الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / فضائل شعبان

فضائل شعبان

إعداد ـ علي بن عوض الشيباني:
أيها القراء الأعزاء: الليل والنهار يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويأتيان بكل موعود، سبحان من يقلب الأزمان والدهور، وجعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً.
لله في أيام دهره نفحات، والبصير العاقل من يعرض نفسه لنفحات الله ورحماته ، فكلنا محاويج لرحمة الرحمن الرحيم وكرم الودود الكريم ، روي الطبراني عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال:(افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ، يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِه ).
من رحمة الله بهذه الأمة أن جعل فيها منح وعطايا يتجدد بها الإيمان في القلوب، ونحن في شهر كريم يسبق شهر رمضان وهو شهر شعبان، وبالنظر إلي السيرة نسأل سؤالاً: ما هو سر اهتمام النبي (صلى الله عليه وسلم) بهذا الشهر، وما هذه اليقظة التي يتابع بها حركة الزمن والشهور والأيام، فالناس غارقون في هموم الحياة وربما لا يدري أحدهم أين هو الآن وأي شهر هو فيه: أهو في ربيع أم رجب أم شوال أم المحرم سطوة هموم المعاش قد تصيب الإنسان بغيبوبة ويفاجأ أن الزمن قد مر كسرعة البرق فإذا هو يستقبل رمضان، ولكن العابد اليقظ والمحب المشتاق ما هكذا يتعامل مع ربه، وهذا هو النبي يعلم أمته أن تراقب الزمن وتراقب وقتها وحالها مع الله، تقول عائشةُ:(مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلاَّ رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَاماً مِنْهُ فِى شَعْبَانَ) ـ متفق عليه.
ما هو سبب صيامه في شعبان؟ إنه شهر ترفع فيه الأعمال إلي الله فينظر الله فيها وتأتي الفيصلة بالأحوال حسب أعمال العباد، فأحوالنا هي أعمالنا، ومن سنن الله في خلقه أنه لا يغير ما يقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم ، فمن أراد صلاح أحواله فليبدأ بصلاح أعماله. روى النسائي عن أسامة قال: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْراً مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ؟ قَالَ: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عملي وَأَنَا صَائِمٌ). أي: أعمالنا سترفع إلي الله؟ وهل ما مضي في عامنا نحب أن نلقي الله به؟ إن أحسنا فالله يحب المحسنين، وإن أسأنا فالله يحب التوابين، والخوف كله من الغفلة ألا يحسن الإنسان عملا يبيض وجهه أمام ربه، وألا يتوب من ذنوبه الماضية ليمحو الله بحسنة جديدة ذنوبا قديمة .
والأعمال لا يقيمها إلا الله، فلا تحقرن من المعروف شيئا فلا ندري أي أعمالنا مقبول عند الله، روي مسلم عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت : جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها ، فأطعمتها ثلاث تمرات فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال:(إن الله عز وجل قد أوجب لها بها الجنة أو أعتقها بها من النار).
وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ ما أعجبها في المرأة ثيابها البراقة ولا ذهبها وحليتها وإنما أعجبها مشهد الرحمة التي أودعها الله في قلوب الأمهات، وحينما يقال: إن الله أرحم بعبده من الأم بولدها فتذكر مشاهد الرحمة التي أودعها الله في قلب كل أم والله حتي في قلوب الدواب العجماء وبعض العقارب تضع صغارها بعد الولادة علي ظهرها فيأكلون من جسدها حتي تموت الأم ليحيا أولادها، كل هذه الرحمة حولنا هي فيض قطرة من بحر رحمة . جزء واحد من مائة جزء، فكيف تكون رحمة الله التي يرحم بها عباده يوم القيامة، اللهم يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما ارحمنا رحمة من عندك تغنينا بها عن رحمة من سواك، ولا تكلنا إلي أنفسنا ولا إلي أحد من خلقك طرفة عين، فإنك إن تكلنا إلي أنفسنا تكلنا إلي ضعف وعورة وظلم وخطيئة، إنا لا نثق إلا في رحمتك.
كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يقلب بصره في السماء وفي صدره رغبة لا يبديها تأدبا مع الله، فلا يريد ان يقترح علي ربه شيئا إلا أن يُحى إليه فيه شيء، فقد كان يرغب في تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلي المسجد الحرام أول بيت وضع للناس، فعلم الله رغبة نبيه وحقق له مراده وجاء تحويل القبلة في شهر شعبان ونزل قول الله تعالى:(قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره .
خص الله شهر شعبان بليلة طيبة مباركة هي ليلة النصف منه وجعلها أيضا موسما للمغفرة والعفو والرحمة، كم ربنا يحب العفو والمغفرة ؟ لا تكاد تخلو أزمان العام من أوقات للمغفرة، وإذا كان الناس يفرحون بمال أو أرباح أو جائزة فهذه والله هي الكنوز الباقية التي ينبغي أن تفرح بها القلوب وتسعد بها النفوس (قل بفضل الله وبرحمته فليفرحوا هو خير مما يجمعون).
من أراد أن يعفو الله عنه فليعف عن الناس، ومن أراد أن يغفر الله فليغفر للناس زلاتهم، ومن منا لا ذنب له؟ ومن منا لا خطيئة له؟ (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين).
الشحناء سرطان وداء عضال ما دخل قلبا إلا أفسده ، ولا تمكن من نفس إلا أظلمت، وهو الداعية إلي قطيعة الأهل وهجر الأقارب والجيران والأرحام، وهو مانع من المغفرة عند عرض الأعمال على الله: روي مسلم عن النَّبِيُّ (صلى الله عليه والسلام) قَالَ:(تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِى كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِئٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً إِلاَّ امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: ارْكُوا -أَيْ أَخِّرُوا- هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا).

إلى الأعلى