السبت 23 سبتمبر 2017 م - ٢ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / الثقة السياسية وبناء الدولة الوطنية ( 3-3)

الثقة السياسية وبناء الدولة الوطنية ( 3-3)

محمد بن سعيد الفطيسي

” أكد جلالته ـ رعاه الله ـ في أكثر من محفل وطني على أن أمن واستقرار هذا الوطن مربوط بثقة وتلاحم أبنائه بنظامهم السياسي ومن يمثله في مختلف قطاعات الدولة المدنية والأمنية والعسكرية, وخدمة القائمين في تلك القطاعات لأبناء وطنهم بكل إخلاص وأمانة, وأن المواطن هو صمام الأمن والأمان والاستقرار الوطني الأهم والحافظ لثروات وطنه ومقدرات بلده,”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ختم صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله – خطابه الذي وجهه لكبار رجال الدولة من وزراء ومسئولين في الخامس عشر من شهر مايو من العام 1978م بالتأكيد على بعض النقاط الخاصة بإدارة الوظيفة العامة والتوجهات والسياسات التي يجب ان تسير بناء عليها الحكومة, وهذا الخطاب يجب أن يكرر دائما وأبدا على أسماع المسئولين في الدولة, وان تعمل بناء عليه كل حكومة في القادم من الزمن, وبالتالي ان تعيه الحكومة القائمة اليوم بكل قطاعاتها المدنية والعسكرية والأمنية, وان يعملوا على أساسه في التنظيمات والتشريعات والتوجهات والقرارات الإدارية الموجهة لمصالح الوطن والمواطنين والمحددة لأساليب وتوجيهات العمل في مؤسساتهم, والتي تصب اغلبها في محيط ما أطلقنا عليه بتعزيز مسألة الثقة السياسية بين الحكومة والمواطنين.
منها على سبيل المثال لا الحصر: إن على المسؤول أن ( يعتبر مصلحة الدولة فوق ‏كل مصلحة, وأن الوظيفة تكليف ومسؤولية قبل ان تكون نفوذا او سلطة, وان عليكم جميعا – مخاطبا كل مسؤول في الدولة – ان تكونوا قدوة ومثلا يحتذى به سواء في الولاء لوطنه او المواظبة على عمله واحترام مواعيده او في سلوكه الوظيفي داخل مكان العمل او خارجه, وفي حسن الأداء وكفايته, كما ان عليكم أن ‏تجعلوا نصب أعينكم دوماً مصلحة عُمان وشعب عمان , وأن تتذكروا ما قلناه آنفاً بأن هذه الدولة بكل أجهزتها هي لخدمة هذا الوطن العزيز ‏ومواطنيه الأوفياء , وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا ‏على الإثم والعدوان” صدق الله العظيم )
وهي نقاط من بعض ما تطرق إليه الطرح بشكل كامل حول خطاب جلالته سالف الذكر, والذي يعد التوجيه السامي للسياسات العامة للدولة وللمسئولين في الأجهزة الحكومية قي جانب تعزيز موضوع الدراسة وهي تعزيز جوانب الثقة السياسية, فقد أراد صاحب الجلالة ـ حفظه الله ـ ان يكون هذا الوطن, وطنا للجميع, وأن يكون شكل ومضمون العلاقة بين المسئولين في مختلف قطاعات الدولة وبين أبناء وطنه, علاقة ثقة وترابط وتعاون أخوي لا ينقطع أو يتأثر بعوامل زمنية, وشعور متبادل بالمسؤولية والاهتمام , وبناء قوي قائم على ركائز التعاون بين أطراف البناء الوطني.
وقد أكد جلالته ـ رعاه الله ـ في أكثر من محفل وطني على أن أمن واستقرار هذا الوطن مربوط بثقة وتلاحم أبنائه بنظامهم السياسي ومن يمثله في مختلف قطاعات الدولة المدنية والأمنية والعسكرية, وخدمة القائمين في تلك القطاعات لأبناء وطنهم بكل إخلاص وأمانة, وأن المواطن هو صمام الأمن والأمان والاستقرار الوطني الأهم والحافظ لثروات وطنه ومقدرات بلده, وبالتالي هو رأس المال والفائدة والاستثمار الوطني الحقيقي, وخصوصا الشباب منهم والذين يجب أن ينالوا ما يستحقون من خير ونعم هذا الوطن المجيد, فمستقبل عمان بيد أبنائها, ومستقبل عمان وثروتها أمانة في أعناقهم جميعا من مواطنين ومسئولين.
ومن هذا المنطلق وبناء على كل ما تم التطرق إليه سلفا من هذه الدراسة الذاتية الموجزة حول أهمية الثقة السياسية في أي نظام سياسي وطني حديث, سنقترح بعض النقاط التي يمكن الأخذ بها في جانب تعزيز قيم ومبادئ وأدوات ثقة المواطن بمؤسسات دولته وبالمسئولين فيها خصوصا في ظل الأوضاع والمتغيرات السياسية والاقتصادية والأمنية الراهنة, والتي ترتب عليها الكثير من التحديات والعقبات التي تواجهها الدول وسبق الإشارة إليها في هذه القضية خصوصا , ومن أبرزها على سبيل المثال لا الحصر النقاط التالية :
(1) أهمية وجود مؤسسة رسمية مختصة بقضايا تعزيز منسوب الثقة بين مؤسسات الدولة والمسؤولين بها من جهة, وبين سكان ذلك الوطن سواء مواطنين أو وافدين من جهة أخرى, يكون لتلك المؤسسة دور واختصاص رقابي على التوجهات والقرارات الرسمية التي يمكن أن تؤثر في تلك القيمة الوطنية, وكذلك دور ميداني وعملي تخطيطي وتنسيقي وتوجيهي لتعزيز ورفع منسوب الثقة بين أطراف البناء الوطني بكل الطرق والوسائل السياسية والقانونية الممكنة , وشخصيا أجد أن لهذه المؤسسة أهمية بالغة جدا في ظل تلك المتغيرات المختلفة العابرة للحدود الوطنية.
(2) إعادة بناء وصياغة ( كتالوج ) مفاهيم الثقة ما بين المجتمع والسلطة السياسية, وبمعنى آخر, ( إعادة بناء مضامين الثقافة السياسية بالشكل الذي يكرس قيم المشاركة والولاء والانتماء, وتأثير قوى المجتمع المدني ومؤسساته في السياسات والقرارات التي تتخذها الدول عبر المجالس النيابية – والبلدية – ومجالس الشورى , ووسائل الإعلام, وجماعات الضغط والمصالح المنظمة , الى غير ذلك من ممارسات منظمة تصب في إطار تعزيز التنمية السياسية والاجتماعية, وصيانة البناء السياسي وتعزيز الوحدة الوطنية ).
(3) اختيار قيادات صالحة ومناسبة لإدارة المرحلة الوطنية الراهنة, حيث أنه ومما لا شك بأن اختيار القيادات المناسبة كما نؤكد دائما هو السبيل الوحيد للحصول على القرارات المناسبة , فإذا نجحنا في تحقيق الهدف الأول فإننا سننجح تلقائيا في الوصول الى الهدف الثاني وبكل يسر وسهولة, كما ان القيادات المناسبة محفز قوي لثقة المواطنين في نظامهم السياسي ومؤسسات دولتهم, والعكس صحيح , فان بعض القيادات السياسية للأسف الشديد تعد من ابرز أسباب تراجع ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة , بسبب افتقادهم لثقة المواطنين في شخوصهم وتوجهاتهم وقراراتهم , يضاف الى ذلك كذلك , انه يجب ان تتحلى تلك القيادات بأدوات قادرة على بث روح الأمل والعزيمة والثقة في نفوس المواطنين ( ولكن أيضاً لا يجب أن نعطي وعوداً في الهواء , حتى يكون قادراً على امتصاص فائض عدم الثقة، وعلى إطلاق سراح المواطنين من أسر الهواجس الى البحث والعمل من أجل تحقيق أحلامهم وآمالهم .) انظر لنا في هذا السياق مقال بناء القيادات وضرورات المرحلة الوطنية الراهنة.
(4) أهمية توزيع حمل مسؤولية القرارات الوطنية, وتحديدا تلك التي تلامس معيشة المواطنين وحياتهم اليومية ودخل الفرد باتجاه الخارج الرسمي , والذي نقصد به مركزية القرارات في مطابخ الأجهزة التنفيذية للدول , – وبمعنى آخر- ضرورة أن تتخلص الحكومات من ثقل ونتائج مسؤولية القرارات التي يمكن ان تؤثر على ثقة المواطنين بها او تدفع بها للصدام معهم او لمواجهة المزيد من ضغوطات الشارع العام عليها ,يضاف الى ذلك ضرورة اخذ الحيطة والحذر عند إصدار القرارات التي تلامس معيشة المواطنين وحياتهم اليومية , فالقرارات أشبه بالقنابل الموقوتة التي يمكن ان تنفجر في أي وقت في وجه من أطلقها , وتتسبب بدورها بانفجار الشارع بالسخط والامتعاض كما يجب تفحص ذلك القرار ودراسة آثاره وانعكاساته السلبية من مختلف النواحي بشكل جيد قبل وصوله للشارع او المتلقي , كما لابد من تفحص المعلومات والتقارير والإحصائيات والأرقام الواردة في تلك الخطابات والتصريحات الإعلامية والصحفية ومدى مصداقيتها ودقتها وصحتها قبل نشرها أو الإعلان عنها , وخصوصا الأرقام والمعلومات والبيانات التي تلامس حياة الناس والمجتمع بشكل مباشر, فكما يعلم الجميع ان المتلقي اليوم يختلف كثيرا عن المتلقي في الأمس , كما ان الجيل الراهن يفرق كثيرا عن الجيل السابق .
(5) شفافية الخطط والقرارات والتوجهات الحكومية, وأهمية التواصل بين المسؤول والمواطن :- فمن ابرز معايير الرضا الاجتماعي وتوطيد أركان الثقة في مؤسسات الدولة وكذلك إبقاء تلك المؤسسات في دائرة المشاركة الاجتماعية وهذه الأخيرة من ضرورات العمل الديموقراطي شفافية الخطط الحكومية , والذي يجب ان يبرز مصداقيته وشفافيته إعلاميا مع بداية كل سنة , وذلك من خلال الإعلان عن توجهات ومخططات كل ( وزارة خدمية ) بوجه خاص وطرحها إعلاميا للرأي العام , حيث يضع ذلك المجتمع كشريك وداعم للأجهزة الرقابية للدولة – كجهاز الرقابة ومجلس عمان وغيرها من الأجهزة والمؤسسات ذات الصلة – على مخططاتها وتوجهاتها , وهو ما نطلق عليه بمصطلح الرقابة المجتمعية او الجماهيرية , ما يمنح كذلك تلك المؤسسات العامة ثقة المجتمع ودعمه , ويعد معيار لإمكانية تمديد الفترة الزمنية للقائد السياسي وللمسئول من عدمه في الأجهزة التنفيذية والتخطيطية والرقابية في الدولة . فإن ( واحدة من أهم القضايا التي سببت عدم الثقة هو انقطاع الصلة والحوار بين القوى السياسية والاجتماعية، فصار الجميع يعيش فيما يشبه الغيتوهات ما يفتح مجالاً أكبر للشك والريبة وسوء الظن والتفسيرات غير المنطقية….. فالانغلاق على الذات يحجب الحقيقة، ويضخّم المخاوف، ويعزّز الصورة النمطية عن الآخر، ولا علاج لهذا إلا بالانفتاح الاجتماعي والسياسي )
(6) العمل على استمرارية التوجهات الوطنية القائمة على مبدأ الفصل بين السلطات, وخصوصا السلطة القضائية التي يجب ان تمنح استقلالية ودور وطني أوسع في قضايا الرقابة والمحاسبة , باعتبارها وجه العدالة في أي مجتمع وأمة وطنية , والملاذ الأمن للمواطنين , والحامي المدافع عن حقوق الأفراد في مواجهة السلطة التنفيذية .
(7) تعزيز دور الإعلام في بناء الثقة السياسية الوطنية والوحدة الوطنية, فللإعلام الوطني دور مهم وبالغ الخطورة في هذا الجانب , حيث تكمن تلك الأهمية والخطورة في أن الإعلام يمكن ان يكون ورقة رابحة في تعزيز ثقة الجماهير بالنظام السياسي والحكومة أو في تحوله الى عامل سلبي في ذلك الاتجاه , وبمعنى آخر , أن يكون خلفه مشروع وطني وقومي للبلاد كي يكون مؤثراً، وحتى يستطيع هذا الإعلام مخاطبة المجتمع , كما بات من الضرورة استحداث مؤسسة إعلامية سياسية يكون لها الصفة الرسمية “الحصرية ” والصلاحيات المطلقة في مخاطبة الجمهور وخصوصا في قضايا الرأي العام في مختلف جوانب وقضايا الحياة الوطنية السياسية منها او الاقتصادية او الاجتماعية او غير ذلك . ولمزيد من التوضيح نرجو الاطلاع على مقال الخطاب الإعلامي الرسمي وإشكالية الرسائل الموجهة للرأي العام الوطني.
* حفظ الله عمان الأرض والشعب والقيادة من كل الفتن , ما ظهر منها وما بطن , وجمع أبناءها على حبها ووحدة صفها والتوحد خلف قيادتها …
اللهم أمين

إلى الأعلى