الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / تكـريـم الله للإنسان (82)

تكـريـم الله للإنسان (82)

ناصر بن محمد الزيدي:
الحمـد لله والصـلاة والسلام عـلى سـيـد خـلـق الله وعـلى آله وصحـبه ومـن والاه وعـلى مـن تبعهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد:
وعـن قـيـس بن سـعـد بن عـبادة الأنصاري الخـزرجي، قـال: زارنا رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) في مـنـزلنا فـقال: السـلام عـليكـم وحمة الله وبركاته، فـرد سـعـد ابن عـبادة رداً خـفـيـفاً لم يسمـعه الـرسـول، فـقال له ابنه قـيـس، ألا تأذن للـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم)؟.
فـقال سـعـد بن عـبادة: ذره يـكـثر عـلينا من السلام، فـقال النبي (صلى الله عـليه وسـلم) مـرة أخـرى السـلام عـليـكـم ورحـمة الله وبركاته، فـرد سـعـد رداً خـفـيفـاً، ثـم قال النبي (صلى الله عليه وسلم): السـلام عـليـكـم ورحـمة الله وبـركاته، وسـعـد يـرد رداً خـفـيفـاً، فـلما لـم يسـمع النبي (صلى الله عـليه وسـلم) الـرد رجـع، فـتـبعـه سـعـد فـقال: يا رسـول الله، إني كـنـت أسـمـع تسـليمـك، وأرد عـليـك رداً خـفـيفـاً لتكـثـر عـليـنا من السـلام.
والمفـهـوم من هـذا الحـديـث: أن التسـلـيـم عـنـد الاسـتئـذان يـكـون ثـلاثاً، فـمن سـلّم ثـلاثاً ولم يـؤذن له رجـع، وينـبغـي للمسـتأذن أن يـقـف عـن يـمـين الباب أو عـن يسـاره ولا يـقـف تـلـقـاء الباب بـوجـهه، حتى لا يـرى ما بـداخـل الـدار عـنـد فـتـح الباب، فـقـد كان رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) إذا أتى باب قــوم وقـف بجـانـب ركـنه الأيمـن أو الأيسـر.
وقال تبارك وتعـالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ( (النـور 27 ـ 29).
وقـد شـدد الـرسـول (صلى الله عـليه وسـلم) في الاسـتـئـذان، في حـديـثـه إذ قال:(لـو أن أمـرأ اطـلـع عـلـيـك بغــير إذن فـخـذفـته (قـذفـته) بحـصاة فـفـقـأت عـينه ما كان عـلـيـك من جـناح، فأين نحـن الـيـوم من تـلك التعـاليـم الإسـلامية السامـية، والأخـلاق الفـاضـلة، فـما أوتي الـعـالم الإسـلامي من تـركـها، وعـن أبي مـوسى الأشـعـري، قال: قال رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم):(الاسـتـئـذان ثـلاث، فـإن أذن لـك، وإلا فـارجـع) ـ متفـق عـليه.
وعـن ربـعي بن حـراش قال: حـدثـنا رجـل من بنـي عـامر أسـتأذن عـلى النبي (صلى الله عـليه وسـلم) وهـو في بـيت، فـقـال:أألـج؟ فـقال رسـول الله (صلى الله عـليه وسـلم) لخـادمه :(أخـرج إلى هـذا فـعـلمه الاسـتئـذان، فـقـل له: قـل: السـلام عـلـيكـم أأدخـل؟ فـسمـعه الـرجـل، فـقال: السـلام عـليـكـم، أأدخـل؟، فأذن له النبي (صلى الله عـليه وسـلم) فـدخـل) ـ رواه أبو داود.
وكـرهـوا أن يـقـول المسـتأذن كلمـة: (أنا) عـنـد سـؤاله عـن شخـصـه، لأن كلـمة (أنا) لا تعـرف بالمسـتأذن، ولا يـعـرف صـاحـبها فـلا بـد بإفـصـاحه عـن نفـسه باسـمه أو بكـنيتـه المشهـور بها لأنه أحـرى أن يـعـرف.
والاسـتـئـذان عـنـد دخـول البـيـوت والاسـتـئناس بأهـلها، والتـسليـم عـلى أهـلها أدب عـظـيم مـن الآداب الإسـلامية، وخـلـق مـن أخـلاق القـرآن الكـريـم، وقـد جـعــل الله البـيـوت سـكـناً يـفي إليها الناس، فـتسـكـن أرواحهـم وتطـمـئـن نفـوسـهـم، ويأمـنـون عـلى عــوراتهـم وحـرماتهـم، ويـلقـون أعـباء الحـذر والنصـب، فـتهـدأ أعـصابهـم، والبـيـوت لا تـكـون كـذلك إلا حـين تـكـون حـرماً آمـناً، لا يـدخـله أحـد إلا بـعــلـم أهـله وإذنهـم، وفي الـوقــت الـذي يـريــدون، وعـلى الحـالـة التي يحـبـون أن يسـتـقـبـلـوا الناس عـليها، لأن الإنسـان قـد يـكـون متـعـباً أو في عـمـل يـشـغـله عـن اسـتـقـبال الناس.
وأدب الاسـتـئـذان أدب عـظـيـم الـقـدر، لـو اتبـعـه الناس لتـسامـت أخـلاقـهـم ولعـمـت المحـبة والـوئـام بيـن أفـراد المجـتـمعـات البشرية، وما نـراهـم اليـوم في المجـمـعـات الإسـلامية، من الفـوضى والاضـطـراب في الأخـلاق، ومن التـفـكـك الأسـري، ومـنها الاسـتـئـذان ومصافـحـة النساء الأجـنبيات للـرجـال، الـذيـن لـم يتخـلـقـوا بالأخـلاق الإسـلامـية ، ولا تـذوقـوا حـلاوة الإيـمان.
قال الشـاعـر:
وإنما الأمـم الأخـلاق ما بقـيـت
فإن هـم ذهـبـت أخـلاقـهم ذهـبـوا
وكـذلك يحـدثـنا القـرآن الـكـريـم عـن أدب الاســتـئـذان، عـنـد الجـواري والخـدم والأطـفـال، قـال الله تعـالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الـنـور ـ 58).
وقال فـيـما يتعـلـق باسـتـئـذان الأطـفـال، ومتى يسـتأذنـون، قال تعـالى:(وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الـنـور ـ 59).
أيها المـؤمـنـون أنظـروا إلى هـذه الأخـلاق السامـية، وإلى الآداب الـربانيـة، بعـين الجـد والعـمـل، وكـونـوا قـدوة بأخـلاقـكـم وبـسلـوكـكـم، وعـامـلوا الناس كـما تـريـدون أن يـعـامـلـوكـم به، ووطـنـوا إليها أنفـسـكـم ، يـقــتـدي بها أولادكـم وأهـليـكـم فإذا سـار عـلى تلـك الأخـلاق القـرآنـية، والآداب الـربانيـة أفـراد المجـتـمع الـكـبير والـصغـير كانت لهـم مـناراً، يـنيـر طـريق المسـتقـبـل، فهـم عـلى نـور من ربهـم، قال الله تبارك وتعالى:(.. وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ) (آل عـمـران ـ 79).
وقال الله تعـالى:(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ، أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأحـقاف 13 ـ 14)، وقال أيضـاً:(فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (الشـورى ـ 15).
إن كلمة الاستــقـامة تفـيـد معـنى الاعـتـدال والاسـتـواء، فـيـقال اسـتـقـام له الأمـر أي اعـتـدل، كما تـفـيـد معـنى الثـبـوت والاسـتمـرار والمـلازمـة، وقــد جـاء في الحـديـث النبـوي الشـريـف:(اسـتـقـيـمـوا لـقـريـش ما اســتـقامـوا لكـم) أي: دومـوا لهـم عـلى الطـاعـة وأثـبــتـوا عـليها ما دامـوا عـلى الحـق والـدين المستقـيم.
وجـاء في الحـديـث أيضـاً:(الـعـلم ثـلاثـة: آيـة محـكـمة، أو سـنة قائمـة، أو فـريضـة عـادلة)، قال الـعـلماء: إن القائمة هـي الـدائمـة المستمـرة، التي يـتصـل بها العـمـل ولا يـترك.
ومـن هـنا نـفـهـم أن الاســتـقـامة في لـغـة القـرآن الكـريـم، هي الاقـامـة عـلى الإسـلام، والـدوام عـلى هـدى الله عـز وجـل، والـتقـيـد بـقـيـوده والـوقـوف عـنـد حــدوده والاســتجـابة لأوامـره والانتهاء بنـواهـيه، واجـتـناب محـارمه.
.. البقية في الاسبوع القادم.

إلى الأعلى