الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إنَّها أَوَّل حرب عالمية غير مُعْلَنَة!

إنَّها أَوَّل حرب عالمية غير مُعْلَنَة!

جواد البشيتي

”ستظل الولايات المتحدة محتفظةً بالسيطرة على كل ما تعتبره مواقع استراتيجية لها في قارات ومناطق وأقاليم العالم؛ فالفراغات الاستراتيجية التي ستُحْدِثها ستكون مختارة ومنتقاة، مؤديةً الغرض الاستراتيجي منها، وهو توريط منافسيها وخصومها الدوليين والإقليميين في حرب عالمية جديدة، يقودها التعصب الديني والطائفي والمذهبي والعرقي، وتستنزف قواهم جميعًا.”

أوصاف كثيرة وُصِفَت بها السياسة الخارجية لإدارة الرئيس أوباما، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: “الضعف”، “التَّردُّد”، “قِلَّة (أو انعدام الحزم)”، “الانسحاب (والانكفاء والتراجع) أمام روسيا وإيران، وغيرهما، “التخلِّي عن دورها القيادي والريادي” لمصلحة قوى دولية منافسة لها.
لقد رأينا إدارة الرئيس أوباما تتخذ من المواقف “الضعيفة” في أزمة شبه جزيرة القرم ما خَلَق انطباعًا أنَّها سلَّمت بالأمر الواقع، وهو ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا، وأنَّها تشجِّع سيِّد الكرملين بوتين على المضي قُدُمًا في نهجه الجديد (السوفياتي، أو الستاليني). وكان لموقفها هذا أثره السلبي في نفوس حلفائها الجدد في الجمهوريات السوفياتية السابقة، وفي أوروبا الشرقية؛ فهؤلاء استبد بهم شعور بأنَّ التحالف مع الولايات المتحدة لا يمكن الاطمئنان إليه، والتعويل عليه كثيرًا، وبأنَّ هذه الدولة يمكن أنْ تتخلى عنهم، وتخذلهم، في أي وقت.
حتى في جنوب وشرق أوكرانيا لم تتخذ الولايات المتحدة من المواقف إلا ما يَصْلُح لدولةٍ تريد استعراض ضعفها، لا قوَّتها؛ ومع ذلك كان أمرًا لافتًا، ومثيرًا للخيال السياسي، أنْ تَفْهَم الولايات المتحدة، وتُفسِّر، ما وَقَع في القرم وشرق أوكرانيا، على أنَّه استعادة تاريخية (جاءت من “روسيا بوتين”) للظروف والأجواء النفسية التي كانت قائمة عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية، والتي اتسمت جوهريًّا بانفجار روح التعصب القومي والعرقي، وبصعود النُّظم الشمولية والاستبدادية، وبتنامي حضور وتأثير قوى اليمين المتطرِّف.
ولقد صَوَّر لافروف هذا “التراجع” على أنَّه البداية لقيام “قيادةدوليةجماعية”؛ وكأنَّه أراد أنْ ينعى مرحلة انفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم.
متغيِّرات كثيرة عرفها العالم، وما كان لها أنْتنزل على الولايات المتحدة بردًا وسلامًا؛ فإمَّا أنْ تُسلِّم (القوَّة العظمى في العالم) بالأمر الواقع، وتقبل التخلي عن احتكارها قيادة العالم والتحكم في شؤونه، كما اعتادت، وتغدو جزءًا من “القيادة الدولية الجماعية”، وإمَّا أنْ تنتهج نهجًا جديدًا، غايته النهائية هي إجهاض محاولات منافسيها الكبار للتأسيس لنظام دولي جديد، والعودة في وقت لاحق إلى بسط هيمنتها الأحادية على العالم.
إنها تتصرَّف الآن (وهذا ما يجعل سياستها تبدو متناقضة) كمثل زعيم عشيرة، اعتاد تزعُّم عشيرته، زمنًا طويلًا، من غير أنْ يجرؤ أحد على تحدِّي زعامته، ومنافسته في الزعامة؛ ثمَّ تغيَّرت الأحوال، وبرز منافسون وخصوم له، ويتَحدُّون وحدانية زعامته؛ فما كان منه، وهو الذي عمل زمنًا طويلًا على بذْر بذور الأزمات والنزاعات بين أبناء عشيرته، إلا أنْ اعتكف في بيته، نافضًا يديه من أمور وشؤون عشيرته، تاركًا الأزمات والنزاعات، التي بذر بذورها، وتحكَّم فيها زمنًا طويلًا، تنفجر تباعًا، متحدِّيًا كبار منافسيه وخصومه أنْ يثبتوا أهليتهم لإدارة وتسيير الأمور، ولتسوية المنازعات والخلافات،وإطفاء نيران الحروب التي اندلعت هنا، وهناك، أمَّا توقُّعه فهو أنْ يفشل سعيهم، وأنْ يتورَّطوا هُمْ أنفسهم في هذه الصراعات المدمِّرة، ويتكبدوا من الخسائر ما يجعل عودة زعيم العشيرة إلى الحكم بلا منازع مطلبًا لهم، لا له.
إنَّ الولايات المتحدة، وعلى الرغم ممَّا انتابها من ضعف في جوانب عدة من جوانب قوتها الشاملة، تظل أكبر من أنْ تنعزل ضمن حدودها، أو ضمن مجالها الإقليمي؛ لكنها، في الوقت نفسه، ستُمارِس من الانعزال والانطواء (والانكفاء، والانسحاب) ما يفي بغرضها الاستراتيجي، وهو خَلْق مناطق فراغ في العالم لا يملأها من منافسيها وخصومها الدوليين والإقليميين إلا من اختار أنْ يُوْقِع نفسه بنفسه في هذا الأتون، والذي به تُتَرْجم الولايات المتحدة فَهْمَها الاستراتيجي لنظرية “صراع الحضارات والثقافات”؛ وهذا الصراع لا يعني في منطقتنا إلا صراع الطوائف والمذاهب والأعراق والقوميات.
ستظل الولايات المتحدة محتفظةً بالسيطرة على كل ما تعتبره مواقع استراتيجية لها في قارات ومناطق وأقاليم العالم؛ فالفراغات الاستراتيجية التي ستُحْدِثها ستكون مختارة ومنتقاة، مؤديةً الغرض الاستراتيجي منها، وهو توريط منافسيها وخصومها الدوليين والإقليميين في حرب عالمية جديدة، يقودها التعصب الديني والطائفي والمذهبي والعرقي، وتستنزف قواهم جميعًا؛ أمَّا هي فلن يضيرها بشيء أنْ تخوض هذه الحرب بالسلاح تبيعه للمتقاتلين، وبالتصرف في طريقة لا تفيد إلاَّ في سكب مزيد من الزيت على نيران بعض النزاعات (الحميدة من وجهة نظر مصالحها). ولقد رأينا بعض خصومها يلعبون هذه اللعبة وُفْق القواعد التي حدَّدتها هي لهم؛ فاقتتال خصومها هو طريقتها الفضلى الآن في قتالها لهم جميعًا.
إنَّها “العزلة الإيجابية التكتيكية المؤقتة”، لا “العزلة بمفهومها السلبي والضَّيِّق”، هي التي شرعت تسير في مسارها الولايات المتحدة؛ فظاهرها “عزلة (وانعزال وانطواء وانكفاء)”؛ أمَّا باطنها فهو “هجوم مضادة”، تشنه الولايات المتحدة بأيدي غيرها (ومنهم خصومها) لا بيديها هي؛ ولا هدف نهائيًّا لهذا الهجوم المضاد، المتسربل بالعزلة، إلا زلزلة الأرض تحت أقدام منافسيها وخصومها الدوليين والإقليميين، وإنهاكهم، واستنزافهم، وتشديد الحاجة العالمية، من ثمَّ، إلى عودة الولايات المتحدة إلى قيادة وحكم العالم بلا منازع، وكأنَّها طائر الفنيق الذي يخرج من تحت الرماد (والذي هو رماد العالم وخصومها) أكثر قوَّة وحيوية وجمالًا.
ثمة قوى عالمية تُنافِس (وتُصارِع) الولايات المتحدة، في مقدمها “روسيا بوتين”، والصين، والاتحاد الأوروبي، واليابان؛ وفي عالَمٍ كهذا يَصْعُب على الولايات المتحدة أنْ تعيش كما تريد؛ وينبغي لها أنْ تعود، عودةً مؤقَّتةً، إلى “المَصْدَر التاريخي (والقديم)” لقوَّتها العالمية، ألا وهو “العزلة (عن العالَم، وإلى حين)”، تاركةً العالَم يَسْتَجْمِع بنفسه أسباب “انفجارٍ عالميٍّ جديدٍ”، يشبه “حربًا عالميةً ثالثةً”، لا تتورَّط الولايات المتحدة في خوضها إلا في فَصْلِها الختامي، كما فَعَلَت، مِنْ قَبْل، وفي الحرب العالمية الثانية على وجه الخصوص؛ فالتجربة التاريخية علَّمتها أنَّ انعزالها (عن العالَم، وإلى حين) مع تحرير كل صراعٍ كبير فيه من القيود، ومن قيودها هي في المقام الأوَّل، وتَرْكِ دوله، وتكتُّلاته الدولية والإقليمية، وشعوبه، وأُممه، نَهْبًا لحروب (قومية وعرقية ودينية وطائفية..) وحشية مدمِّرة، تنحل فيها، وتتفكك، دول كثيرة، هو ما يكسبها مزيدًا من الطاقة والحيوية والقوَّة، ويؤسِّس لها هيمنة عالمية جديدة، تستمر زمنًا طويلًا؛ وكأنَّ شعارها: دَعْهُم يتبادلون الهلاك والدمار والتَّفَتُّت..؛ ولسوف نعود لنَحْكُم العالَم (الجديد) بلا منازِع؛ فالقرن الحادي والعشرون تريد له أنْ يكون قرنها وحدها!
العزلة الجديدة للولايات المتحدة (والتي تشبه انسحاب جيشٍ انسحابًا تكتيكيًّا منظَّمًا) لن تكون تامَّة؛ ولن تشبه عزلتها القديمة إلا قليلًا؛ فهي ستُزاوِج بين العزلة وبين الاحتفاظ بما يشبه مواقع استراتيجية عالمية متقدِّمة؛ وبدلًا من سياسة “إدارة الأزمات (والنزاعات والصراعات) والتَّحكُّم فيها”، والتي انتهجتها زمنًا طويلًا، ستَنْتَهِج سياسة مدارها “تحرير الأزمات” من كل قَيْد، وتَرْكها تنفجر، وتَرْك العالَم، من ثمَّ، نَهْبًا لـ”الفوضى الخلاَّقة”، التي مِنْ رحمها سيُوْلَد عالَم جديد، بدولٍ جديدة، وخرائط جديدة.
عزلتها الجديدة للولايات المتحدة ستكون أقرب إلى الخيار التكتيكي منها إلى الخيار الاستراتيجي، وستشبه عزلتها الأقدم، والتي دعا إليها أوَّل رئيس لهذه الدولة، جورج واشنطن، في الشكل أكثر مِمَّا ستشبهها في المضمون!
الولايات المتحدة ما عاد في مقدورها العيش في عالَمٍ تُنازِعها زعامته (السياسية والاقتصادية والمالية) قوى عدة، فعَزَمَت على التَّراجع إلى الوراء خطوات عدة لتَقْفِز، من ثمَّ، قفزتها التاريخية الكبرى، مستعيدةً حُكْم العالَم بلا منازِع؛ وفي أثناء هذا “التَّراجع التكتيكي المنظَّم” تَسْتَبْدِل “تفجير الأزمات” بـ”إدارتها”، تاركِةً الألغام التي زرعتها من قَبل، أيْ في أثناء إدارتها للأزمات، تَنْفَجِر، بدءًا بـ”الألغام العربية”!
في أثناء “تراجعها التكتيكي المنظَّم”، تلعب الولايات المتحدة لعبة “إحداث الفراغ الاستراتيجي” في بعض المناطق، فيندفع منافسوها وخصومها (الدوليون والإقليميون) لملء هذا “الفراغ (الذي اصطنعته)”، والذي هو أقرب ما يكون إلى “الفخِّ” و”الهاوية”، فيقتتلوا ويصطرعوا، ويفقدوا السيطرة على كل نزاع، وليس على النزاع بينهم فحسب؛ وفي هذا الصراع “يموت” كثيرٌ من “كبار الدائنين” للولايات المتحدة، فتتخلَّص، في هذه الطريقة، من كثير من ديونها، ويغدو العالَم بأسره سوقًا كبيرة لصناعاتها العسكرية، فتدور عجلة اقتصادها بقوَّة صادرات الأسلحة، وتمتص (من طريق بيع السلاح) جزءًا هائلًا من كتلتها النقدية الخارجية (نحو 16 تريليون دولار). وأخيرًا، تعود إلى العالَم في شكل المنقذ والمخلِّص، وبمشاريع تشبه مشروع مارشال، فيَغْدو القرن الحادي والعشرين قرنها.
الآن، والآن فحسب، أصبح في مقدور الولايات المتحدة تفجير “قنبلتها التاريخية”، ألا وهي تَرْك العالَم نهيًا لحروبه القومية والعرقية والدينية والطائفية..؛ والسبب يكمن في “الاغتناء النفطي والغازي” للولايات المتحدة؛ فهذه الدولة، التي كانت في تبعية استراتيجية للنفط الأجنبي، والمتأتي من منطقة الخليج على وجه الخصوص، هي الآن دولة “مُسْتَغْنِية نفطيًّا”، قَيْد التحوُّل إلى الدولة الأولى عالميًّا في تصدير النفط والغاز، والأولى عالميًّا، أيضًا، في احتياطاتها من النفط والغاز. ولقد أسَّس الباحث صامويل هنتجتون، سنة 1993، نظريًّا لهذا النمط من الحروب العالمية إذ “توقَّع” دخول العالَم مرحلة صدام الحضارات والثقافات، قائلًا: “إنَّ الثقافة والهويات الثقافية، أي الحضارات بالمفهوم الأوسع، ستكون نمط الصراع والصدام والتفكك في حقبة ما بعد الحرب الباردة”.
ويبدو أنَّ المبدأ الذي تسترشد به السياسة الخارجية للولايات المتحدة الآن هو “دَعْهُم” يقتتلون، في حروب هي أقرب ما تكون لجهة ماهيتها وطبيعتها إلى مفهوم “صراع الحضارات والثقافات”، والذي هو الأساس النظري لحروب ونزاعات مشحونة بشحنة هائلة من التعصب القومي والعرقي والديني والطائفي؛ وكأنَّ الولايات المتحدة اكتشفت أنَّ قتالها لخصومها يمكن ويجي أنْ يأتي من طريق جَعْل هؤلاء الخصوم يقتتلون.
ستظل الولايات المتحدة محتفظةً بوجود استراتيجي، متعدد الوجه، في بعض المناطق والمواقع الإقليمية والدولية، والتي تشبه رؤوس جسور لعودتها اللاحقة إلى حكم وقيادة العالم، الذي أنهكته واستنزفته ودمَّرته الحروب والنزاعات “بين الحضارات والثقافات”، والذي غرقت في فوضاه العارمة قوى دولية كبرى منافسة للولايات المتحدة، وعانت ما عاناه غيرها من مصائب وكوارث انفجار صراع الحضارات والثقافات، لتتهيَّأ من جديد الفرصة التاريخية لعودة “المُنْقِذ” و”المُخلِّص” العالمي، ألا وهو الولايات المتحدة، التي نَفَثَ التاريخ في روعها أنَّ الحروب العالمية هي دائمًا خشبة الخلاص لها من أزماتها، وأقصر الطرق إلى استعادتها المفقود من هيمنها العالمية.

إلى الأعلى