الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل يقدر على صرف (العفريت)؟!

هل يقدر على صرف (العفريت)؟!

محمد عبد الصادق

” الهاجس الأمني بكل ما يشمله من أمن جنائي وسياسي واجتماعي أضحى أكثر الأشياء التي تؤرق المصريين منذ اندلاع ثورة 25يناير حتى إن مصر احتلت المرتبة الأولى عالميا في التحرش الجنسي بسبب حالة الانفلات الأمني والأخلاقي التي تفاقمت في البلاد؛ والتي يرى أغلب المصريين أن السيسي بخلفيته العسكرية وتكوينه الأمني المنضبط قادر على إعادة الأمن والاستقرار للشارع المصري,”
ــــــــــــــــــــــــــــ
ربما لا يكون السيسي أفضل الخيارات المطروحة لتولي الحكم في مصر لعدة أسباب أولها: أن ترشحه يؤكد تهمة الانقلاب الملصقة به من قبل خصومه السياسيين، ويستفز الإخوان المسلمين الذين يتهمونه بالمسؤولية عن فض اعتصام رابعة، ودماء مئات القتلى والزج بآلاف المعتقلين في السجون منذ إطاحته برئيسهم محمد مرسي في 30/6/2013م، كما أن هناك معارضة عربية بقيادة قطر وحماس، ومعظم القوى الإسلامية في الوطن العربي، وأوروبية اتضحت في بيان شديد اللهجة للاتحاد الأوروبي عشية إعلان ترشحه جاء فيه” إن الجيش يمارس نفوذا كبيراً على القرارات السياسية الرئيسية في مصر”، واعتراضاً أميركيًّا سافراً وصل لحد الاستيلاء على طائرات الأباتشي التابعة للجيش المصري التي سافرت إلى واشنطن لإجراء الصيانة الدورية .
ورغم هذه العقبات السالفة يظل السيسي الاختيار المحتوم والذي لا بديل عنه في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها مصر؛ أولاً لدوره الرئيسي في الخلاص من مرسي وحكم الإخوان ووقوفه في وجه العاصفة وبالتالي فهو الوحيد القادر على إكمال ما بدأه وتحمل تبعات الإطاحة بالإخوان التي ما زالت تحركاتهم على الأرض مستمرة وتربك المشهد الأمني والسياسي والاقتصادي المصري حتى الآن، وكما يقول المصريون (من حضر العفريت يصرفه؟!).
أما الفريق الذي كان يرى أن يظل السيسي وزيراً للدفاع ونأتي برئيس مدني منتخب من خارج المؤسسة العسكرية، فهؤلاء حالمون؛ فلن يستقيم الأمر ولن تهدأ مصر في وجود الرجل القوي قابعاً على كرسيه في وزارة الدفاع، ويأتي رئيس مدني يعجز عن إدارة شؤون مصر ويتحجج بالدولة العميقة، ويصطدم بأجهزة الدولة ويعيد تجربة مرسي الفاشلة في الحكم، وينتهي الأمر بأن يخرج عليه الشعب ويطالبوا السيسي أن يخلصهم منه ونتحول لأضحوكة العالم، أو نظل في صراع لا ينتهي في دولة تحكم برأسين الجيش والرئاسة، والخاسر الأعظم هو الشعب المصري المسكين الذي أنهكه الصراع ويئس من التغيير وكفر بالثورة وحن لأيام حبيب العادلي ودولة مبارك رغم فسادها فعلى الأقل كان هناك أمن واستقرار.
والهاجس الأمني بكل ما يشمله من أمن جنائي وسياسي واجتماعي أضحى أكثر الأشياء التي تؤرق المصريين منذ اندلاع ثورة 25 يناير حتى إن مصر احتلت المرتبة الأولى عالميا في التحرش الجنسي بسبب حالة الانفلات الأمني والأخلاقي التي تفاقمت في البلاد؛ والتي يرى أغلب المصريين أن السيسي بخلفيته العسكرية وتكوينه الأمني المنضبط قادر على إعادة الأمن والاستقرار للشارع المصري، ولو نجح في ملف الأمن ستعاود عجلة الاقتصاد الدوران تلقائيًّا؛ خصوصاً السياحة التي لا تحتاج سوى الأمن فالمقومات السياحية من فنادق ومنتجعات وآثار وشواطئ ومقاصد سياحية موجودة وبحالة جيدة لا ينقصها سوى عودة السائحين الذين اختفوا نتيجة غياب الأمن، وهو مورد كان يدر على مصر 14 مليار دولار سنويًّا، كما سيترتب على الأمن إعادة تشغيل آلاف المصانع التي توقفت نتيجة الإضرابات والاعتصامات وقطع الطرق والسطو المسلح الذي انتشر في ربوع مصر منذ 25 يناير، ووصل الأمر إلى اكتفاء معظم المصانع في المدن الصناعية بوردية عمل صباحية خوفاً من تعرض الورديات المسائية للخطر نتيجة انتشار أعمال البلطجة والسرقة على الطرق المحيطة بالعاصمة، وانشغال الأمن بمقاومة عنف وإرهاب جماعة الإخوان، وقل نفس الشيء عن الاستثمار.
أما عن قدرة السيسي على احتواء المعارضين من تيار الإسلام السياسي وشباب الثورة وطلاب الجامعات؛ الذين يتحسسون من حكم العسكر ويضعون الحريات وحقوق الإنسان على قمة أولوياتهم، وفوق كل اعتبار، فأعتقد أن عمل السيسي لسنوات طويلة مديراً لجهاز المخابرات الحربية وعلاقاته القديمة مع المعارضة، وتيارات الإسلام السياسي وما يمتلكه من معلومات وخبرة بطريقة تفكير هذه الجماعات، وما يتمتع به من دهاء (منوفي) قادر على احتواء هؤلاء بما فيهم الإخوان، فهو خبير في أمور التفاوض السري، وإبرام الصفقات تحت الطاولة، ولن يعدم وسيلة في الوصول لصيغة من التفاهمات والتنازلات، مع من يختار المصالحة من الصفوف الثانية والثالثة والمنشقين من أعضاء الجماعة، أو حتى مع القيادات الموجودة في السجون، وليس هذا بمستحيل فقد فوجئنا ببيان ممن يصفون أنفسهم بمنشقي الجهاد يعلنون مبايعتهم للسيسي أميراً للمؤمنين وقالوا في بيانهم إن السيسي يمتلك مواصفات القيادة لجميع بلاد المسلمين، وليس مصر فقط .
وللسيسي علاقة قوية بحزب النور والدعوة السلفية التي ترى المصلحة في الانصياع للأمر الواقع ومناصرة من بيده القوة والسلطة على الأرض ولا ترى فائدة في الخروج على الحاكم الذي يملك زمام الأمر وهو ما يرونه متوافراً في السيسي والمؤسسة العسكرية .
والسيسي نفسه أفصح صراحة عن عزمه إجراء مصالحة مع الجميع بما فيهم الإخوان؛ حينما قال في خطاب ترشحه للرئاسة:” أدعو شركاء الوطن، أن يدركوا أننا جميعاً ـ أبناء مصرـ نمضي في قارب واحد، نرجو له أن يرسو على شاطئ النجاة، ولن يكون لنا حسابات شخصية نصفيها، أو صراعات مرحلية نمضي وراءها، فنحن نريد الوطن لكل أبنائه، دون إقصاء أو استثناء أو تفرقة، ونمد أيدينا للجميع في الداخل والخارج، معلنين أن أي مصري أو مصرية لم تتم إدانته بالقانون الذي نخضع له جميعاً، هو شريك فاعل في المستقبل بغير حدود أو قيود “.
وسبق لنائب وزير الدفاع للشؤون السياسية اللواء محمد العصار تبني مبادرة الدكتور حسن نافعة للمصالحة، وقام بالتسويق لها، ولا أستبعد أن تكون هناك تحركات سرية من الطرفين الآن للوصول لنقاط التقاء قبل إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية والمحسومة بشكل كبير لصالح السيسي ـ رغم احترامنا لتاريخ منافسه المناضل الكبير حمدين صباحي ـ ولكن المرحلة ليست مرحلته ولا المزاج المصري يسمح بصعوده في مواجهة السيسي؛ الذي تحول في وجدان ملايين البسطاء من المصريين للمنقذ والمخلص ولن تجدي مع هؤلاء التحذيرات ولا الشروحات عن التربصات والعواقب المترتبة على وصول السيسي للحكم .
ولا أستبعد أن يبدأ السيسي ولايته الأولى بالإفراج عن قيادات الجماعة المعتدلين أمثال سعد الكتاتني وحلمي الجزار وأبو العلا ماضي وغيرهم ولكني أستبعد الإفراج عن مرسي أو خيرت الشاطر أو بديع إلاّ إذا رضوا بالنفي خارج مصر وهو أمر مستبعد بسبب أمور تتعلق بمستقبل التنظيم وحتى لا تهتز صورتهم أمام قواعدهم الذين يثقون في حكمتهم وإخلاصهم إلى آخر مدى.
ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه في الصراع الممتد بين الدولة المصرية وجماعة الإخوان منذ ظهورها، فقد اصطدمت مع الملك فاروق، قبل ثورة يوليو، وتحالفت ثم انقلبت على جمال عبدالناصر الذي نجح في إضعافها حتى كادت تلفظ أنفاسها، إلى أن جاء السادات وانتشلها من غياهب السجن وأعطاها قبلة الحياة، ولكنها انقلبت عليه وكانت نهايته على أيدي أتباعها، وأخيراً مبارك حيث مارس الطرفان عملية ابتزاز متبادل طوال 30 سنة أعطاها الشارع والبرلمان، وتركت له الحكم والثروة يوزعها ويورثها لأتباعه وأولاده .

إلى الأعلى