيم المنطقة لصالح عدوها الأوحد كيان الاحتلال الصهيوني، وهيمنة مشروعه على المنطقة، وتحويل أقطارها إلى كانتونات طائفية متناحرة، وإنما هي دعوة تُعبِّر عن إصرار على مواصلة تعميم موجة التلوث الفكري والسياسي الممزوج بكثير من التطاول، والاستطالة المَرَضية للإطاحة بكل ما راكمته الأمة من إنجازات تحت عناوين النضال الوطني والكفاح ضد الاحتلال الصهيوني والمد الاستعماري الإمبريالي الغربي بقيادة الولايات المتحدة. لأن الندم يعني التكفير عن الآثام وإعادة المظالم لأصحابها، وهنا في وضع جامعة الدول العربية، التكفير عن تشريعها وأدوارها لاستباحة الأعداء لسيادة بعض أعضائها، وفرضها العقوبات الاقتصادية الظالمة على الشعب السوري، وتجميد عضوية سوريا. والدعوة إلى دعم التنظيمات الإرهابية وتسليحها بزعم “مساعدة” الشعب السوري، وتشجيعها المعتدين على التدخل في الشؤون الداخلية لأعضائها، وصمتها عن جرائم الحرب التي يرتكبها كيان الاحتلال الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني وتدخله في الشؤون الداخلية للدول العربية.
إن من يقف على واقع الدول العربية التي ناضلت ضد الامبريالية الغربية ـ الأميركية وحليفها الاستراتيجي الاحتلال الصهيوني بعد تفجر مؤامرة “الحريق العربي”، وما حل بها من دمار وخراب وفتن وتمزيق، ويقف على تصريحات قادة المد الاستعماري الغربي ـ الأميركي وحلفائهم الصهاينة بأن الشرق الأوسط انتهى وأن سوريا مسحت من الخريطة تقريبًا، وأن قوتها العسكرية ضعفت ولم تكن كالسابق، وأن الجزائر تشكل “تهديدًا” لأوروبا، وما يتهدد ليبيا والعراق ومصر واليمن من مخاطر التقسيم، سيقف ـ دون شك ـ على الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها جامعة الدول العربية، سواء بصمتها عن استباحة الامبريالية الأميركية ـ الغربية للعراق أو لجوئها إلى مجلس الأمن الدولي ـ الذي تطالب بإصلاحه ـ لاستصدار قرار عاجل تحت البند السابع لتشريع التدخل الاستعماري لحلف شمال الأطلسي في ليبيا، ثم معاودة الكرة باللجوء إلى مجلس الأمن لاستجدائه باستصدار قرار مشابه للقرار في ليبيا ضد سوريا، وحين ارتطمت أمنياتها وتمنياتها بالفيتو المزدوج الروسي ـ الصيني، لجأت إلى الجمعية العامة.
بالتأكيد لا تحتاج المقاربة اليوم إلى قرائن وأدلة، وقد أتخم الراهن العربي بما هو أكثر من الحاجة وبما فاض على قدرة الوعي العربي والمدى القومي على استيعابه، حيث تحول كل شيء كان مرئيًّا قبل تفجر “الحريق العربي” إلى أطلال وأثر بعد عين.
وما يندى له الجبين ويبعث على الألم والمرارة أن تَنْهَى جامعة الدول العربية عن خلق لمجلس الأمن الدولي وتأتي بأمثاله، وتطالب بإصلاحه قبل أن تبدأ بنفسها في الوقت الذي ترسم فيه الأيادي الغربية اتفاقية سايكس ـ بيكو ثانية، مدعومة من أعضاء جامعة الدول العربية لتدمير مشروع القومية العربية، والقضاء على أي فرصة للوحدة العربية، والذين أداروا ظهورهم لكل المشاريع القومية العربية، الدفاع المشترك، المصير المشترك، الوحدة العربية، فلسطين القضية العربية المركزية، وفضلوا الارتماء في الحضن الأميركي ـ الصهيوني ـ الغربي، ممتشقين تارة سيف العروبة، وتارة سيف “الإسلام “، متخذين عنوانًا عريضًا وساترًا لارتماءتهم هذه وهو “محاربة المجوس والروافض” و”منع تدخلهم في شؤون الدول العربية”.
وفي ظل هذه الارتماءة غير المحسوبة العواقب، يحق للأميركي والصهيوني والفرنسي والبريطاني القول “إن الشرق الأوسط الذي نعرفه انتهى إلى غير رجعة” و”إن سوريا مسحت من على الخريطة تقريبًا”؛ ولذلك تبدو مطالبة جامعة الدول العربية بإصلاح مجلس الأمن الدولي تعبيرًا عن امتعاض أعضاء بها وأمينها العام من الفيتو الروسي ـ الصيني الذي حال دون المسح الكامل والسريع للمنطقة، وتقهقر اتفاقية ترسيم الحدود الجديدة أمام أسوار سوريا، والتعجيل بتصفية القضية الفلسطينية.

إلى الأعلى