السبت 29 يوليو 2017 م - ٥ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / كلٌ منا مطالب بوقفة شجاعة وصادقة مع الذات

كلٌ منا مطالب بوقفة شجاعة وصادقة مع الذات

علي عقلة عرسان

”لقد سال دمنا في كل شبر من أرض الوطن، ومنذ خمس سنوات ونيِّفٍ وهو يسيل، ولقد وقع العبء على مناطق أكثر من مناطق، ودفع المشردون ثمناً لم يدفعه المستقرون في بيت من بيوت الوطن، ودُمِّر من البلد ما لا يُحصى عدداً، ولا يقدَّر تكاليف.. وأسوأ ما وصلنا إليه “أن تجذَّرت الفتنة، وأُعليت لها رايات، وأصبح الاقتتال مذهبيًّا في كثير من الحالات..”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نصرخ من ألم في كل ساحة من ساحات بلدنا، سوريا، والدم ينادي الدم فينا وفيها، ومهما اقتتلنا، “قَتَلْنا وقُتِلنا”، فنحن الجرح والسكين، ونحن وحدنا الخُسران والخاسرون. لا يوجد منتصر في حرب على الوطن والشعب والقيم والهوية، الكل مهزوم، والكل خاسر.. ولا انتصار، بأي حال وبأي شكل، وبأي طعم، وأي لون، حتى لو أباد فريق منا فريقاً آخر هو منا، في نهاية المطاف .. ففي حرب يقتَل فيها أبناء البلد، ويدمر فيها الوطن، ويُهَجَّر أو يَنزح نصفُ الشعب، ويعيش كله المهانة وحياةً هي الموت، بل أفضل منها الموت .. في مثل هكذا حرب في الوطن وعلى الوطن.. لا يوجد نصرٌ ولا يوجد منتصر، والنصر الوحيد في مثل هذه الحالة وقف الحرب، ولجم الجنون والمجانين. من يَقتلنا اليوم هو عدو الشعب والأمة والقومية والدين والهوية.. حتى لو كان من لحمنا ودمنا، وهو الخاسر، وفعله الخسران، حتى لو كان واثقاً من “عدالة” ما يفعل، ومقتنعاً بأنه يرد على القتل بالقتل، ويدفع عن نفسه القتل بالقتل. وحين ندقق أكثر، ونفكر أعمق، ونستبطن ذواتنا بموضوعية ومسؤولية أخلاقية ووطنية وإنسانية، نجد أننا جميعاً مسؤولون بدرجات، وعلى خطأ في الاختيار والمسار والمآل.. وسنكتشف أن من يحرك القَتَلَة والقتال في أرضنا، وبين جموعنا، ومَن يسوِّغ ذلك ويشارك فيه، ويدفع إلى المزيد منه، هو العدو الحقيقي لنا جميعاً، مهما تلون، وتقلب، وتقرب.. وأنه إذ يمعن في قتلنا اليوم وفي إشعال النار ببلدنا وشعبنا.. لا يخسر شيئاً، بل يربح، إذ يبيع ويشتري بنا.. بدمنا وبمستقبل أجيالنا، ومستقبل وطننا، وأمتنا. إنه الأجنبي، أو يده الطُّولى في البلاد وفوق رقاب العباد، وإنه الجهل، والحقد، والعمى بأشكاله وألوانه، والعتَه، الذي يصيب البعض منا، فينقلب أظفاراً ومخالب وأنياباً سامة ضد سوريا، وما تمثله للأمتين العربية والإسلامية.. إن عدو الوطن والأمة يستخدم قدراته وأدواته، لكي يكون ولا نكون. وهو الذي يَقتلنا اليوم ويكرس مناطق نفوذ له، يتقاسمها مع أنداده بالقوة والسطوة والشراكة في استباحة سوريا والسوريين، وهو يحقق مصالح خاصة فقط، واستراتيجيات بعيدة المدى، خاصة به هي الأخرى، من دون مسؤولية سياسية، أو أخلاقية، أو إنسانية، مما يفرضه عليه، أو يُفتَرَض فيه أن يَفرض نفسه عليه، بوصفه قوة دولية تتمتع بقدرات، وطاقات، ونفوذٍ، وحقوق ليست للآخرين، منها حق النقض، الفيتو. وهو، مع شركائه، يعيد رسم خريطة بلدنا، لتكون فُتات: مناطق، وطوائف، وقوميات، وأقليات. ويوحي بامتيازات لجهات وفئات، تعود لعصر الاستعمار المباشر، الذي دحرته بلدان المنطقة، ومنها بلدنا بالدم والتضحيات الجسام.. ويقوم بوضع دستور لنا، يفرضه علينا الأقوياء، باسم “الأمم”ومجلسها الذي يتحرك حسب الطلب، ويتجمد حسب الطلب، ويحتفظ بحق إبداء القلق.؟!.. وإنه لمشروع دستور عجيب، يُصاغ من خلال التواطؤ مع الشركاء الدوليين الكبار، تحت لافتة أشخاص ينتقيهم الشركاء، وأصحاب المشروع، ممن يلوذون بهم، ولا يملكون من فقه التشريع شيئاً.. مشروع دستور:[[ يجرد سوريا من عروبتها، حيث ينفي صفة العروبة عنها، فهي "الجمهورية السورية"، ويلغي أن يكون دين رئيسها الإسلام، وأن يكون الفقة الاسلامي مصدراً رئيسيًّا للتشريع فيها، ويحذف "اسم الله" من القسم، والإشارة إلى "القومية العربية"، و"الوحدة العربية".. ويهمِّش اللغة العربية، والثقافة العربية، لتكون لكل منطقة في سوريا لغة رسمية، شريكة للعربية، وثقافة خاصة بها على حساب الثقافة العربية الجامعة تاريخياً للشعب، ويعلن "فيدرالية فعلية، تحت تسمية تلفيقية"جمعية المناطق"، التي يعطيها حقوقاً وصلاحيات دستورية، مساوية للسلطة التشريعية.. بل يجعلها شريكاً لتلك السلطة في كل اختصاصاتها.]]؟!
أيها السوريون استيقظوا على بقايا دم شعبكم، على أشلاء منكم في الطرقات، ونتف منها معلقة بقضبان حديد البيوت المهدمة، وعلى بقايا وطنكم، وبقايا سيادتكم، وبقايا البقايا مما كان يجمعكم من علاقات في بوتقة وطن .. استيقظوا لتروا الحقيقة، وتدركوا جيداً أن من يقتلنا اليوم بأيدينا، وبقواته، هو الذي كان يتوعدنا منذ عدوانه على العراق، ومن يحولنا إلى حقل تجارب، وإلى بلد بلا انتماء، ولا هوية، ولا عقيدة، ولا قوة، ولا وحدة.. حتى في حدود الاتفاقية البغيضة. اتفاقية سايكس -بيكو الاستعمارية بامتياز، تلك التي ابتلتنا “بإسرائيل العنصرية”، مصدر الشرور والأزمات في منطقتنا، وفي وطننا العربي الكبير، وفي كثير من بلدان العالم. إن الشريكين الكبيرين اللذين يرسمان سياسة العالم، ويقتسمان مناطق النفوذ، ويقسمان منطقتنا اليوم، ومنها بلدنا الحبيب سوريا، و”يرعيان؟!”ما بها وما لها وما ستكون عليه بعد أن يرين الدم البشري المُهَراق عليها… هما اللذان يضع كل منهما قسماً من سوريا والسوريين في جيبه، ويدعي أنه يريد وحدة أراضيها ووحدة شعبها، ويريد أمنها، وسيادتها، ومستقبلها، بينما يضع دم شعبها في المزاد السياسي المفتوح على مصراعيه، ويتحكم بما يجري فيها، فيأمر أو ينهى، ويرسم قرارها بصورة ما، لها من أسباب السلب والإيجاب ما لها من تأثير وتبرير، بحكم الواقع المر، والحاجة الملحة، والتدخل العسكري. لا يوجد قرار سوري خالص لمصلحة البلد والشعب، وبإرادة تامة غير محكومة بعوامل وضرورات وحقائق واستحقاقات.. إذ كل معطيات القرار ومخرجاته محكومة بظروف، ومعطيات، وحسابات، خارجة عن الإرادة السورية الخالصة، ومدخولة بإرادة هذا الطرف أو ذاك، ممن أصبحوا يسيطرون على البلد، وعلى المتحاربين فيها، ويختارون لها من يشكل هيكلها، وصورتها، وشخصيتها، ومستقبلها، ويقررون من هم أصحاب الأهلية والمسؤولية فيها..
إن توالي الأحداث المروِّعة، وفتح الصراع الطائفي على مصراعيه، والانخراط أكثر فأكثر في الدموية والثارات والعنتريات، والحلول العسكرية.. هو عمليًّا ترسيخ لحالة عداء أزمن، “خمس سنوات”، وسيزمن، بفعل عوامل كثيرة .. وذاك حال لا يلتئم معه جرح الوطن، ولا يكف معه قلب الشعب عن النزف، ولا يصلح معه من بعد حال، ولا تجتمع كلمة، لا سيما وهو يفتح أبواب التدخل الخارجي بأكثر مما هي مفتوحة، ويحيج الأطراف المعنية بالصراع الدموي إلى الأطراف الخارجية.. ولا يمكن تغيير هذا الحال، ولو جزئيًّا، إلا بتغيير ذاتي يبدأ منا، على أن يكون تغييراً جذريًّا في أعماقنا، في النفس والعقل والقلب، في السلوك والنوايا والمواقف، وبكل ما يتصل بالأفكار والأحكام والنزع، والنظرة إلى الآخر، بوصفه شريكاً في الوطن والقرار والمصير.. وكل ما هو في جوهر قوله تعالى :﴿.. إِنَّ اللَّـهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم.. ﴿١١﴾. سورة الرعد. وهذا يحتاج إلى تمهيد، وإلى بيئة حسنة، حاضنة للثقة ومولدة ومنمية لها، ويحتاج إلى فعل إيجابي على أرض الواقع.. وفي هذا المنحى، ومن أجل بلوغ شيء منه، علينا ألا يستنفر بعضنا على بعض، بعد الذي كان وصار، فحالة الاستنفار العدائي والاستعدائي الشرير، هي استنفار للشر.. وقد بلغنا من ذلك ذرى ما بعدها ذرى.. وليس بعد الاقتتال في تلك الذرى، سوى الهُويٌّ في أشد الوهاد عمقاً، وعلى نتوءات صخر حادة، تحيل من يَهوي عليها إلى مزق.. وكل منا على شفا الهُويِّ في الهاوية.
لقد سال دمنا في كل شبر من أرض الوطن، ومنذ خمس سنوات ونيِّفٍ وهو يسيل، ولقد وقع العبء على مناطق أكثر من مناطق، ودفع المشردون ثمناً لم يدفعه المستقرون في بيت من بيوت الوطن، ودُمِّر من البلد ما لا يُحصى عدداً، ولا يقدَّر تكاليف.. وأسوأ ما وصلنا إليه “أن تجذَّرت الفتنة، وأُعليت لها رايات، وأصبح الاقتتال مذهبياً في كثير من الحالات.. نقول هذا وقد تحاشيناه طويلاً، وأدمى قلوبنا كثيراً، وكرهناه داءً وبيلا. لا يوجد نوايا طيبة للأسف، ولا يوجد حس أخلاقي مرهف، ولا يوجد شعور بالمسؤولية، رفيعٌ ومترفِّع.. انفلت الوحش في داخل الإنسان، فتداخلت الأحكام والأفعال والأقوال، سيئها وحسنها.. وإذ يبدأ العدوان فإنه يستدعي العدوان، ويبقى البادئ أظلم، ومن ثم يأخذ الوضع قاعدة “الفعل ورد الفعل”، بصرف النظر عن الكمية والكيفية.. حتى الرقم يغدو بلا قيمة، لأن الوحش الذي انطلق في داخل الإنسان فلم يعد يشعر بمعنى الكم ولا بمدار الكيف، فكل ما يهمه هو أن يقتل.. والدم ينادي الدم. والكل يقتل، من تحت الطاولة ومن فوقها، والكل مع حلفائه، يهيئ للحرب، وتستمر المعارك هنا وهناك، والدم السوري واحد، ولكنه يسيل في كل الحالات والأماكن والأوقات.. القتل -الموت -الإبادة -الإفناء.. والكذب الكذب. لا.. لا.. للأسف، عدنا لا نصلح لنصدق أحداً، دروس الواقع هي التي تحمل مصداقية..
السيف أصدق إنباء من الكتب … في حده الحد بين الجد واللعب.. كل ما يقتلنا جد، وكل ما عداه لعب.. فكيف نصدق، وبمن نثق؟! ما عدنا نصدق الرسمي وغير الرسمي، فما دام دمنا يسيل، ووجودنا كله مهدد، وكل ما يتصل بحياتنا وأمننا ووجودنا يُنتهَك.. فتلك الوقائع وثائق لا تُدحض.. صار الموت بالجملة مثل الموت بالمفرق، كله موت. ولكن من لا يشعر بقتل إنسان فرد، لا يحق له أن يدعي بأنه يملك وحده الشعور الحق، عندما يتعلق الأمر بقتلى أكثر عدداً.. وليذكر قوله تعالى:﴿ .. أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا.. إلى آخر الآية.﴿٣٢﴾ سورة المائدة.
والآن، أو بعد مرور وقت، قد يطول أو يقصُر، لا بد من مواجهة هذا الواقع، بصفته المؤسية المؤسفة تلك.. وعلينا أن نفعل ذلك ولو كرهناه، إذ لا معدى لنا عن معالجة وضع طالما نفيناه.. على أن نواجهه بشجاعة وموضوعية ومصداقية مع الذات، ونواجه فيه الواقع المر، لنصلح ما يجب إصلاحه، قبل فوات الأوان كليًّا ونهائيًّا.
لقد أصبحنا جميعاً مستهدفين أكثر، وكنا جميعاً مسؤولين بدرجات مختلفات فيما بيننا عن وضع دمَّرنا.. وفي النتيجة لا بد من يقظة، ومن عودة إلى الذات بصدق ومسؤولية، وبحسن نوايا، وبما أمكن من التجاوز والتسامح والرغبة الصادقة في التصالح.
فيا أيها السوريون يكفينا .. فقد وصلنا إلى ما لا مدى بعده في الإضرار بأنفسنا، وبلدنا، وأمتنا، وديننا.. وبلغ البعض منا مدى من الإجرام والآثام لا يطاق، ولا يتسع له نطاق. ويزيدنا في الطين بِلَّة، أن كل مرتَكب يدعى أنه الخير كله، والوطن كله، والشرع كله، والقيم المثلى، والقدوة التي ما بعدها.؟!وهذا في بابه أكثر من عجيب، ويدخل أهله في أكثر من أمر مريب، ودائرة حكم تتصل بصلته بالوطني، والقومي، والحضاري، فضلاً عن الأخلاقي والإيماني.
أفيقوا، ولنفق جميعاً كلكم/كلنا، ولنتبرأ من الإثم والجرم، إذ كلنا آثم بدرجة من الدرجات، وكلنا مسؤول بدرجة من الدرجات، حتى عن الصمت في موقع يجب فيه الكلام. إن كل والغ في الدم، مدخول بحمق وجنون بصورة ما، فيكفي حمقاً وجنوناً. يقولون “العبرة في النتائج”، وها هي بعض النتائج أمامنا: حرائق الوطن، واحتراق الشعب، واندثار القيم، وتهديد الأعداء، وسقوط مدوٍّ في آماد العداء.. أفلا يكفي؟! .
علينا ألا نكثر من الكلام عن البطولات، والانتصارات.. وألا نجعل من الشهداء مستنبتاً للثارات وموثِّبات لمعارك قادمات، وألوان من المقت والكراهيات. كثيرون هم الذين أريق دمهم، وعانوا الأمرين، إبَّان هذه الفتنة التي أدمت وأعمت، وفجرت من الشرور ما لم يكن يحسَب أحدٌ أنها في الإنسان السوري ذي الإرث الحضاري العظيم. وها نحن، في كل صباح ومساءٍ مع الدمع والأنين، نفقد العشرات والعشرات، بين قتيل وذبيح، ومعوَّقٍ وجريح.. أفلا يكفي؟!وقد بلغ أولئك مئات الآلاف عدداً، بل تجاوز المليون بمئين؟!الكل عند مجمل السوريين، والعرب والمسلمين، وبمجمل حسابات الأطراف المتقاتلة، وأحكامهم. الكل “شهداء”إلى الجنة، والكل بحسابات كل طرف من الأطراف، قتلى إلى جهنم وبئس المصير.. هل هناك أبأس من هذا الانتاج والاستنتاج، لدى أمة تؤمن بالله؟! ألا بئس ما نحكم، وبئس ما نفعل، وبئس ما نقدِّر، وبئس ما نقرر، وما نكرس ونرسخ من قيم وأحكام وأفعال تنتج سيئ النتائج وأبأس الأقوال والأحوال.

إلى الأعلى