الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع: الولايات المتحدة تكشف آخر أوراق سايكس ـ بيكو الثانية

شراع: الولايات المتحدة تكشف آخر أوراق سايكس ـ بيكو الثانية

خميس التوبي

التدخل الأميركي السافر في الشأن الداخلي السوري والعراقي والليبي واليمني وعموم المنطقة، يتجه للكشف عن آخر القرائن والأدلة على أن ما سُمِّيَ زورًا “الربيع العربي” إنما هو اتفاقية سايكس ـ بيكو ثانية لإعادة رسم حدود المنطقة على أساس توزيع ثرواتها بين الامبريالية الاستعمارية الأميركية وحلفائها الصهاينة والغربيين، ويكون فيها كيان الاحتلال الصهيوني شرطيًّا على المنطقة.
وأول من سارع إلى تنبيه الجماهير العربية الغيورة على ترابها والمدافعة عن دمائها وأعراضها وكرامتها وكبريائها بهذا المخطط التدميري هو الراحل ـ المغفور له بإذن الله ـ محمد حسنين هيكل.
وأمام هذه الحقيقة تبدو المعطيات كافية لإثبات الثابت من الحقائق حول مدى النجاح الصهيو ـ أميركي ـ الغربي في إنتاج وتوليد التنظيمات الإرهابية من رحم تنظيم القاعدة الإرهابي لتكون مطية لإنجاز الاتفاقية المذكورة في المنطقة، من مدخل الزعم بإعلان الحرب على بعضها كما هو حال تنظيم “داعش”، ومن مدخل دعم بعضها الآخر بكذبة أنه “معارضة معتدلة”. فهو نجاح ينطوي على مخطط كبير جدًّا يتجاوز محاربة ما يسمى “داعش” إلى ما هو أبعد بكثير عن مواجهة مجرد تنظيم إرهابي اعترفت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية السابقة بدور بلادها في صناعته. مخطط يطول كل المنطقة، في تصميم وإصرار واضحيْنِ على المضي قدمًا نحو تثبيت الاستعمار الأميركي ـ الغربي ركائزه في المنطقة وشرذمتها وفق مناطق ثروات، وليشكل الحضن الطبيعي والدافئ لتوحش الاحتلال الصهيوني ومد أذرعه في عموم المنطقة، ولا يدع في المقابل ثقب إبرة لا لروسيا الاتحادية ولا للصين لكونهما القوتين الصاعدتين والمهددتين لأحادية القطبية في العالم.
لا نزال نؤكد على المعطى الثابت بشأن العلاقة العضوية المتلازمة وكأنها زواج كاثوليكي بين التنظيمات الإرهابية الممولة إقليميًّا وبين الوجود الأميركي، وكيف يتم التوظيف اللازم للإرهاب توطئةً وتمهيدًا لجحافل عسكر أميركا وعملاء استخباراتها أو العكس. وليس ثمة أدلة على ذلك مما تكتنزه جهات الأرض الأربع من صور لا تقبل التشكيك في حقيقتها، حيث أصبح كل منهما بوصلة لاتجاه تحرك الآخر. فمن يتابع المشهد العراقي وسير الأحداث فيه منذ الغزو وحتى الآن لا يحتاج إلى عناء جهد ليكتشف كيف عمل الوجود العسكري الأميركي ليس على جلب إرهاب القاعدة فحسب، وإنما على إنتاج واستيلاد متفرعاته من أبرزها “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق”؛ لكي يجعل الكاوبوي الأميركي من بلاد الرافدين منصة أولى متقدمة ينطلق منها لاستهداف الدول العربية الموضوعة في صلب مخطط التفتيت بعد العراق، حيث يسير الإنتاج الإرهابي حسب الحاجة، وإن كان يفيض حاليًّا عن الحاجة والغرض. فقد رأى الجميع تحريك المُنْتِج والمُصنِّع الصهيو ـ أميركي لجحافل “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق” إلى الشام (سوريا ولبنان) ليعطى تسميته الأميركية ـ الغربية مباشرة “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” ويرمز له اختصارًا بـ “داعش”، ولما كانت قوة الدفاع والهجوم في سوريا أكبر من حجم التنظيم، تم استيلاء على الفور ما سمي بـ”جبهة النصرة” وبقية أخواتها التابعة لتنظيم القاعدة الإرهابي كـ “أحرار الشام وجيش الإسلام وجيش الفتح ونور الدين زنكي والسلطان مراد” وغيرها، حيث أخذت مساحة الانتشار العسكري والاستخباري الأميركي ـ والانتشار الإرهابي القاعدي عبر ذراعه “داعش” تتسع دائرتها لتشمل حاليًّا ليبيا واليمن ومصر. فهذا الانتشار العسكري الأميركي بذريعة محاربة الإرهاب في اليمن وليبيا إلى جانب العراق وسوريا وإقامة قواعد عسكرية دائمة له، هو من أجل رسم الحدود الجديدة للمنطقة، وبالتالي يمثل الانتشار الإرهابي الذريعة، ما يعني أن اتفاقية سايكس ـ بيكو الأولى غدت في عداد الموتى، وأن المنطقة مقبلة على اتفاقية ثانية يتم بموجبها فكها وتركيبها بما يضمن بقاء كيان الاحتلال الصهيوني وتمدد مشروعه الاحتلالي في المنطقة وهيمنته عليها، ولذلك ما يحصل هو ترجمة حرفية وعملية لدراسة “حدود الدم” التي أعدها الجنرال المتقاعدة رالف بيترز ونشرها في العام 2006 في مجلة “آرمدفورسيس جورنال”. فالدماء التي سالت أمس في سوريا (طرطوس وجبلة) واليمن (عدن) وكل يوم، لا بد أن تسيل وبكميات غزيرة لتروي الأرض؛ لكي ينزاح “الظلم” الذي أرسته اتفاقية سايكس ـ بيكو، حسب بيترز الذي رأى أن الظلم الكبير يتمثل في غياب الدولة الكردية المستقلة. ولعل التحركات الأميركية بدعم ما يسمى “قوات سوريا الديمقراطية” في شمال سوريا للاستيلاء على محافظة الرقة بحكم التصاقها بباقي المدن السورية التي بها غالبية كردية كالحسكة والقامشلي وعين العرب، وكذلك دعم البشمرجة الكردية في شمال العراق وتجهيزها لمعركة الموصل لتُكَوِّن جغرافيا متصلة مع كركوك ودهوك والسليمانية، تفسر هذه التحركات الأميركية مضمون ما جاء في دراسة رالف بيترز، ما يعني أن هناك دماء غزيرة ستراق على الحدود وفي أعماق الدول العربية المستهدفة يتناوب عليها الوجود العسكري الأميركي وحليفه الإرهاب القاعدي.

إلى الأعلى