الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العراق: صراع الديكة

العراق: صراع الديكة

كاظم الموسوي

”إن معاناة الشعب العراقي الطويلة تتطلب عقولا واعية مسؤولة وإدراكا عميقا بالمسؤولية عما جرى ويجري في العراق. تضع امامها اولويات التغيير منهجا وسبيلا وعدم الانتظار لفرصة أخرى. فالفرص الحالية كافية والمحك اصبح اختبارات متتالية ولا بد من الصدق مع النفس والإخلاص في الواجب والوعي بمسؤولية الحكم والتاريخ.”
ــــــــــــــــــــــ
يشهد العراق في الأيام القريبة القادمة من موعد الانتخابات النيابية (نهاية شهر نيسان/ ابريل 2014) مشاهد متناقضة تعكس الصراعات بكل مستوياتها. ابرزها ما يشبه صراع الديكة بين رؤساء السلطات التنفيذية والتشريعية والكتل والتيارات السياسية المتنفذة في العملية السياسية والتي جاءت وتواصلت مع الاحتلال الاميركي البريطاني وحلفائهما ومن تخادم معهما. فمن يسمع أو يشاهد أو يقرأ تصريحات هؤلاء المسؤولين لا يعجب فقط، بل ولا يندهش منها ولكن يأسف على كل ما يصدر فيها، من معان او مفاهيم تبين مستويات اصحابها ومديات إدراكهم وقدرة كل منهم، ويندم على مشاركته في الانتخابات السابقة واختيار امثال هؤلاء الساسة الذين فشلوا في ادائهم ودورهم ومكانهم السياسي والحزبي والتمثيلي.
اشعلت تصريحات كل الأطراف السياسية المشتركة في العملية السياسية الأزمات المتفاقمة وزادت في الصراعات السياسية والتناقضات الحادة بينها وبين ما أعلنته وادعته من برامج انتخابية أو وعود سياسية او بيانات وشعارات براقة. وكانت هذه الأطراف قائمة على أسس المحاصصة الاثنية والطائفية الدينية ورضاها بقبولها والاستناد عليها في المواقع والأدوار التي توزعتها وتسلمتها طيلة تلك الفترة.
في ظروف زمنية سابقة للانتخابات النيابية يمكن تفهم نوعية الخطابات ويمكن تفسير طبيعتها في الردح السياسي والاتهامات المتبادلة ومسابقات كشف اوراق الخصوم السياسيين والتنافس بينهم وإبراز ما يستفيد منه كل طرف او تيار على حساب مقابليه في حلبة الصراع وصناديق الانتخابات. ولكن من الصعب تقبل ما وراء تلك الخطابات وما تحمله بين سطورها من تهديدات مبطنة وتحشيد طائفي واثني وعمليات عنف تتطور حتى التفجير والتخريب وحرق الجسور بين قوائم الانتخابات وجموع الناخبين والأغلبية الصامتة البعيدة عن تلك القيادات التي تدير ما يحصل ويجري في طول وعرض البلاد.
امر مضحك مبك فيما يحصل في العراق قبل الانتخابات وبعدها في اغلب الاحيان. لا سيما فيما يتضرر منه كثيرا من اعداد كبيرة من المواطنين المدنيين الآمنين، خصوصا في المناطق الساخنة، وانتشار شظاياها في محيطها وأحيانا أبعد منها. ففي الفترة السابقة للانتخابات النيابية تشحذ القوى السياسية جهودها لكسب اصوات اكثر من الناخبين. والمعتاد ان هذا يتم حسب قواعد وقوانين معروفة. إلا في العراق وبعض من جيرانه. لا يتم ذلك دون عنف ودماء وضحايا وخسائر بشرية ومادية كبيرة وكأنهم يعيدون حلقات الماضي ودورات الدم في سجلات التاريخ. وتسهم فيها بجدارة قيادات تلك القوى والتيارات من خلال خطاباتهم وتصريحاتهم واستعدادهم النفسي والأخلاقي لارتكاب انتهاكات صارخة في مختلف المستويات وعلى جميع الصعد دون أي خجل أو وخزة ضمير ودون ان يخشوا من عاقبة او عقاب.
التهديدات المتبادلة وبلهجتها الدموية ودعواتها الضمنية إلى الفتنة والتقاتل سمة مكررة لفترة الانتخابات في العراق وهو امر مثير فعلا. فإحصاء ضحايا الفترات السابقة ومقارنتها يقدم صورة مأساوية وفضيحة سياسية/ اخلاقية لنتائج تلك الحملات والانتخابات وما تلاها. وفي خطابات وتصريحات الفترة الحاضرة والتهيؤ إلى انتخابات جديدة وأحداث التفجيرات والعمليات العسكرية شهادات على وعي وإدراك الناخبين والمنتخبين، القوى السياسية والتيارات والهويات الدينية. الأمر الذي يعني ان من يتصدرون الواجهة السياسية في العراق ومع صفحات تاريخهم السياسي يثبتون انهم مسؤولون عما يجري من مجازر دموية، وان ما زرعه الاحتلال الغربي في العراق خلال سنواته العجاف اثمر فيهم وفيما حولهم من معطيات كئيبة في المشهد السياسي.
هل هي مصادفة ان تجرى الانتخابات مع ذكرى فترة عمليات الغزو والاحتلال؟!، وإذ تمر في هذه السنة الذكرى الحادية عشرة فإن المأساة الاكبر فيها ان هذه السنوات مرت ولما تزل الكوارث التي اولدتها او جاءت بها هي المتحكمة في الوضع العراقي وان معاناة الشعب العراقي لما تزل تكابد انعدام الامن والاستقرار والخدمات والتطلع إلى التغيير المنشود. بل وان الضحايا البشرية لم تنقص اعدادها طيلة تلك الفترة المشؤومة. وان الحروب والأزمات تلد حروبا وأزمات متتالية دون توقف ودون اعتبار او استفادة من الدروس والتاريخ وشهادات من رحلوا في ازمان سابقة.
تفزع تصريحات وخطابات زعماء السلطات او التيارات والأحزاب في العراق خلال هذه الفترة الملتبسة، خصوصا من التوجهات فيها ومما تخفيه تحت اسطرها ويصاب المرء بخيبة امل وكآبة دائمة من مستقبل لا يبشر فيه بأي جديد حقيقي مفرح. رغم التحسن في بعض القطاعات من الخدمات وبعض الوعود باستمرارها او في خطط واعدة قد تدخل في باب الدعاية الانتخابية المبكرة أو المخادعة. وهو ما تفضحه وقائع الحال، التي لا تشي بتطبيقات فعلية لها ولا تضمن انجازات حقيقية قادمة تغير من صورة الكارثة التي احلها الاحتلال وقادها الاختلال بعده. حيث ما زال العقل الإداري المتخلف والقوانين التي تديره هي من ورثة فترات بائدة لعقود سالفة وما زال السلك الإداري السياسي او المرتبط به يتحسب لغده قبل كل شيء فينهب من المال العام معتبرا ما يقوم به حقه من الغنيمة، ويتخلف عن اداء واجبه بذريعة التسابق الزمني وقيود القوانين والإدارة المتخلفة ويرضي نفسه بالرشوة ايضا او السكوت عليها له ولغيره من وضع في مواقع مسؤولية لم يحلم بها يوما ولم تخطر بباله، وفي الأخير يتصورها مآلا لهروب من دور ومسؤولية في بناء وطن وإسعاد شعب.
ان معاناة الشعب العراقي الطويلة تتطلب عقولا واعية مسؤولة وإدراكا عميقا بالمسؤولية عما جرى ويجري في العراق. تضع أمامها اولويات التغيير منهجا وسبيلا وعدم الانتظار لفرصة أخرى. فالفرص الحالية كافية والمحك اصبح اختبارات متتالية ولا بد من الصدق مع النفس والإخلاص في الواجب والوعي بمسؤولية الحكم والتاريخ. فالشعوب تمهل دائما ولكنها لا تهمل ولعل تجاربها كافية وعبرها كثيرة.
الانتخابات القادمة محك للجميع، رغم أنها آلية واحدة وقد لا تعبر عن كل ما يراد ولكنها ممر للتغيير ومعبر للأمل فيه وفي المستقبل.

إلى الأعلى