الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / مشكلة بولندا مع أوروبا لها جذور عميقة

مشكلة بولندا مع أوروبا لها جذور عميقة

” .. بولندا لا تعاني من اللاجئين. إذا لماذا يهرب اللاجئ إلى أحضان شبكة أمان اجتماعي بخيلة نسبيا في بولندا إذا كان بوسعه أن يصل إلى ألمانيا، ناهيك عن السويد؟ وعلاوة على ذلك، فقد رفضت بولندا قبول اللاجئين السوريين بالإضافة إلى أن الآفاق تبدو أفضل في أماكن أخرى في أوروبا بالنسبة للمهاجرين واللاجئين الاقتصاديين على حد سواء.”

في يوم مشمس في وارسو، من الصعب أن نفهم لماذا تبدو شوارع المدينة تمور من الغضب والاستياء من الرؤية الأوروبية. فالاقتصاد ينمو بنسبة 3.6 في المئة، ما يقرب من ضعف المعدل الأوروبي العام. ويكاد لا يكون لديهم أي تدفق لللاجئين السوريين أو الأفغاني: لذا كان حريا بوارسو أن تكون أكثر بياضا من أي مدينة رئيسية أخرى في أوروبا، بما في ذلك بودابست. ومع ذلك، فإن حزب القانون والعدالة اليميني المتطرف بزعامة ياروسلاف كاتشينسكي يدين بشدة الاتحاد الأوروبي لغزو “السيادة” البولندية – لغة تذكرنا بدعاة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
تعتبر بولندا، أو ينبغي أن يكون، أعظم قصة نجاح أوروبية. فقد تعرضت للغزو مرارا وقُسمت من قبل القوى الأوروبية الأخرى، وهي التي لم يكن لها وجود حتى بين أواخر القرن الـ18 وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى ليتم تقسيمها مرة أخرى عندما قام هتلر وستالين على حد سواء بغزوها في سبتمبر 1939. ويبدو استقلال بولندا بعد الحرب الباردة وكأنه معجزة للنظام الاقتصادي السلمي لأوروبا.
فيما يتعلق باقتصادها، فقد حققت بولندا نموا اقتصاديا بشكل مطرد منذ عام 1989. وابتداء من مستويات المعيشة الشيوعية، سار الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد بثبات في اتجاه المعدل المتوسط الأوروبي، ويقف الآن على أكثر من ثلثي هذا المستوى. اما نسبة الباحثين عن عمل فمنخفضة حسب المعايير الأوروبية.
وبولندا لا تعاني من اللاجئين. إذا لماذا يهرب اللاجئ إلى أحضان شبكة أمان اجتماعي بخيلة نسبيا في بولندا إذا كان بوسعه أن يصل إلى ألمانيا، ناهيك عن السويد؟ وعلاوة على ذلك، فقد رفضت بولندا قبول اللاجئين السوريين بالإضافة إلى أن الآفاق تبدو أفضل في أماكن أخرى في أوروبا بالنسبة للمهاجرين واللاجئين الاقتصاديين على حد سواء.
فلماذا هذه المشاعر المعادية لأوروبا؟
الجواب السطحي هو أن تحدي حزب القانون والعدالة هو استجابة ظرفية لانتقادات الاتحاد الاوروبي لمحاولة مكافحة ديمقراطية الحزب لتقويض المحكمة الدستورية البولندية. بناء على هذه النظرية، إذا التزم الاتحاد الأوروبي الصمت، فلن يكون حزب القانون والعدالة معاديا لأوروبا.
ثمة وجاهة في هذا: فالمسؤولون في الاتحاد الأوروبي يجنحون إلى السلطة الأبوية عندما يحاضرون الديمقراطيات الجديدة عن حماية المؤسسات.
غير ان خطاب حزب القانون والعدالة المناهض لأوروبا أعمق. إنهم ينتمون إلى سلالة قومية يقول اتباعها لأنفسهم أنهم سيكونون أفضل حالا لوحدهم من السماح لبروكسل بأن تتسلط عليهم.
قصة القومية تلك كبيرة جدا – وتقدم تفسيرا قويا كيف يمكن أن تكون مناهضا لأوروبا حتى في وجود اقتصاد جيد وعدم وجود لاجئين. هذا الأمر له جذور عميقة في التاريخ البولندي، التاريخ نفسه الذي يبدو أن الاتحاد الأوروبي قد أنقذها منه.
تربى البولنديون على حكايات تعرضهم لخيانات متكررة من قبل القوى العظمى الأوروبية، وأبرزها روسيا وألمانيا. اليوم، تبدو روسيا التوسعية على نحو متزايد تمثل مرة أخرى تهديدا على المدى المتوسط. أما بالنسبة لألمانيا، القوة الرئيسية في الاتحاد الأوروبي، فينظر إليها على هذا النحو من قبل البولنديين من مختلف ألوان الطيف السياسي، حتى أولئك الذين يحبون أوروبا.
ألمانيا لن تنشغل بالغزو بعد الآن. ولكن الهيمنة الاقتصادية لا تزال شكلا من أشكال الهيمنة، تلك التي يمقتها البولنديون الوطنيون.
دائرة أنصار حزب القانون والعدالة هي أهداف منطقية لهذه القومية المناهضة لأوروبا. ما يقرب من 6 ملايين بولندي، أي نحو خمس جميع الناخبين المؤهلين ادلوا بأصواتهم لصالح الحزب اليميني في انتخابات أكتوبر الماضي. لا يغلب عليهم سن الشباب، ولكنهم في منتصف العمر أو كبار السن. وجاء معظمهم من خارج المدن الكبيرة.
بالتالي من المعقول أن التوصل الى نتيجة مفادها أن ناخبي حزب القانون والعدالة يشعرون بأنهم مستبعدون من عملية الهوية الأوروبية التي جعلت بولندا أكثر ثراء. ليس الأمر أن هؤلاء الناخبين لم ترتفع مستوياتهم مع المد الاقتصادي الصاعد – بل فقط أنهم لم يستفيدوا بقدر استفادة النخب الحضرية.
انما تنجح القومية عندما تناشد البديهة النابعة من الحقائق الثقافية التي لا يتعين أن تكون دقيقة من الناحية التاريخية. لذا فالقومية بطبيعتها، تنشط مشاعر التي تقاوم الحجج العقلانية مثل: “لا تقلق، فإن الأمور آخذة في التحسن تدريجيا”.
يمكنك أن ترى أن السلالة القومية اللا عقلانية في مقت حزب القانون والعدالة لفلاديمير بوتين. فكاتشينسكي، زعيم الحزب، يعتقد ان بوتين هو مهندس وفاة شقيقه التوأم في حادث تحطم طائرة عام 2010 في سمولينسك في روسيا.
في الواقع، قيم حزب القانون والعدالة بها الكثير من القواسم المشتركة مع قيم بوتين. فكلاهما يفضل النزعة الاجتماعية المحافظة ودين الدولة، وكلاهما يحنان إلى بعض جوانب حقبة شيوعية متصورة وفرتها الدولة.
ولكن لأن حزب القانون والعدالة هو حزب قومي بولندي، فإن نظامه يتطلب الخوف من كراهية روسيا وزعيم روسيا ، وأي شيء آخر يعتبر خيانة للمشاعر المفهومة التي تتدفق من تاريخ الإمبريالية الروسية.
كراهية حزب القانون والعدالة لأوروبا (أو قل: كراهية ألمانيا) شعور مماثل، لا ينبع من منطق بقدر ما هو شعور الضحية بقوة. لسوء الحظ، هذا قد يعيق أو حتى يقضي على الجهود الاوروبية للضغط من أجل العودة إلى الممارسات الديمقراطية. النقد الخارجي قد يكون في الواقع تعزيزا لحزب القانون والعدالة عن طريق تغذية المشاعر القومية.
العقلانيون – من اليسار واليمين على حد سواء – يعتقدون أن المصالح الاقتصادية تفوق أو على الأقل تشكل الأيديولوجية. انا أعتبر نفسي واحدا منهم.
لكن بولندا اليوم تمثل تذكيرا عظيما أننا لا نستطيع أن نعزو كل المشاعر السياسية القومية لأسباب اقتصادية بحتة. هناك ما هو أكثر اتصالا بالاعتقاد البشري والعمل من الخبز وحده. هذا ما يجدر بنا أن نتذكره عند محاولة حساب احتمالات النجاح لحزب القانون والعدالة – وللشعبوية اليمينية في أي مكان آخر في العالم، من دون استثناء الولايات المتحدة.

نواه فيلدمان
أستاذ القانون الدستوري والدولي بجامعة هارفارد وكاتب عمود في بلومبيرج فيو خدمة واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز – خاص بالوطن

إلى الأعلى