الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / سد الموصل

سد الموصل

كاظم الموسوي

« تتناقض الأخبار على موضوع السد والانهيار والحاجة إلى الحذر والاستعداد للكارثة، قبل وقوعها. فالدوائر الأميركية، في واشنطن أو في بغداد تدعو رسميا للتحرك من أجل الحيلولة دون انهيار السد، والحكومة العراقية والخبراء يقللون من قيمة هذه الدعوة ويفسرونها بالضغوط ويشككون بمصداقية الأخبار، ولكنهم يعلنون خطة للطوارئ.»

بُني السد على نهر دجلة شمال غرب المدينة التي يحمل اسمها الآن، الموصل الحدباء، لينعم وينشر الخير الى سكان المحافظة وكل العراق، وفجأة وفي ظل ظروف معقدة، تحول الى نقمة وعذاب وكابوس وإنذار. كيف تم ذلك؟ ولماذا حصل هذا الخطر منه؟. في المعلومات التقنية يصل ارتفاع السد إلى 113 مترا، ويبلغ طوله نحو 3.4 كم، ويحتجز خلفه بحيرة شاسعة وخزانا ضخما يضم نحو 12 مليار متر مكعب من المياه. وأنشأت سد الموصل شركة ألمانية إيطالية مشتركة، وقدرت الشركة عمر السد بنحو 80 عاما، وتم تدشينه في عام 1986، وبلغت كلفة إنشائه أكثر من مليار دولار.
وتزيد المعلومات.. في حالة انهيار السد فإن 207632 مترا مكعبا من المياه سيتدفق بسرعة 3.5 كلم في الثانية وبارتفاع 25.3 متر في الساعات التسعة الأولى من الكارثة، معرضا أكثر من نصف مدينة الموصل إلى الغرق بمياه يصل ارتفاعها إلى 20 مترا، هذا حسب دراسة أعدها مركز بحوث السدود والموارد المائية في جامعة الموصل، عام 2009. وتؤكد الدراسة أن الكارثة البشرية والاقتصادية لا تشمل الموصل فقط، فالأرقام تشير إلى أن حصيلة الكارثة ستؤدى إلى مقتل وتشريد أكثر من مليوني عراقي، فضلا عن اكتساح مياه السيول مسافة 500 كم على امتداد مجرى نهر دجلة، كل ما تواجهه على الأرض. وتغمر المياه أجزاء كبيرة من العاصمة بغداد تصل إلى ارتفاع 4 أمتار. فهل هذه الأرقام سليمة وحقيقية أم مبالغات ولأسباب اخرى؟!.
تتناقض الأخبار على موضوع السد والانهيار والحاجة الى الحذر والاستعداد للكارثة، قبل وقوعها. فالدوائر الاميركية، في واشنطن او في بغداد تدعو رسميا للتحرك من أجل الحيلولة دون انهيار السد، والحكومة العراقية والخبراء يقللون من قيمة هذه الدعوة ويفسرونها بالضغوط ويشككون بمصداقية الأخبار، ولكنهم يعلنون خطة للطوارئ.
وقعت الحكومة عقدا بقيمة 296 مليون دولار مع مجموعة تريفي الايطالية لتدعيم سد الموصل، وهو رد عملي وخبر معلن عن السد ووضعه. كما أعلن هذا مع العمل المستمر على ايجاد حلول كافية لمواجهة خطر الانهيار المتعدد الأوجه والواسع الضرر. بينما ذكرت وثيقة أميركية في أواخر فبراير أن عددا يتراوح بين 500 ألف و1.47 مليون عراقي يعيشون في المناطق الأكثر عرضة للخطر على امتداد نهر دجلة لن يبقوا على قيد الحياة على الأرجح من جراء الفيضان ما لم يتم إجلاؤهم. وسجلت الوثيقة أن الطوفان سيجرف لمئات الأميال قذائف حربية لم تنفجر وكيماويات وجثثا ومباني. وهو ما أشير له في دراسات وتحذيرات سابقة.
من جهتها أشارت الحكومة العراقية، في 10/1/2016، إلى أن السد يعاني منذ تشغيله من مشكلة في الأسس بسبب احتوائها على طبقات ملحية قابلة للذوبان في الماء، فيما بينت أنها تتعامل مع كل التحذيرات الدولية بـ»جدية» للحفاظ على سلامة المواطنين، مع استمرارها باتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة لإصلاح السد. وهذا يختلف عما يصدر أحيانا منها.
بين هذه التصريحات والأخبار هناك ثمة ما يقلق حقا، ولكن الأمور تكشف وكأنها تنافس بين الحكومتين الأميركية والعراقية على البروز أو الظهور كجهتين حريصتين، كل من جهتها، اكثر على الشعب دون ان تتحرك فعلا الى ذلك. رغم ان الاتفاق مع الشركة المصنعة واستغلال الوضع لقضايا اخرى، من بينها ارسال قوات عسكرية ايطالية او غيرها يؤشر الى خطوات اخرى، لكن تبقى الأهمية فيها الحفاظ على السد وإنقاذ السكان من انهياره. ويشار في هذا المجال الى أن واشنطن قد تتخذ من هذا الملف نقطة ضغط سياسية على بغداد، في وقت يلف الغموض ما يجري من تضارب في المعلومات عن حقيقة وضع السد، ويفسح المجال أمام شائعات شاركت فيها وسائل إعلام محلية أو تصريحات غير مسؤولة.
وقد تعطلت مساعي إصلاح السد بسبب الفوضى التي تسود الوضع الأمني في العراق والانقسامات السياسية في بغداد بالإضافة إلى عدم تحقق إنذارات سابقة على مدى سنوات. كما تجددت المخاوف التي تملكت واشنطن من أن تفجر القوات العراقية السد أثناء الغزو الذي قادته في العراق في عام 2003 وعادت للظهور في 2014 عندما سيطر تنظيم «داعش» لفترة وجيزة على السد قبل أن يبتعد تحت وطأة غارات التحالف الجوية. رغم أن بعض المسؤولين العراقيين علق على أن الولايات المتحدة تبالغ في تقدير خطر السد لتحويل اللوم عنها في حالة انهياره وإلقائه على عاتق تنظيم داعش بعدما أخفقت في إيجاد حل دائم خلال سنوات احتلال قواتها للعراق. وخفف مدير سد الموصل رياض النعيمي من المبالغات، وكرّر رفضه لأي تقرير يشير إلى انهيار قريب في السد. وقال في حديث لـجريدة الأخبار اللبنانية إن «وضع سد الموصل آمن ولا يوجد ما يثير القلق في الوقت الحاضر، وهذا ما أكدته أجهزة متخصصة في فحص السدود». وأضاف إن «أجهزة تحسّس وضعتها وزارة الموارد المائية اتضح من خلالها بأنه لا يوجد أي خطر». وعبر عن رأيه في خطة الطوارئ، التي أعلنتها الحكومة، بأن «إعلان خطة طوارئ أمر طبيعي، ولا يعني أن السد سينهار، لكنها تمثل احترازات ضرورية وهي لتلافي أي حدث مفاجئ».
في حين دعا بيان صادر عن المكتب الإعلامي لمجلس الوزراء العراقي سكان المناطق المحاذية لنهر دجلة، وعلى وجه الخصوص في الموصل وصلاح الدين وبغداد، إلى الانتقال نحو المناطق المرتفعة والابتعاد ستة كيلومترات عن المناطق المحاذية للنهر. وبحسب البيان، فقد أوضحت الحكومة أنها «ستتخذ الإجراءات اللازمة، بموجب المسؤوليات المحدّدة لتأمين عدّة جوانب أبرزها الإبلاغ المبكر ولاسيما في الموصل والمناطق التي تليها تباعا». وأشار البيان إلى «تهيئة مستلزمات ومتطلبات إسكان النازحين، وتأمين الجوانب الإنسانية وتسخير وسائل الإعلام والاتصالات للتوعية والتوجيه».
الملفت للانتباه أن قضية سد الموصل لم تأخذ مداها الواقعي، وكل ما صرح به كان لأسباب أخرى لا تمت إلى وضع أو خطر ولا تقدم مصداقية لها في الحرص والنزاهة والشفافية واحترام المواطنين فعلا. وهو ما يكشف أوضاع العراق عامة.

إلى الأعلى