الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / بداية سطر

بداية سطر

فجوة سلوكية بين الماضي والحاضر
ثمة مشهداً بقي عالقا في ذاكرتي، لا أملّ التحدث عنه بين أسرتي والتفكر فيه، ولا أملّ من سرده لأبنائي الصغار في محاولة يائسة لبعث مشهد ذو هيبة ووقار، من الصعوبة بمكان أن يتكرر في بقعة ما، هو مشهداً فريدا في زمن أخر، بل والله إنه يشعرني بالحنين حين أتذكره، جوهر هذا المشهد بكل اختصار هو المقارنة بين ماضي أباءنا التليد وحاضر أبناءنا الحديث.

فجوة غير اعتيادية حدثت فيما بين اليوم والأمس؟ أو ما بين ماضي أباءنا وحاضر أبناءنا اليوم، فليس المهم هو التطوير والتمدن ، كما أنه ليس المهم هو الغنى وتكدس الأموال فحسب، بل أمر أخر لا نكترث به اليوم، فقدناه فكسبنا قيما أخرى جلنا يدركها في الابناء، تتمثل هذه الفجوة فيما يطلق عليه بالقطيعة التي بانت في جميع سلوكياتنا الحياتية التي يعيشها الفرد، عندما ندرك الفجوة الحاصلة فيما بين اليوم والأمس نشعر بنوع من الانقباض، بل من عاش في جيل تحلى بحميد الأخلاق، ونزع من قلبه سيئ الصفات، ذاك من يحس بأنه عاش دهرين مختلفين واقعا، فكانت الناس تعمل في أعمال تمنحها اكتفاء ذاتي في مشربها ومأكلها فمن يعمل في الزراعة ويجتهد في عمله تتكلل مساعيه بغذاء صحي سليم بعيدا عن مهاترات اليوم حين تسمح لبعضنا أخلاقه ومبادئه أن يكسب قوت يومه على حساب صحة الاخرين فينضجُ الخيار بمواد كيميائية ليكثر الانتاج منه كما ينضج البطيخ ليسرع في حصاده، على حساب صحة البشرية، هذا هو الواقع الذي لا ينكره أحد رغم صمتنا عن مثل هذه السلوكيات منزوعة القيم مسلوبة المبادئ؛ بحجة الكسب السريع والاقتصاد الوفير وهلم جرا… في المنتوجات وغيرها من المصنوعات اليومية التي تشتق من مأكولات يعلمها الله لو عرف واقعها لما تقبلتها النفس البشرية، نقول عشنا دهرين مختلفين تماما حين كان أبي وأباك قبيل بداية (القيض) وظهور الرطب يؤمّرانا أن نذهب لـ (نخرف) ونقطف تلك الرطيبات الحمراء جميعها في (قفة) واحدة فنذهب إلى حارتنا الصغيرة التي لا يتجاوز عدد أفرادها مائتا فرد فنطوف بيوتها (نبشر) سكانها فنوزع لهم الرطب بيتا تلو الأخر فرحين متهللين متبشرين يدعون الله لنا بالزيادة والشكر الوفير كما يوثق ذلك علاقاتنا الاجتماعية فيفرز الاحترام والتقدير فيما بين أفراد المجتمع حين تصبح تلك السلوكيات مدرسة ينشأ عليها الصغار فيتعودون ويكبرون على قيمة الحب والتعاون فيما بينهم وليس منتج الرطب فحسب بل نعمم ذلك على منتجات الزيتون والفافاي والنارنج وغيرها. عندئذ يحق لنا أن نصف الفرق بين ماضي أبائنا وبين حاضر أبنائنا وحاضرنا اليوم حين بتنا نتنافس على بيع حبات الرطب الى الشيوخ ورجال الأعمال بعشرات الريالات ونتنافس من يبيع أكثر..؟ ومن يبيع لمن؟ كل ذلك حاصل في مجتمع اليوم فطلقنا كثيرا من القيم لحصد الريالات وتناسينا أن أجر توزيع تلك الرطيبات أفضل بكثير من بيعها الذي لا يحصد منه أبناء اليوم ولا يجنون سوى حب المال وطلاق التعاون والتفكك الاسري الحاصل بيننا. عندئذ نقول بأننا حرمنا كبار السن من التبشر وتذوق الرطيبات ففضلنا حصد المال على حساب الترابط الوثيق فيما بيننا ذلك هو الواقع عندما نتقن قراءة خبر بيع رطيبات بمئات الريالات فنفاخر به وهو ليس من المبدأ في شيء.
ألا يحقّ لنا القول أنّ ماضينا مختلف تماما عن حاضرنا حينما طلقنا العمل الزراعي ولم نعد نهتمّ به كما كان يفعل أباءنا وأجدادنا الذين ما فارقوه لحظة من لحظات حياتهم فأعطوه كل الحبّ والعطف والاهتمام ورعوه خير رعاية ليقابلهم بالبشارة والخصب والقيض المتخم بالغلة المبشرة بخير وفير، صنعوا أمجادا وتاريخا عريقا تتحدث عنه أمهات الكتب التاريخية في زرع النخيل وحصد التمور التي تشق عباب البحار لتصل الى العوالم الأخرى عبر سفن التجارة العمانية أنذاك، وحاضرنا يقول وأسفاه على ماض غيبناه، ومجد همشناه، وهجرناه حتى نسينا كثيرا منه ولم نبالي اليوم تاركين ذلك لكبار السن فحسب..؟!!
من نتّهم في هذا التقصير السافر في حق مبادئ تربينا عليها، وقيم نشأنا في كنفها لنفتح أعيننا اليوم إلى مبادئ أخرى تبدل حالها، وتلون طبعها، فهل لا زال بيننا من يعترف فيقول: مشكلتنا أننا أهملنا ما زرع الأجداد والآباء، ومن أراد التثبت من صحة قولنا فعليه أن يقارن فيما بين ماضي أباءنا وحاضر أبناءنا لتنكشف له حقيقة الفقدان المبين في سلوكياتنا وقيمنا ومبادئنا.

د.خلفان بن محمد المبسلي
dr.khalfanm@gmail.com

إلى الأعلى