الإثنين 11 ديسمبر 2017 م - ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / التنسيق والتكاتف لمواجهة الغش الغذائي

التنسيق والتكاتف لمواجهة الغش الغذائي

السيد عبد العليم

” .. من صور تغليظ العقوبة، التشهير بمرتكبي تلك الجرائم، وذلك بأن يتم الكشف عن اسم الشركة او المصنع او المؤسسة وصاحبها ومديرها. حتى يكون ذلك رادعا لأمثاله وكل من تسول له نفسه ارتكاب تلك الجرائم البشعة. “وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ” النور(2). وكذلك البحث عمن وراء ذلك النشاط او تلك الجريمة والا يقتصر الامر على معاقبة العمال الذين تم ضبطهم بالمخالفة.”

حكى ابني عن مشادة وقعت بين معلمه الذي كان يشرف على حافلة خلال المهرجان الطلابي الذي أقيم مؤخرا وبين شرطي. وذلك انه في الحفل الختامي للمهرجان، كان هناك اعداد كبيرة من الطلبة المشاركين في المهرجان الراغبين في العودة الى منازلهم عقب انتهاء فقرات العرض الختامي. كما كان هناك اولياء الامور الذي يتصلون بالمشرف ويسألونه عن موعد وصول الأبناء وان هناك تأخيرا. ومع عدم وجود ما يكفي من حافلات، كان هناك حافلة يركب فيها ابني مع اعداد كبيرة من الطلاب بداخلها تفوق بالطبع العدد المحدد لها، حيث كان هناك طلبة يقفون وكان ذلك يمثل ضرورة بالنسبة للسائق والمشرف. وعلى الجانب الآخر، جاء الشرطي وغضب لرؤية هذا العدد الكبير من الطلبة داخل الحافلة وتشاحر مع المشرف وحرر مخالفة للحافلة وذلك عملا بمبدأ الحيطة والحذر. ربما تختلف آراء البعض بشأن اداء المعلم والشرطي، لكن بنظرة اكثر شمولا، نجد ان كلاهما تصرف من باب الحرص على مصلحة الطلبة، فالمشرف اراد تحت ضغط الوقت وضيق سعة اليد توصيل الطلاب حتى يطمئن الاهل عليهم ولو كان هناك نوع من الازدحام داخل الحافلة، بينما نظر الشرطي إلى عنصر الامن والسلامة للطلاب. وربما يرى البعض ان هذا تصارع بين الطرفين، لكن الحقيقة انه تكامل في اداء الادوار، حيث حاول كل منهما القيام بدوره المنوط به وبؤرة اهتمامه هي مصلحة الطلبة.
ومثل هذا التكامل في الأدوار مطلوب بشكل كبير بين الجهات المعنية. والا تعمل كل جهة وحدها وكأنها جزر منعزلة. لأن ذلك يؤدي إلى الفشل للكل، حيث انه اذا اجتهدت جهة واحدة ايما اجتهاد، بينما لم يكن هناك تكامل وتنسيق مع الجهات الأخرى المكملة لها، فإن جهدها هذا سوف يذهب سدى.
وهذا ما يظهر الآن فيما يتم الكشف عنه من حالات ضبط لأغذية مغشوشة ومنتجات غذائية منتهية الصلاحية ومنتجات تم التلاعب بتواريخ صلاحياتها وعمال يعدون مأكولات لمطاعم ومحلات بشكل غير صحي والأرز منتهي الصلاحية وغير ذلك، بشكل مثل صدمة وحالة فزع لدى الكثيرين. لأن الأمر يتعلق بالامن الغذائي والصحي وسلامة الافراد، حتى صار البعض يساوره القلق حيال كثير من المأكولات والمنتجات والسلع الغذائية ومدى صلاحيتها وسلامتها. بما يمثله ذلك من خطورة تتطلب وقفة جادة لبحث اسباب هذه الحالة والعوامل التي ادت إليها وكيفية معالجتها.
قبل اربع سنوات تقريبا، كان هناك كثير من حالات المخالفات الكبيرة التي تم الكشف عنها بما مثل رادعا لكل من تسول له نفسه التلاعب بقوت الشعب بأنه تحت المراقبة ويمكن الامساك به، فعمل ذلك على ردع اصحاب النفوس المريضة. لكن منذ تلك السنوات، لم نسمع او نر حالات كشف عن جرائم فساد وكأنه انتهى تماما من البلد، الى ان عاد لتفوح رائحته الكريهة في الاونة الاخيرة عبر حالات الضبط التي تقوم بها الهيئة العامة لحماية المستهلك بكشفها عن كثير من الحالات سالفة الاشارة، بجانب ما تقوم به البلديات على مستوى السلطنة.
وما تقوم به حماية المستهلك او البلدية يمثل الكشف عن الجريمة بعد حدوثها. بينما هناك اجهزة اخرى معنية بالكشف عن الجريمة قبل حدوثها. أي اتخاذ الاجراءات الاستباقية لإجهاض الجريمة قبل وقوعها. فعندما يتم القبض على مدمن مخدرات مثلا فإن ذلك يمثل انجازا ولا شك، ولكن ان يتم الامساك بالموزع الرئيسي او رأس الشبكة فهذا يمثل الانجاز الحقيقي. لان هذا يمثل عملا استباقيا لمنع وقوع الجريمة.
وهنا يجب ان يكون هناك تنسيق اكبر بين الجهات المعنية فيما بينها وتكامل للادوار وتكاتف فيما بينها. وان يكون كل منها على ثغرة يجب ألا يؤتى الوطن منها.
ويجب التفكير الجدي في الردع القوي والحقيقي لاصحاب النفوس المريضة الذين يتلاعبون بقوت المواطن. وذلك بتغليظ العقوبة. فأي جرم اكبر من الاضرار بصحة وسلامة الانسان وأي إفساد في الارض اكبر من ذلك؟”إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ” المائدة (33) . فعلى قدر الجريمة تكون العقوبة. ومن ثم بات من الضروري سن تشريعات تغلظ العقوبة على مثل تلك الجرائم. ولا تقتصر العقوبة سنة او سنتين سجن وغرامة بضعة الاف وطرد من البلاد، للوافد. فتلك العقوبة لا تعد رادعا بمستوى الجرم. فهذه عقوبة مخففة مقارنة بحجم الجرم الذي يتمثل بشكل او آخر في قتل النفس بغير حق. فتغريم الجاني هنا بضعة الاف من الريالات لا يمثل شيئا بالنسبة لما حققه من اموال من وراء نشاطه الفاسد. وسجنه سنة أو سنتين وطرده من البلد لا يمثل الرادع المطلوب. فقد يقضي الجاني مدة عقوبته القصيرة ويذهب إلى بلد اخر ربما خليجي ويمارس فيها اجرامه مرة اخرى بشكل قد يجعله ربما يصل إلى هنا بشكل غير مباشر مرة اخرى. في لقاء جمع بين الرئيسين الاميركي رونالد ريجان والسوفيتي ميخائيل جورباتشوف، استنكر ريجان وجود عقوبة القتل للمرتشي في الاتحاد السوفيتي وان ذلك يمثل اعتداء على حقوق الانسان، فرد جورباتشوف بانه منذ ان تم سن القانون لم يرتش احد وبالتالي لم نضطر إلى تطبيقه.
ومن صور تغليظ العقوبة، التشهير بمرتكبي تلك الجرائم، وذلك بان يتم الكشف عن اسم الشركة او المصنع او المؤسسة وصاحبها ومديرها. حتى يكون ذلك رادعا لأمثاله وكل من تسول له نفسه ارتكاب تلك الجرائم البشعة. “وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ” النور(2). وكذلك البحث عمن وراء ذلك النشاط او تلك الجريمة والا يقتصر الامر على معاقبة العمال الذين تم ضبطهم بالمخالفة. بل يجب البحث عن من يديرهم ولمصلحة من يعملون ومن سهل لهم وكفيلهم وكل من له صلة بنشاطهم هذا.
كما يجب الاسراع بإصدار قانون مكافحة الاحتكار. وذلك ان هناك سلعا اساسية يحتكرها افراد بعينهم يتحكمون في سعرها وكميتها في الاسواق وجودتها وكل ما يتعلق بها. بينما في حال صدور مثل هذا القانون، سيتعدد ويتنوع موزعو السلع والخدمات وتسود المنافسة فيما بينهم بشكل يؤدي إلى تحسين وتجويد السلع والخدمات وتقليل اسعارها لصالح المواطنين وهو الدور والهدف المنشود من الحكومة وكل أجهزة الدولة. ولن يتحقق ذلك الا بتنسيق وتكامل الادوار بين الجهات المعنية.

إلى الأعلى