الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تاريخيات

تاريخيات

التنافس بين شركات الهند الشرقية الأوروبية في الخليج (2)

نواصل الحديث في هذا الموضوع حول التنافس بين شركات الهند الشرقية الأوروبية في الخليج والذي بدأناه في العدد الماضي، حيث لم تكتف شركات الهند الشرقية الهولندية والبريطانية من استدخال تكاليف مبالغ الحماية في ظل السفن الحربية الحاملة للمدافع، وإنما استطاعت أيضاً بتركيبتها المؤسسية الخاصة وبتوظيف الوكلاء على نطاق عالمي، وهو هدف لم يستطع أحد تحقيقه في تجارة المضاربة التقليدية. وقد تم هذا بتكوين الأصول على المدى البعيد، وليس عن طريق الربح السريع المباشر، وتحقيق التحكم الاحتكاري بالسلع الاستراتيجية بتكوين الأصول في التجارة العالمية تعبران عن سياسة جديدة في التجارة، مما أدى إلى التحول الاقتصادي لصالح غرب أوروبا بشكل نهائي، مع التفوق العسكري الهولندي أولاً، ثم البريطاني، والفرنسي ثانياً، ونتج عنه انتقال مركز الثقل الاقتصادي التقليدي من موانئ الشرق بما فيها موانىء البحر المتوسط إلى المحيط الأطلسي، الذي أصبح مركز الثقل الاقتصادي في التجارة العالمية في القرن الثامن عشر.
وتجدر الإشارة إلى أن السلع الاستراتيجية تختلف بما تدره من الأرباح، وبمقدار الكمية المتداولة في الأسواق العالمية، وبدرجة تأثرها بالنشاطات الاحتكارية لشركات الهند الشرقية الهولندية والبريطانية، فالحرير الصيني تأثر بدرجة أقل من البهارات، وبخاصة بعد دخول الحرير السوري مجال التبادل العالمي في نهائيات القرن الثامن عشر، وأصبح البريطانيون والفرنسيون التجار الذين سيطروا على شراء الحرير السوري، وقد تأثرت الحركة التجارية في المنطقة بهذه النشاطات الاحتكارية، في حين بقيت تجارة المضاربة التقليدية ضئيلة، في الوقت الذي حققت الشركات الأوروبية مكاسب كبيرة، واستطاعت في النهاية الحصول على نصيب الأسد من عمليات البيع والشراء في السلع الاستراتيجية، مما أثر ذلك سلباً على مجتمعات المنطقة، وهذا ما يؤدي فيما بعد إلى شن بعض الهجمات وظهور المقاومة العربية ضد الهيمنة الأوروبية، إلى أن تستطيع بريطانيا في النهاية السيطرة السياسية العسكرية، وتبدأ مرحلة الاستعمار البريطاني للخليج العربي.
وقد تأثرت تجارة السلع عالية السعر مثل البهارات والتوابل بدرجة أكبر من جراء نشاط شركات الهند الشرقية الأوروبية الاحتكارية، وذلك في الفترة المبكرة في النصف الأول من القرن السابع عشر، عندما سيطرت الشركات الأوروبية على تجارة المنطقة التي كان العرب يقومون بتجارتها من الصين والهند والسند، إلى الخليج العربي والبحر الأحمر، ومن ثم توزع إلى أوروبا عن طريق موانىء سوريا ومصر، ولكنها أصبحت تحت سيطرة الشركات الأوروبية التي تنقل إلى غرب أوروبا مباشرة بدون العرب، ومن هناك توزع إلى مختلف الدول الأوروبية والبضائع التي لا يحتاجونها يأتون بها إلى الآستانة، وبقية المدن العربية والإسلامية الأخرى، ويبيعونها بخمسة أضعاف سعرها، ويحققون أرباحاً من ورائها، وبجنون الكثير من المال، مما أصبح معه الذهب والفضة نادراً في الدول الإسلامية، وبدأ يتجه ويصب في غرب أوروبا.
لقد استطاعت هذه الشركات أن تفرض احتكارها على الشرق بشكل تزامن مع ضياع سيطرة العرب على تجارة المحيط الهندي وشرق المتوسط. وهذا التحول شبه الفجائي في انقلاب الموازين التجارية لصالح شركتي الهند الشرقية الهولندية والبريطانية، أدى إلى خسائر اقتصادية كبيرة للموانىء التجارية في المنطقة، ومن ثم تجارة المضاربة التقليدية التي بدأت تختفي، وهذا ما أدى إلى سيطرة هولندا وبريطانيا، ومن ثم فرنسا على مناطق التجارة الرئيسية في المحيط الهندي، حيث مصادر السلع التي كان تجار المضاربة العرب الوسطاء الرئيسيين لها.
وبذلك يمكن القول بأن قدوم شركات الهند الشرقية الأوروبية إلى المنطقة، كانت سلمية برغم مرافقة أساطيلها الحربية لحماية تجارتها، ولكن عندما اكتشف تلك الشركات ومن ورائها حكوماتها الأوروبية دول الشرق في المحيط الهندي، والتي لديها إمكانيات اقتصادية وثروات هائلة ومواد خام غنية، ولكن ليس لديها قوة عسكرية تحمى تلك المقدرات، فبدأت تسيطر عليها عسكرياً وتحكمها استعمارياً.
نظراً لتلك الحالة في بداية القرن السابع عشر، فإن الموازين السياسية والعسكرية اتخذت منعطفاً آخر قبل أن تستقر وتشتد القبضة الاستعمارية على شعوب المنطقة، نتيجة للصراع الأوروبي الذي أعقب خروج البرتغال، فقد استقر الهولنديون في مدينة بندر عباس، قبل البريطانيين الذين كانوا في جاسك ومن ثم هرمز، ولذلك أن وضع شركة الهند الشرقية الهولندية أفضل من شركة الهند الشرقية البريطانية، لتحكمه في تجارة الخليج العربي، عدما ورثت بندر عباس مملكة هرمز، لذلك حدث صراع وتنافس بينهما.
وكانت شركة الهند الشرقية الهولندية مؤسسة كبيرة جدا، وكان يطلق عليها رسميا “شركة الهند الشرقية المتحدة” (V.O.C)، والتي كانت وليدة اتحاد عدد من الشركات التجارية الصغيرة التي قام بها سياسيون هولنديون عام 1602م، وكانت تقوم برحلات منظمة إلى آسيا منذ عام 1595م، يعود سبب مكانة الشركة الهولندية في آسيا حتى منتصف القرن الثامن عشر إلى شخصية الحاكم العام جان بيترسزون كوين (1587-1629)، إذ هو الذي ثبت هذه المكانة، حيث كانت الشركة قبل كوين تسيطر على مواقع قليلة في جزر التوابل، وفي عام 1619 أسس كوين مدينة أوروبية في جاكرتا أطلق عليها اسم باتافيا وهي ذات موقع ملاحي جيد تمكن من خلاله إقامة موقع قوي تعجز أي دولة أوروبية منافسة في التعرض له، ولهذا تمكن من مطاردة الإنجليز في جزر التوابل، كما تمكن من الدفاع عن موقعه في جاوة ضد قوة الأمراء المحليين، وقد استخدم كوين عائدات جزر التوابل لتوسيع باتافيا وتحصينها.

د. محمد بن حمد الشعيلي
باحث في التاريخ الحديث والمعاصر
m-alshuaili@hotmail.com

إلى الأعلى