السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الطبقة والميثولوجيا في “إسرائيل”

الطبقة والميثولوجيا في “إسرائيل”

علي بدوان

”كثيرون من اليهود الشرقيين وافقوا على المعادلة إياها بحكم انعدام البديل، بسبب رغبتهم في الاندماج مع باقي الطوائف والأقوام اليهودية. غير أن ثمن الاندماج كان أحيانًا عاليًا جدًّا، فالقمع الاقتصادي، من إنتاج الرأسمالية الصهيونية الأشكنازية الغربية الراغبة في إدامة التمييز الطبقي والاجتماعي بين اليهود ذاتهم.”

تتزايد داخل “إسرائيل” وبشكلٍ مُستمر استشراء حالة التذمر والتمرد لدى القاعدة السفاردية اليهودية الشرقية في سياق صراع الطوائف، بعد أن أكلت الطوائف الغربية اليهودية الأشكنازية كل موارد “إسرائيل” وتركت لليهود للشرقيين فتات الموائد على طاولة التمييز الطبقي بمنحاه الاجتماعي والاقتصادي.
فاللعبة الطائفية بين الأطراف اليهودية (سفارديم، أشكناز ..) هي لعبة الهيمنة الطبقية التمييزية قبل غيرها، فضلًا عن تأثير امتدادها للوسط العربي الفلسطيني داخل الأرض المحتلة عام 1948، والواقع تحت نير التمييز المزدوج: الطبقي، والعنصري القومي، عدا عن التمييز الديني. واللعبة التمييزية داخل الدولة الصهيونية التي طالت اليهود ذاتهم، وخلقت مفهوم “أبناء الطوائف الشرقية”، وهي التي فرضت على الشرقيين من اليهود قواعد اللعبة “الطائفية”.
كثيرون من اليهود الشرقيين وافقوا على المعادلة إياها بحكم انعدام البديل، بسبب رغبتهم في الاندماج مع باقي الطوائف والأقوام اليهودية. غير أن ثمن الاندماج كان أحيانًا عاليًا جدًّا، فالقمع الاقتصادي، من إنتاج الرأسمالية الصهيونية الأشكنازية الغربية الراغبة في إدامة التمييز الطبقي والاجتماعي بين اليهود ذاتهم. فهناك اختلاف جماعات الهوية التي تعيش في المجتمع الصهيوني: إثيوبيين، روس، مهاجرين عمل وشرقيين … الخ، بين جماعات الأقلية هذه والأغلبية المهيمنة في “إسرائيل” من يهود أوروبا، حيث تقوم خطوط من عدم المساواة، وتتراكم العلاقات المُعقّدة بين الهوية والدين والطبقة.
إن حالة من التحوّل الملموس بدأت تطفو منذ وقتٍ طويل على سطح الأحداث والتفاعلات الداخلية في “إسرائيل” مع تزايد الافتراق الطبقي والثقافي والمجتمعي، وتعاظم قوة التمييز الطائفي، وتقدم الهم الطبقي المعيشي على عوامل “العبرنة”، وحتى عوامل الصهينة، وكل ذلك ساهم في تراجع العوامل التي دفعت نحو انبثاق “الدولة الإسرائيلية” كما حَلُمَ بها مؤسس الحركة الصهيونية وصاحب كتاب “الدولة اليهودية” تيودور هرتزل.
إن تلك تحولات لاتعني بكل الحالات بأن المجتمع الاستيطاني اليهودي على أرض فلسطين المحتلة، سائر نحو أي من التفكك أو التماسك بل نحو نشوء التكتلات والجماعات. ففي الجانب “الإسرائيلي” الداخلي الخاص من هذه العملية نلمس الحجم الكبير من التناقضات والتداخلات. فمثلًا: إن طيف واسع من التشكيلة الاجتماعية “الإسرائيلية” اليهودية بدأت تتجه نحو تأكيد التشكيلات الإثنية القومية الخاصة والاستيطانية (أكثر من خمس وثلاثين اثنية بجذورها القريبة: 1,9 مليون من اليهود من أصول أوروبية/أميركية، 858 ألفا من أصول تعود إلى دول الاتحاد السوفييتي السابق وهي المجموعة هي الأكبر في إسرائيل، 500 ألف من أصل مغربي، 300 ألف من أصل بولندي وروماني، 180 ألف من أصل عراقي، 180 ألف من أصل يمني، 64 ألفا من اليهود الفلاشا، والباقي من أصول مختلفة: سوري ـ إيراني ـ مصري…) على التعارض من عملية الأسرلة اليهودية الصهيونية، وبالمقابل هناك اصطفافات كبيرة تجنح داخل الدولة العبرية نحو اليمين واليمين التوسعي التوراتي (شاس، المفدال، يهوديتهتوراه، مجموعات وأحزاب قوى الاستيطان.. الخ…).
وفي هذا المضمار من تداخل العوامل المتناقضة يمكن أن نلحظ هرما وقاعدة ملموسة من المجتمع اليهودي “الإسرائيلي” تتجه نحو تشكيلات اجتماعية طبقية أفقية تتمركز على محاور مصالحها ونحو “الأسرلة” في صياغة هيكلية الدولة والمجتمع على قاعدة صهيونية و”إسرائيلية” الجميع في المجتمع، ووأد عملية الانبعاث القومي لمن تبقى من الشعب الفلسطيني صامدًا في مناطق فلسطين المحتلة عام 1948.
إن ملاحظة هذه التطورات ورؤية التناقضات والتعارضات في بنية “المجتمع الإسرائيلي” اليهودي على أرض فلسطين (الجذور والمنابت القومية، الإثنية، الطبقية الاقتصادية، الأيديولوجية/الفكرية والسياسية والثقافية … الخ) عامل هام ومؤثر في رسم وتخطيط الأداء الفلسطيني والعربي في السياسة اليومية والاستراتيجية، ولإعمال العقل حول ما يجري داخل كيان دولة “إسرائيل” وفي سياق مواجهة السياسة التوسعية “الإسرائيلية” الصهيونية وأيديولوجية “إسرائيل” العنصرية الصهيونية التي تَعتَبر نفسها دولة اليهود فقط وليست دولة كل مواطنيها.
إن المناخ السياسي والاقتصادي الطبقي والاجتماعي داخل “إسرائيل” يقود بالضرورة فئات من اليهود ومنهم يهود الاتحاد السوفياتي السابق باعتبارهم الإثنية الأكثر عددًا والأحدث تواجدًا، وهم الذين قدموا إلى فلسطين في الهجرة التوسعية التهويدية الأخيرة ومعهم فئات من الفقراء من اليهود الشرقيين المسحوقين بلا أمل، للتحول تلقائيًّا تجاه المسارب المظلمة، من مسالك العنصرية ضد العرب والمتعطشة للدم، فزعيم اليهود الروس أفيجدور ليبرمان بنى قوته السياسية ووزنه الانتخابي في الشارع “الإسرائيلي” الصهيوني على الكراهية الفاشية العنصرية المعادية للفلسطينيين وللعرب بشكل عام. وفي السنوات الأخيرة بات ليبرمان يروج نظرية مفادها أنه إذا أعادت إسرائيل “مناطق للفلسطينيين” يجب أن تأخذ من الفلسطينيين “مناطق موازية”. كما يدعو ليبرمان إلى سلخ منطقة المثلث (ذي الأكثرية العربية الساحقة) وضمه للضفة الغربية، مقابل “إعادة” مناطق من الضفة الغربية إلى “إسرائيل”.
وبالنتيجة المنطقية، إن المجتمع اليهودي على أرض فلسطين كمجتمع مهاجرين قادمين لأسباب أمست طبقية بالدرجة الأولى لتحسين الظرف الاقتصادي والحصول على امتيازات مُغرية، هو مُجتمع مقسوم داخليًّا رغم الوحدة الظاهرية، الخارجية الجارفة. وإلا فكيف تبرز في مدينة بتاح تكفا مثلًا (المقامة على أراضي قرية مَلبِس الفلسطينية) مجموعة نازية تمارس الطقوس التي يقوم بها النازيون الجدد في ألمانيا وفي أوروبا الغربية عمومًا، وكيف يُمكن أن تقوم عصابة نازية جديدة، بالذات بين اليهود؟ هناك مَن يقول إن هؤلاءالشباب الذين جُلبوا إلى “إسرائيل” من روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وفشلوا في التكيّف والانسجام مع “المجتمع الإسرائيلي” وتدهوروا وصولًا إلى تبني العقيدة النازية. كذلك هناك استقطاب طبقي حاد، يجعل الهوة بين النخبة الغنية جدًّا والفئات المسحوقة هوة عميقة جدًّا، مذهلة ومخيفة معًا. واليائسون من التقدم الشخصي يسقطون إلى مهاوي العنصرية البهيمية المعادية للعرب، أو إلى النازية الجديدة مباشرة حتى بين اليهود أنفسهم.
إن فحص الأحداث المتعلقة بالحراكات الداخلية في “المجتمع الإسرائيلي”، تُثبت مرة ثانية كم هو عنصري ومصاب بالنزعة الإثنية والطبقية هذا البناء المسمى بالدولة العبرية الصهيونية، وكم هو أمر ذو صلة البحث في سياسة الهوية في الدولة العبرية الصهيونية بعد حوالي سبعة عقود من قيامها الطافر. كما تكشف أيضًا مسألة الطائفية والانغلاق التفريقي والطبقي ضمن الدين اليهودي ذاته، والانغلاق الثقافي اللذين يميزان أنماط تفكير المجتمع اليهودي على أرض فلسطين التاريخية.

إلى الأعلى