الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة فنية في معرض “على مشارف الحُلم” لـ “سلمان الحجري”

قراءة فنية في معرض “على مشارف الحُلم” لـ “سلمان الحجري”

أقيم مؤخرا في متحف بيت الزبير من 3-18 مايو الجاري

لكل حركة فنية خلفية فكرية فلسفية استندت إليها وتأثرت بها في استنباط مصطلحاتها ومنهجها الفكري، وخلفية شكلية استمدت منها سمات فنونها ومقايسه.
وفي موضوعنا اليوم نتناول المعرض الشخصي الأخير للدكتور الفنان سلمان الحجري وبالذات تجربته الأخيرة، التي قادتنا إلى آخر الحركات الفنية لما بعد الحداثة Deconstruction التي تعود لمنهج التفكيك الذي جاء به الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا ( 1931 – 2004 ) في مجال اللغة.
ولفهم الفنون التفكيكية ينبغي معرفة منهجها الفكري والفلسفي والشكلي، والذي نستعرضه في المحاور الآتية:
أولا- معنى مصطلح التفكيك: يقول دريدا أن مفردة Deconstruction نادرة ومجهولة في فرنسا، وجدت معانيها في النحو؛ التفكيك هو مصطلح مضلل في دلالته المباشرة ولكنه ثري في دلالاته الفكرية. فهو في المستوى الاول يدل: على التخريب وهي دلالات تقترن عادة بالأشياء المادية المرئية.
ولكنه في مستواه الدلالي العميق يدل على تفكيك الخطابات والنظم الفكرية وإعادة النظر اليها بحسب عناصرها والاستغراق فيها وصولا الى الالمام بالبؤر الاساسية المطمورة فيها.

ثانيا- الخلفية الثقافية التي تسببت في ظهور المنهج الفكري التفكيكي:
في العقود الثلاثة الاخيرة من النصف الثاني للقرن العشرين حصل رد فعل شديد على الفلسفة المثالية المادية، واعتبر دريدا ان عدم الانتماء وضياع الهوية هو سبب العدمية التي جعلت الانسان يفقد ماهيته، فالتهديم الذي يبدو ظاهرة اساسية في الفن الحديث هو مظهر من مظاهر العدمية وفقدان الهوية التي همشت الانسان.
لذا توجهت الثقافة ونتاجاتها المادية توجها انسانيا معتمدة على الفلسفة الواقعية الجديدة التي تؤمن بأهمية الخصائص الظاهرة للعين المدركة بالأحاسيس المباشرة التي اتخذ فيها الجانب الانساني اهمية كبرى، فكل مايصنع لأجل الانسان الذي يجب مراعاة عاداته وتقاليده وثقافته وحضارته، واتسم انسان هذا العصر بانتمائه الشديد الى ظروفه ومعطياته.
اثرت العوامل الثقافية هذه في تكوين حركة مابعد الحداثة، التي ضمت ظواهر ادبية (السيميولوجية والبنيوية والتفكيكية ) ناهضت العقل المنفصل عن التأريخ والزمان، ودعت الى وحدة الزمان الانساني، وصار الفكر الادبي المعاصر رديفا للفلسفة، واحتلت اللغة أسمى الأمكنة ونهضت على الجهود اللغوية الحركات الفنية (السيميولوجية والبنيوية والتفكيكية) لما بعد الحداثة.

كما أن الاكتشافات العلمية والنظريات الفيزياوية التي ظهرت في العقود الثلاثة من النصف الثاني من القرن العشرين؛ وهي النظرية النسبية والنظرية الذرية والنظرية الكمية،غيرت جذريا الكثير من المفاهيم والحقائق لدى الانسان، فكل ما كان يرى على انه حقائق ثابتة أصبح في موضع شك. ـــ إذ أوضحت الفيزياء الحديثة بأن طبيعة الزمن ليست مستقلة عن الكون، فلايمكن التحدث عن الزمن بدون التحدث عن الفضاء، والزمن لا يسير بشكل خط مستقيم، وان كل المقاييس المتعلقة بالفضاء والزمان هي نسبية.
ـــ كذلك فإن الفيزياء الكمية هي الاكتشاف الآخر المهم الذي اثر في التحول من الفيزياء الكلاسيكية الى الفيزياء الكمية التي حطمت الفارق القديم مابين الملاحظِ والمُلاحظ ولم تعد تقتصر مهمة الانسان على المراقبة فقط بل اندمج هو ايضا في العلم، ويكمن المبدأ الاساسي لهذه النظرية في:
أـ مبدأ الشك والريبة ( ان هناك عنصرا من اللاحتمية في العمليات الاساسية في الكون وان هناك حدودا لقابلياتنا في المعرفة والتنبؤ بالحالات والعلاقات الفيزياوية، أي يجب تقبل مجال للخطأ).
ب ـ مفهوم الاحتمالية (ليس لحوادث الطبيعة سببا معروف دائما بوضوح، ونحن فقط نستطيع التنبؤ باحتمالية حدوثه).

ج ـ مفهوم الفوضى ( تكمن القوة العظمى للعلم في قابليته على ربط السبب بالنتيجة، ولكن هناك ظواهر لا يمكن التنبؤ بها بالرغم من معرفة القوانين السائدة في الكون؛ لأنه يوجد في طبيعة هذه القوانين خاصية الفوضى او العشوائية).

كما بينت الاكتشافات العلمية الحديثة في علوم الحياة والعمليات البايولوجية للنشوء بأن الصدفة هي من الضروريات، ولا تعتبر الصدفة دائما دليلا على الفشل، وإنما هي مكونة لها قيمة كامنة في عملية الإبداع، ويظهر هذا بوضوح خاصة في أعمال الفنانين.

فضلا على ما سبق فإن التغيرات الجوهرية في رؤية الانسان لعالمه، وبدأ التوجه نحو الشمولية والتماثل، والتحول من المجتمع الصناعي إلى مجتمع معلوماتي، والتطور والانتشار السريع لتكنولوجيا الاتصالات ( تكنولوجيا المعلومات + الاتصال عن بعد ) وتقنيات الوسائط، وشبكات الاذاعة والتلفزيون، والمحطات الفضائية وأجهزة الاتصال المحمولة، واجهزة الفاكس، وانظمة المواصلات السريعة.
جميع هذه التقنيات الجديدة حفزت تجارب إبداعية وخبرات غير موجودة سابقاً، من خلال خلقها حقائق جديدة تشوش الحدود مابين الحقيقة والخيال.
ـــــ كما إن النمو المتزايد في وسائط النقل، وسرعتها، وكثافتها يقلل كل يوم من تمركز حياة الانسان في بنى ثابتة، وأصبح التنوع والاختلاف هو النظام الطبيعي للعالم.
ان كل هذه التطورات مهدت الطريق لتحدي عالم الفكر، العقل المستقر المتوازن غير القابل للتشكيك.
هكذا أخذتنا تجارب الدكتور الفنان سلمان الحجري في لوحتي ( حديث الارض 1 و 2) إلى بنية غنية مفتوحة ومحملة بالمعنى مثل حياة الانسان، فلا حدود بين الاشكال والرموز، والكتابات، لاتوجد نقطة ثابتة للعناصر، ظهرت تكوينات لأشكال غير متناظرة، غير مستقرة ومتنافسة ومتعددة المحاور والبؤر.
كما ظهر في اعماله الاهتمام بالبعد الرابع وبتواصلية واستمرار الزمان والفضاء، وان الفضاء هو فضاء من التعارضات والأحداث وليس من الاشياء، وكأن اللوحة معرض للاختلافات المستمرة والتي نعيش واقعها الفعلي في الحياة.

د.منى العوادي أستاذ مساعد الطباعة بجامعة السلطان قابوس
المراجع :
- دريدا ، جاك (1988 ) ،الكتابة والاختلاف ،ترجمة كاظم جهاد ، تقديم محمد علال ، دار توبقال للنشر ،الدار البيضاء.

- Derrida,Jacques,Foster,Kurt,Wenders,Wim.(1992),The Berlin City Forum,Architectural Design And Experimentation ,Vol.62,No.11/12, Academy Edition , London.

- Norris,Christopher,Benjamin,Andrew(1988),What Is Deconstruction? Academy Edition , London.

إلى الأعلى