الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / كأن لا ذاكرة لما حصل

كأن لا ذاكرة لما حصل

**
لا يمكن أن أسامحها على الخطأ الفظيع الذي ارتكبته ، وعلى الفعل الشائن الذي اقترفته ، رأيتها بعيني ، ولا استطيع ان اتجاهل وكأني لم أر ، وأمضي وكأن شيئا لم يكن .
ولكنها لا زالت معي في البيت تحاول ان تتودد اليّ وتتقرب اليّ شيئا فشيئا ، وكأن لا ذاكرة لديها لما حصل . وكأن شيئا لم يكن .
ولكن الود الذي بيننا من جانبي تلاشى والحب الذي في قلبي لها اختفى .
كيف للمحبة ان تختفي من اعماق القلب لفعل خارجي حدث ؟ وينقطع الحب وتنتهي المودة ، وتحل الكراهيه والبغضاء والنفور، فيتزعزع الثبات ويُجتث الرسوخ من جذوره .
ما حدث لا يمكن تجاوزه والتغاضي عنه ، فقد حلت غمامة سوداء على القلب وانقباض حاد استولى على النفس جراء ما حدث . وافكر مليا ان اطردها من البيت فلا تعود اليه مطلقا ، فلتذهب حيثما تشاء كما تشاء ، فلا شأن لي بها بعد أن اتخلى عنها .
ولكن ألمحها تنظر اليّ بنظرات مستغربة حائرة متسائلة عن أسباب تغير المعاملة، من البشاشة إلى الوجوم ومن اللطافة إلى الفظاظة ومن الاهتمام إلى الإهمال …
هي قطة مدللة تستلقي حولنا في المجلس ، تموء فنحضر لها الطعام ، تقترب من الباب فنفتحه لها للخروج ، وافتقدها اذا غابت ولكنها ما تلبث ان تعود ، يحبها كل من في البيت ، وعندما نخرج الى حديقة المنزل تتبعنا وتجلس في ركن بانتظار عودتنا الى المنزل .
لا أحد يخافها أو يخشى الاقتراب منها فهي قطتنا الهادئة الوديعة ، على عكس الثعبان الذي لدينا من نوع (البيثون) فكل من يأتي الى المنزل يخاف منه لهيبته وسطوته على الرغم من انه مغلق عليه في قفص .
والابناء مصرون على ابقائه معهم يتفاخرون امام اصدقائهم بأن لديهم ثعبانا ، ويقضي هذا الثعبان معظم وقته في النوم والحركة القليلة ، غارقا في وحدته السامية حتى اننا لا نشعر بوجوده .
في كل شهر يتم إطعامه وجبة واحدة من الفأر الحي من فصيلة ( الهامستر) لينقض عليه ملتويا ، ملتهما.
في هذه المرة امتد عدم إطعامه شهرين كاملين لان الابناء نسوا ان يطعموه في وقته ، ولا بد انه اصبح يتضور جوعا. ، فتذكرنا …
وأحضرنا له وجبة فأرية حيه طازجة شهية ، ولكن الثعبان لم يهجم على الفأرة لالتهامها ليسد جوعه ، بل بقى بعيدا عنها ينظر اليها ، ومرت عدة ايام والثعبان ممتنع عن أكل الفأرة .
ماذا حدث ؟! في اليوم الرابع نظرنا في القفص ووجدنا بأن الفأرة انجبت سبعة مواليد صغار للتو احتضنتهم بعنايه وحنان تحتها .
يا سبحان الله ، كيف عرف الثعبان بأن الفأرة حامل وعلى وشك الولاده فامتنع عن أكلها، على الرغم من تضوره من الجوع .
اتينا بقفص جديد ونقلنا اليه الفأرة وابناءها ، وابقينا الثعبان في مكانه ، وجلبنا له طعاما آخر ما لبث ان التوى عليه والتهمه .
بعد ايام لا ادري كيف انسلت الفأرة الام من احدى فتحات قفصها لتتجول في المكان دون انتباهنا . ولاحظت القطة تتحرك متحفزة وكأنها تبحث عن شيء ، ورأيتها بعد حين تعدو وفي فمها الفأرة وقد ضغطت عليها بأنيابها بقسوة ، فصرخت عليها ، فألقتها من فمها ولكن بعد فوات الاوان فقد سقطت الفأرة مفارقه الحياة.
وأعود إلى قفص الفأرة وارى صغارها السبعة الذين اصبحوا بلا أم . فى اليوم التالي مات منهم خمسة وبعدها مات السادس وتبعه السابع . قبلها حاولنا اطعامهم حليب لتغذيتهم وتغطيتهم بقماش لتدفئتهم ، ولكن ايام حياتهم الاولى لا يستغنون عن امهم من حيث الطعام والدفء والحنان ففارقوا الحياة بدون نصيب من الحياة .
لا يمكن أن اسامحها على الخطأ الفظيع الذي ارتكبته ، وعلى الفعل الشائن الذي اقترفته .
ولكنها لاتزال تنظر الي نظرات مستغربة حائرة متسائلة وكأن لا ذاكرة لها لما حصل ، وكأن شيئا لم يكن .

نمير بن سالم آل سعيد

إلى الأعلى