الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / فالس يعود بخُفَّي الحمدالله!

فالس يعود بخُفَّي الحمدالله!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

بادئ ذي بدء تراجعت فرنسا عن إزماعها طرح مقترح قرار في مجلس الأمن بشأن المؤتمر المنوي، مرجئةً ذلك إلى ما بعد ما دعته التوافق الإقليمي الدولي عليه قبل طرحه على المجلس. وكذا تنازلت عن الجدول الزمني لإنهاء المفاوضات التي كانت تنص عليها المبادرة. كما تخلَّت عن وعدها بالاعتراف بالدولة الفلسطينية إذا فشلت مبادرتها. هذا دون أن ننسى أن مشروع قرارها المقترح يتضمن اعترافًا بيهودية الكيان الصهيوني، وإنها، أما وقد ندمت على خطيئة تصويتها لصالح قرار اليونيسكو، فقد وعدت بتصحيح ما اقترفته في التصويت القادم.

رغم مآلها، الذي ما كان من غير المتوقع سلفًا، ما زال الفرنسيون يحدِّثون العالم عن مبادرتهم الموءودة. ويصرُّون على تمسِّكهم بأهداب مؤتمرها الدولي المقترح باعتباره المتكفِّل بمحاولة تخليص البسيطة من حكاية المسألة الفلسطينية لو قيِّد لهم عقده. والمفارقة أنهم أيضًا ليسوا من بين المتفاجئين بمثل هذا المآل، إذ إنهم كانوا يدركون سلفًا كسواهم، وقبل إرسالهم لوزير خارجيتهم، ثم لاحقًا رئيس وزرائهم، أنها مرفوضة قطعًا من إسرائيلهم، وهذه لم تألُ جهدًا في إيضاح ذلك مقدَّمًا لهم ولسواهم، ويعلمون أنه لن يجدي مبادرتهم نفعًا ترحيب رام الله بها وحماستها لها، حتى قبل إعلانها واتضاح مضمونها، ولا موفور الدعوات الصالحات من قبل معشر الأطراف التسووية العربية… لم تكتفِ رام الله الملتاثة تسوويًّا بالترحيب والحماسة، بل علَّق أوسلويوها على مذبحها كل عدة شغلهم المعهودة تسهيلًا منهم لأمرها وانتظارًا لخلَّبي بروقها. أجَّلوا مشروع شكواهم العتيدة لمجلس الأمن حول التهويد المستفحل والمستعمرات المتضخمة، ووضعوا جانبًا حدوثة إزماعهم التوجه إلى محكمة الجنايات الدولية، ومعها مقولة نيَّتهم دعوة مجلس الأمن لحماية الشعب الفلسطيني.
والآن، وقد عاد فالس من حجيجه للكيان خالي الوفاض، إلا من التزام الحمدالله بمبادرته المرفوضة، محددًا في نفس الوقت موعدًا لمؤتمره المقترح هو الثالث من الشهر الآتي، فلسوف تكثر في ديارنا التكهنات وتُستحب التأويلات لسر تمسُّك الفرنسيين بجدث مبادرتهم الفقيدة، وفي غموض ذلك التمسُّك، لسوف يجد الحمدالله وأوسلويوه في رام الله ومساندوهم من معشر العرب ما سيدفعهم للمزيد من التعلق بقشتها وإن فشلت والتعلل بأوهامها وإن انقشعت.
في تعقيبه الغاضب على تصويت صديقته التاريخية فرنسا لصالح قرار اليونيسكو بشأن الأقصى، لم يجد نتنياهو في جعبته عبارة ألطف وقعًا من قوله “إن فرنسا لا تخجل من نفسها”، وبالنظر إلى سرعة تبدل المواقف الفرنسية التي أعقبت ردة الفعل الصهيونية التي لخصتها هذه العبارة النتنياهوية، ومعها مجمل المواقف الفرنسية التي رافقت مآلات المبادرة منذ بداياتها وحتى عودة فالس الخائبة، قد لا نجد ما هو أفضل لتوصيفها، أو أدق، من استعارة عبارته هذه، لكن لتدليل على ما هو غير ما قصده صاحبها، لا سيما وإننا قد شهدنا سلسلةً من التراجعات الفرنسية المتلاحقة في كل من التصويت والمبادرة تزلفا لنتنياهو واسترضاءً له دون جدوى، وصولًا إلى إبداء الندم على خطيئة التصويت، ومسخ المبادرة شيئًا فشيئًا بتراجعات تنقِّيها من كل ما يوحي بتعارض ما مع جوهر الاستراتيجية الصهيونية أو يخرج عنها، أو تكيِّفها قدر الإمكان مع ما قد يرضي نتنياهو عنها. ومع هذا رُفضت.
بشأن التصويت سارع الفرنسيون للقول إنهم لم يصوتوا لقناعة منهم، وإنما كانت محاولةً منهم لإغراء الفلسطينيين وجرِّهم لحضور مؤتمرهم الدولي المقترح، ووصف رئيس الوزراء فالس قرار اليونيسكو بالبائس والذي كان يجب عدم إقراره، ولاحقًا أبغ وزير الخارجية ايرلوت نتنياهو بأن خطأ التصويت الفرنسي هذا نابع عن سوء فهم “ويتعهَّد شخصيًّا بأن لا يتكرر”، وتفانى الزائر توددا فكرر جوهر ذات اللازمة الغربية التليدة، لقد “جئت برسالة واضحة. الصداقة مع إسرائيل دومًا في قلبي”، كما وليست في قلبه وحده بل إن “أمن إسرائيل في قلب اهتمامات فرنسا”… هذا ما يتعلق بزلة التصويت غير المغفورة في اليونيسكو، فماذا عن التراجعات التي شهدتها هذه المبادرة، التي كل ما تهدف إليه أصلًا هو إنقاذ أوسلو حرصًا على مصلحة المحتلين، بتحسين شروط وجود واستمرارية سلطتها في ظل احتلالهم، لا سيما وقد تحوَّلت موضوعيًّا إلى مجرَّد ذراع أمني في خدمتهم؟
بادئ ذي بدء تراجعت فرنسا عن إزماعها طرح مقترح قرار في مجلس الأمن بشأن المؤتمر المنوي، مرجئةً ذلك إلى ما بعد ما دعته التوافق الإقليمي الدولي عليه قبل طرحه على المجلس. وكذا تنازلت عن الجدول الزمني لإنهاء المفاوضات التي كانت تنص عليها المبادرة. كما تخلَّت عن وعدها بالاعتراف بالدولة الفلسطينية إذا فشلت مبادرتها. هذا دون أن ننسى أن مشروع قرارها المقترح يتضمن اعترافًا بيهودية الكيان الصهيوني، وإنها، أما وقد ندمت على خطيئة تصويتها لصالح قرار اليونيسكو، فقد وعدت بتصحيح ما اقترفته في التصويت القادم.
وإذ عاد فالس من زيارته الترويجية لفلسطين المحتلة بخفي الحمدالله، فلعل عزاؤه أن نتنياهو، الذي رفض مبادرته جملةً وتفصيلًا، قد أبدى استعداده للجلوس وحيدًا مع أبو مازن في ضيافة باريس، وأن لا مانع لديه من تسمية استضافتها لهما بالمبادرة الفرنسية!
قبل عودته خائبًا، وإبان استقبال الحمدالله له في رام الله، تذكَّر الأخير أن “22 عامًا من المفاوضات لم تؤدِّ إلى شيء مع الإسرائيليين”، لذا أكمل “لا نريد هذه المرة أن يفلت نتنياهو من الأسرة الدولية”…كيف؟! يجيب: إن “على الأسرة الدولية أن تمارس الضغوط عليه حتى تحقيق الدولة الفلسطينية المستقلة”!
…بينما نتنياهو يستبدل وزير حربه يعلون، صاحب نظرية “كي الوعي الفلسطيني” بليبرمان، صاحب فكرة تدمير السد العالي في مصر وتحويل قطاع غزة ملعبَا لكرة القدم، ويحل حاخام هدم الأقصى يهودا غليك عضوًا في الكنيست خلفًا للمستقيل يعلون، تغيب عن الحمدالله أن الـ22 عامًا من المفاوضات التي لم تؤدِّ إلى شيء قد سبقتها ووازتها سبعون عامًا من المراهنة البائسة على مجتمعه الدولي…

إلى الأعلى