الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / الممارسة الأمنية الواعية

الممارسة الأمنية الواعية

**
لم تعد الممارسة الأمنية مقصودة لذاتها ، بل صارت تعبير عن وعي المجتمع ورقي أفراده في تعاملهم مع متطلباتهم اليومية وفهمهم لأدوارهم ومسؤولياتهم، وقدرتهم على رسم خريطة مجتمعهم وهويته في عالم مفتوحة فضاءاته، متراكمة تحدياته، سريعة تغيراته، فهي قيمة مضافة في حياة الفرد الخاصة والعامة تستهدف رفع درجات الجاهزية والأمان لدى الفرد والطمأنينة والاستقرار في المجتمع، وتأكيد توافق ممارسات الفرد مع طبيعة الغايات والاهداف العليا، وترقية جانب الرغبات والطموحات والاتجاهات في سبيل تأصيل ثقافة الاعتدال والتوازن والمهنية في حياته. إن البحث في رصد الممارسات الأمنية وتعميق الوعي بها تأسيس لمنحى هندسة إدارة السلوك المعاصر الذي تحتاجه إنسانية الإنسان في عالم يبدو أن يعيش إشكاليات التصالح مع الذات وفهم الآخر، لتسمو به فوق مطبات الاحباط والتشاؤم والتنافر والتشاحن والقتل والتشريد، ونقل الفرد إلى مسارات الوعي والحكمة والالتزام في ظل تحويل الأمن إلى ممارسة واعية في واقع الحياة، وهو ما يعني أن ارتباط الأمن بالحياة والسلوك ارتباط عضويا لا يمكن أن يستقيم حال الحياة إلا به، على أن تعميق وعي الفرد بمفهوم الممارسة الأمنية في شموليتها واتساعها واستدامتها، ينقلها من مجرد سلوك وقتي يمارس على خوف من مراقبة مؤسسات الأمن والقانون، إلى كونها سلوك مستدام يمارس بعفوية وبمنهجية راقية وشعور بقيمته في كل الاوقات باختيار ورغبة، وهو أمر يصنع من الممارسة الأمنية مسؤولية فردية ومجتمعية على حد سواء، لبناء مجتمع واع قادر على تقدير ذاته يمتلك أدوات بناء مستقبله ، وإعادة صياغة ممارساته ومراجعة عاداته في ظل مستجدات الدور الذي يقوم به في دولة المؤسسات والقانون، وتصبح الممارسة الأمنية الواعية بذلك، إطار للتكامل وتعميق المسؤولية حولها ، لتضيف لحياة الأفراد لمسات الهدوء والطمأنينة في مواجهة السرعات الجنونية في الطريق ، والحكمة والذوق في استخدام المركبة والتعامل مع أدواتها، واحترام الممتلكات العامة والتعامل معها برفق في مواجهة بعض الممارسات الناتجة عن التعامل السلبي مع المواقع السياحية والتراثية والعامة ، والتثبت والرجوع إلى المعلومات من مصادرها الرسمية والتأكد من مصداقية الأخبار قبل نشرها أو اعادة ارسالها، في مواجهة الشائعات والممارسات الخاطئة المرتبطة بها عبر الواتس أب أو شبكات التواصل الاجتماعي، وتعميق منطق الحوار الرشيد وأسلوب الخطاب الراقي في التعامل مع المؤسسات والمسؤولين وفي طرح القضايا المجتمعية المختلفة بعيدا عن التجريح أو التشهير السلبي أو الاحكام المسبقة، والعلم بالقانون والتشريعات النافذة والاجراءات المتخذة في التعامل مع أي ممارسات تتنافى مع الاخلاقيات والضمائر الحية كحالات الاختلاس أو الغش وغيرها، والمحافظة على الحياة البرية والطيور والمحميات في مواجهة حالات الصيد الجائر والتعدي على المحميات الطبيعية، والجد والاجتهاد والمثابرة في مواجهة حالات الغش الدراسي والحصول السهل على النتائج، والالتزام المهني والاخلاص الوظيفي في مواجهة حالات التسيب وتضييع وقت العمل وضعف ضمير المسؤولية والالتزام الأخلاقي وما يرتبط بها من ممارسات تتنافى مع قيم المسؤولية والأمانة، والحرص على الأمانة العلمية والموضوعية والشفافية في الكتابة وتحليل الواقع في مواجهة الكتابات المسيئة عبر شبكات التواصل الاجتماعي وغيرها، وفضيلة الانتظار والتأمل مقابل حالات التسرع في إصدار الأحكام دون انتظار نتائج الدراسات، والاجراءات التي اتخذتها مؤسسات الدولة في التعامل مع القضايا المتداولة والمعالجات المالية والإدارية في مواجهةتحجيم هذه الجهود والتقليل من أهميتها وزعزعة ثقافة المواطن في جهود الحكومة، وابرازها في صورة سلبية قاتمة.وتأكيد منهج الايجابية والتفاؤل والقراءة الواعية للأحداث في مواجهة الثقافة السلبية التي تعكس ضعف الاستقرار الفكري لدى البعض والنظرة الضيقة في التعاطي مع معطيات الواقع . على أن ما اتخذته الدولة من تشريعات وضوابط رادعة وعقوبات لكل من تعدى حق النفس والعقل والبدن والمال ، إنما تستهدف تعزيز مستوى الضبط الذاتي والالتزام الشخصي وبناء مساحات أوسع لاستنطاق القيم في ذات الفرد، وتهذيب النفس في ارتقائها عن أي ممارسات تتنافى مع منظومة الأمن والأمان الفكري والعقلي والنفسي والأخلاقي والاجتماعي، ومع أن البعض يستصغر هذه الممارسات ويتمادى في التعامل معها، إلا أنها باتتظواهرينبغي أن تجد الأدوات والوسائل المناسبة لنشر الوعي بها، وتأكيد المحددات العليا التي تعلي من قيمة الانسان وتبني له أفاق رحبة للتغيير في السلوك ومراجعة عاداته وممارساته، في إطار ضبطها بضوابط الشرع والقانون، وتوجيهها وفق مسارات الذوق والحكمة والمسؤولية لتكون عونا للفرد وداعما له، وعندما تجتمع عناصر الأمن وأسبابه في ذات الفرد وتلتقي مع تفكيره وقناعاته ومشاعره، فإنها تقوي لديه ضمير المسؤولية، وتؤصل فيه قيمة الحياة الآمنة ، التي تقيهمزالق الخلل ومساوئ الزللومفسدة الانحراف.

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى