الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الغنوشي والترابي والإخوان

الغنوشي والترابي والإخوان

د.احمد مصطفي

”هل ينجح الغنوشي في تقديم ذلك النموذج الذي يريده الغرب، حتى لو لم يكن ما تريده الأغلبية من شعوب المنطقة، ويسعى لفرضه؟ وهل يساعده في ذلك تنامي خطر الجماعات الإرهابية المنبثقة كلها من تنظيم الإخوان، فيبدو مبتعدا عنه (أو ينظر عليه على انه عكسه كما كان ينظر للترابي ضمن تيار الإسلام السياسي)؟ وهل يكون ما بدأه الغنوشي في تونس غطاء “التقية” الجديد لتنظيم الإخوان الدولي في سعيه لاقتناص السلطة في دول المنطقة؟”

تأتي الخطوة التي اتخذها زعيم حركة النهضة التونسية الشيخ راشد الغنوشي بفصل التنظيم السياسي عن الهيكل “الديني الدعوي” للحركة في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة صياغة لدور ما يسمى “الإسلام السياسي” في الحكم في أغلب بلدانها. ومع تصاعد خطر الجماعات الإرهابية، رغم التحالفات القوية والحملات الضخمة عليها، تضغط القوى الغربية لتنصيب جماعات مثل الإخوان وغيرهم في الحكم باعتبارهم “البديل المعتدل” للتطرف والإرهاب. ولأن كثيرا من الأطراف في المنطقة لا تقبل بهذا التوجه الغربي، إضافة إلى الرفض الشعبي لسيطرة الإخوان بعد موجات ما سمي الربيع العربي، يريد الغنوشي أن يبدو تنظيمه السياسي “مختلفا” عن الإخوان ـ وخاصة التنظيم الأم في مصر. تلك الحنكة ليست بغريبة على الشيخ راشد، الذي رغم خلاف قيادة تنظيم الإخوان التقليدية معه إلا أنهم وضعوه في صدارة قيادة التنظيم الدولي كوجه مقبول غربيا خاصة بعد الإطاحة بهم من الحكم في مصر.
يذكرنا الغنوشي هنا في علاقته بتنظيم الإخوان بمثال آخر ـ مع الفارق في السياق ـ من الشخصيات القيادية في تيار “الإسلام السياسي” هو السوداني الراحل د. حسن الترابي. كان الترابي ـ رحمه الله ـ شخصية مثيرة للجدل، حتى داخل تيار الإسلام السياسي الأوسع وبدأ عمله العام على خطى الإخوان وبتنظيمات شبابية تشبه “الجماعة الإسلامية” التي كانت مرحلة وسطية في تطور التنظيمات العنيفة (كالجهاد وغيره) الخارجة من رحم جماعة الإخوان. لكن الترابي ـ الذي حرص طوال الوقت على أن يبدو مختلفا مع الإخوان إلى حد الشقاق ـ اعتمد البراجماتية السياسية الممزوجة بنهج فكري تقدمي (في سياق أصولي بالطبع) داعما انقلابا عسكريا (البشير) انشق عنه بعد ذلك. وظلت علاقة الترابي بالإسلام السياسي قوية جدا، لكن دون أن يربط نفسه بتنظيم الإخوان الدولي وإن كانت ممارساته السياسية لم تختلف عن الإخوان بل كانت في بعضها أكثر انتهازية (وإن بذكاء وحنكة يفتقر إليها الإخوان وجماعاتهم الإرهابية) منهم.
في الفترة التي قضاها الشيخ الغنوشي في لندن، لم يكن الإخوان ـ خاصة قيادة الجماعة الرئيسية في مصر ـ يرتاحون للرجل كثيرا وكانوا يعتبرونه “تفرنج”، لكنهم حين يحتاجون تواصلا مع الغرب كانوا يلجأون إليه. وفي هذا تختلف علاقة الغنوشي بالإخوان عن علاقة الترابي بهم، فقد كان الترابي يعتبر نفسه صاحب نهج يخصه يتجاوز الجماعة والتنظيم الدولي، وإن تقاطعا أحيانا لأسباب تكتيكية (انتهازية). أما الغنوشي فكانت حركته في تونس جزءا من ذلك التنظيم الدولي الفضفاض. وإن كان الغنوشي انفصل إلى حد ما عن الكتلة الأساسية من حركته التي دخلت سجون ابن علي وتعتبر نفسها هي الحركة والتنظيم (رغم مكانة الشيخ راشد الرمزية). وهؤلاء أقرب لتنظيم الإخوان، بقيادته المصرية تحديدا. لكن عودة الغنوشي إلى تونس بعد الإطاحة بنظام ابن علي ووصول حركة النهضة إلى السلطة في الانتخابات التي تلت التغيير زادت من أهميته لدى التنظيم الدولي. ورغم بعض الاختلاف إلا أن الطرفين ـ الغنوشي والتنظيم الدولي ـ وجدا فرصة مهمة لتعزيز الرابطة في إطار المصلحة المشتركة، بالغنوشي متصورا أنه يمكن أن يتسيد الإسلام السياسي في المنطقة في هذه الفترة الانتقالية المهمة وبتنظيم الإخوان متطلعا للاستفادة من كون الغنوشي شخصية مقبولة لدى غيرهم من القوى وفي مقدمتها الغرب.
ولعل الغنوشي أدرك مبكرا الكارثة التي وصل إليها التنظيم في مصر، فاختار أن “يشارك” السلطة في تونس مع غيره بدلا من أن يخرج من المشهد تماما لو ترك عنان الأمور للجناح الداخلي من حركة النهضة الذي لا يختلف كثيرا عن رموز الإخوان في مصر من خيرت الشاطر ومحمود حسين وغيرهما. ويبدو أن ذلك لم يكن كافيا، خاصة بعدما حدث في ليبيا من قيادة الإخوان لميليشيات إرهابية في انقلاب على شرعية الانتخابات التي أخرجتهم من السلطة حتى أعادتهم الأمم المتحدة (كأداة للغرب وتحديدا أميركا وبريطانيا) للسلطة عبر اتفاق الصخيرات. ومع معاناة تونس من الإرهاب القادم من ليبيا، وهو في أغلبه من عناصر تونسية متطرفة بقيت في ليبيا أو عادت إليها من سوريا والعراق، أدرك الغنوشي أنه من الضروري فصل الحركة على طريقة تنظيمات المقاومة المسلحة (مثل الجيش الجمهوري الأيرلندي وجناحه السياسي الشين فين، أو منظمة إيتا في إقليم الباسك وحزبها السياسي، وهكذا) إلى حزب سياسي وكيان دعوي إسلامي.
هل ينجح الغنوشي في تقديم ذلك النموذج الذي يريده الغرب، حتى لو لم يكن ما تريده الأغلبية من شعوب المنطقة، ويسعى لفرضه؟ وهل يساعده في ذلك تنامي خطر الجماعات الإرهابية المنبثقة كلها من تنظيم الإخوان، فيبدو مبتعدا عنه (أو ينظر عليه على انه عكسه كما كان ينظر للترابي ضمن تيار الإسلام السياسي)؟ وهل يكون ما بدأه الغنوشي في تونس غطاء “التقية” الجديد لتنظيم الإخوان الدولي في سعيه لاقتناص السلطة في دول المنطقة؟ كل تلك الأسئلة وغيرها ستكون الإجابة عليها رهن تطور الأحداث في المنطقة، وما يمكن أن تسفر عنه حروبها وفي المقام الأول مدى ما ستستقر عليه الوضاع من دول للدول مقابل الجماعات.

إلى الأعلى