الإثنين 27 مارس 2017 م - ٢٨ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : الخطوة الغنوشية

باختصار : الخطوة الغنوشية

زهير ماجد

لم تتوقف ” حركة النهضة ” التونسية عند العنوان الكبير الذي اهتزت له تونس وكثيرون بانتقالها الى حزب مدني، بل ارفقت ذلك بجملة متغيرات في نظامها الداخلي، اذ لا قيمة للتسمية اذا لم تقترن بتغيير في البنى الفكرية التي لا نشك أنها تغيرت، فمن يعرف عميدها راشد الغنوشي، سوف يقر بأن الرجل براجماتي حتى العظم وانه لن يتوانى ان يواكب مستحقات داهمة قد يراها ضرورية لتطوير مفاهيم حركته ونقلها من زاوية الى اخرى.
المهم لدى الغنوشي ان يظل ينعم بحضوره السياسي العلني كحزء هام من البانوراما السياسية التونسية .. وهو الذي عانى المنافي من لبنان الى لندن وغيره، وقبلها السجن واللجوء الى تغيير اسماء الحركة من اجل ضمان استمرارها في الحياة الحزبية، وكلها جادت له بالقريحة التي جعلته استاذ التقاط اللحظة التاريخية كما يسميها غرامشي، فاذا به خير قاريء لتطور الأمور في بلاده، وفي الذهنية الجديدة للشعب التونسي الذي يواجه اليوم انقلابا في حياته التونسية بعد رحيل زين العابدين بن علي، وبعد النقلة المحببة اليه، مجيء الرئيس السبسي بأفقه الديمقراطي، وتجربته الغنية التونسية والعربية والعالمية.
الذين يعرفون الغنوشي منذ إقامته في لبنان، ثم ادائه في محطاته المختلفة، لم يتفاجأوا بالخطوة التغييرية التي تشبه الانقلاب على الذات انطلاقا أكيدا من مرحلة النقد الذاتي التي عاشتها حركة النهضة خلال السنوات الخمس التي مرت والتي جاءها الغنوشي بعد بعاد عن وطنه ما يقارب الأربعين سنة.. ولاشك أنها السنوات الأغزر في عمره، كيف لا وهو الأن شيخ لكن يحسب له الف حساب نظرا لشبابه الذي انطوى من اجل غايات حركته التي صحيح ان اسمها تغير عدة مرات لكن الفكرة المركزية لم تتغير الا مؤخرا، وهي خطوة جريئة تحسب للغنوشي بان عقله مازال المسيطر على وعي اللحظة، وبان خبرة السنين باتت تؤتي أكلها بما تحتاجه تونس والمنطقة العربية وليس كما يريد هو او يهواه في نومه ويقظته.
هذه الخطوة ” الغنوشية ” يفترض لها ان لاتكون تونسية محضة، بقدر مايجب ان تعكس فكرا واحدا لدى جماعة ” الاخوان المسلمون ” وخصوصا في البلد الأم، مصر، حيث توجب ماتعرضت له من انعكاسات خطيرة، الى سلوك مسلك ” حركة النهضة ” لكي يكون اعترافا بالخطأ التي ارتكبت قبل الوصول الى السلطة في مصر، واثناء الحكم الذي تسلمه الرئيس المخلوع محمد مرسي. ولذلك يحتاج ” الاخوان ” في مصر الى تجديد شبابهم بنقلة نوعية شبيهة بما فعله الغنوشي واتباعه وهو كما سميناه انتصار على الذات، وقراءة دقيقة لمتغيرات تحتاج لتبصر دقيق لكي لايظل رجال ” الاخوان ” مطاردين في شوارع القاهرة وبقية المدن المصرية وملاحقين في حياتهم اليومية.
نحتاج كثيرا لإعادة قراءة التجربة التونسية الحديثة جدا منذ رحيل زين العابدين بن علي ، لكن الملاحظة السريعة، أنها واكبت صورة التغيير بفهم ووعي ساعدتها ظروف التهدئة النسبية الداخلية على اتمام حراكها الديمقراطي .. وهاهي تقفز مع خطوة ” حركة النهضة ” التجديدة أكثر فأكثر، لتعطي الدليل بأن هذا البلد العربي قطع وحيدا شوط التغيير الفعلي، وربما يصبح النموذج الذي يحتذى.

إلى الأعلى