الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “يورو إسلام”

“يورو إسلام”

أ.د. محمد الدعمي

”هو يطل عليك عبر سحنات الملايين ممن يجوبون أسواق تلك الحواضر ويحضرون صفوف المدارس والجامعات، ويترددون على الجوامع ويتسامرون في المقاهي، ويستذكرون دين أجدادهم وآبائهم بشغف، كما يفعل المسلمون السود اليوم في أميركا الشمالية حيث راح “الإسلام الأسود” Black Islam، كما يسمونه في الثقافة الشائعة…”
ــــــــــــــ
أزعم في هذه المقالة ظهور ما أطلق عليه لفظ الـ”يورو إسلام”، وأقصد به ذلك الإسلام الذي يعتنقه ملايين المسلمين من الذين هجروا أوطانهم الإسلامية الأصل إبان أو بعد حركة الاستعمار الحديث للاستقرار في كوزموبوليتانات الإمبراطوريات الأوروبية كلندن وباريس، روما وبرلين، من بين سواها من حواضر أوروبا. وهو عنوان كتابي الجديد EuroIslam الذي باشرت تأليفه قبل بضعة ايام.
لم يعد هؤلاء المسلمون مجرد مجاميع من الأقليات المنكبة على الأعمال الصعبة والخدمية الدونية التي بدأ بالكدح بها أجدادهم أو آباؤهم، فقد حقق البعض منهم طفرات اجتماعية وثقافية قادت، ليس فقط إلى اندماجهم بالآنية الثقافية والاجتماعية الأوروبية حسب، بل إلى محاولتهم ترك آثار وجودهم على أوروبا وثقافتها والحياة بداخلها، بدليل الخوف الهاجسي الآري عبر تلك القارة الصغيرة نسبيًّا، من استحالة شبان المسلمين والمسلمات لديهم إلى عناصر إرهابية تعتنق إسلاماً يختلف بالكامل عن الإسلام المقتصر على أداء الفروض الذي جاء به أجدادهم وآباؤهم من بعدهم.
إن الـ”يوروإسلام” يشكل معضلة عويصة وربما عصية على الحل بالنسبة للإدارات الحكومية في دول أوروبا، بل وبالنسبة للعقل الأوروبي عامة. فها قد جاءت ساعة دفع أوروبا الكولونيالية فواتير احتلالها لأقاليم شاسعة من العالم الإسلامي واستغلالها لأجيال متتالية من المسلمين في حقبة التراجع والنكوص التي تجايلت وتلت عصر التدهور بعد سقوط الخلافة العربية، ببغداد، أولاً؛ والتركية بالأستانة، ثانياً.
وإذا كان الاستغلال الكولونيالي الأوروبي قد استقطب الآلاف من المسلمين طوال تلك المرحلة الاستعمارية على سبيل توظيفهم أيادي رخيصة للكدح، فإن معضلة التوالد والتكاثر غير القابلة للتحديد بين المسلمين هناك، تضع أوروبا اليوم أمام اختبار قد لا يدرك الكثيرون من قرائنا العرب مديات الخوف الذي ينتاب الحكومات الأوروبية بسببها، خاصة بعد أن تأكد انضمام أعداد كبيرة من أبناء وأحفاد المهاجرين المسلمين للجماعات الإرهابية الفاعلة اليوم في سوريا وربما في العراق وباكستان وأفغانستان وسواها من البلدان الإسلامية المأزومة على صفيح ساخن.
لقد بقيت أوروبا، كما أرى ذلك بوضوح اللحظة، تحاول إغماض أعينها عن حقيقة وأبعاد الـ” يوروإسلام ” لعشرات السنين، تخللتها إعلانات رفضها القاطع أو المناور لدخول تركيا عضوة في الأسرة الأوروبية، بيد أن التعامي لم يعد يخدم غرضاً عمليًّا كما يعتقد رجال الدولة في الاتحاد الأوروبي.
في باريس ولندن وبرلين وبروكسل وكوبنهاجن، من بين سواها من الحواضر يطل الإسلام على أوروبا، التي حاولت أوروبا مقاومته ولجمه ثم رده على جبال البارانيز في معركة “موقعة البلاط “، كي لا يعبر المد الإسلامي إلى فرنسا من إسبانيا والبرتغال. هو يطل عليك عبر سحنات الملايين ممن يجوبون أسواق تلك الحواضر ويحضرون صفوف المدارس والجامعات، ويترددون على الجوامع ويتسامرون في المقاهي، ويستذكرون دين أجدادهم وآبائهم بشغف، كما يفعل المسلمون السود اليوم في أميركا الشمالية حيث راح “الإسلام الأسود” Black Islam، كما يسمونه في الثقافة الشائعة في الولايات المتحدة يتتبع جذوره الدينية الأصل إلى القبائل الإفريقية التي جلب العبيد منها لاستخدامهم في حقول الزراعة الواسعة عندما كانت أميركا لم تزل أرضاً بكراً، بلا أيد عاملة.
ليس هناك أية مبالغة من أن الـ” يوروإسلام” يمثل اللحظة بالنسبة لأوروبا عبئاً ثقيلاً، بل إن الحكومات الأوروبية يمكن أن تعتبره “قنبلة موقوتة”، على الرغم من علمانيتها ومما تضمنه من حريات أديان ومعتقدات، ذلك أن بواعث الخوف تأتي من إمكانية غزو الإسلام أوروبا من دواخلها، بدليل التكهرب من الحجاب ومن المدارس الإسلامية ومن الجهر بالآذان ومن إطالة اللحى ومما سواها من الظواهر.
علينا، مؤرخين للأفكار، أن نلاحظ جميع هذه الظواهر التي تطفو على سطح الإعلام ونرصدها تعابيراً عن خوف هاجسي، خوف بدأ من رفض طلب تركيا للانضمام إلى أوروبا، ولم ينته حتى التأكد من وجود أعداد لا بأس بها من البريطانيين والفرنسيين وسواهم من الأوروبيين الذين ينتمون للمجاميع الإرهابية والعاملين، هنا وهناك عبر العالم الإسلامي.

إلى الأعلى