الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ملامح الغزل في عصر الدولة البوسعيدية

ملامح الغزل في عصر الدولة البوسعيدية

القصيدة الغزلية في الشعر العماني (5)
نأتي في هذا المقال على ذكر شاعر آخر من شعراء الدولة البوسعيدية لنستعرض تجربته في القصيدة الغزلية، ألا وهو الشاعر خميس بن سليم الأزكوي السمائلي (1870- 1935)، ولد في مدينة سمائل حيث الخصب والثمار والحب والجمال. عد الشاعر خميس بن سليم من كبار الشعراء المخضرمين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين الميلادي. ويمتاز شعره بالرقة والسهولة والوضوح وقد تنوعت أغراضه وظهرت فيها مظاهر التجديد والتطور.
وغزل أبي وسيم يبدو واضحا فيه عدم مجانبته أساليب القدماء من وصف محاسن المرأة الجسدية في الخد والقد والصدر والعين وغيرها، ولم يكتف بهذه بل يقر بأنه بات وإياها ليلة ضمنها الأنس والحب بعبيرها الفواح، ولولا تنفس الصباح الذي أفزعهما خوفا من افتضاح أمرهما لظل البشر يغمرهما. ونذكر بعض الأبيات للشاعر التي يخرج فيها من دائرته الضيقة وينفرد على نظرائه ومن سبقهم من الشعراء، نلمس فيها إحساسا قويا بجمال المرأة وحسنها مبرزا عظمة الخالق في صنعه وقدرته، مؤكدا أنه ليس بينهما إلا العفاف والطهر، حيث يقول :
كادت تشف عن الدماء جسومها من رقة البشرات والأبدان
ويكاد ينصدع الجماد بنطقها لعذوبة النغمات والألحان
بهرت لطائف صنع ربك عندها في ذاتها كيف يشهد الثقلان
ولا بد من التعريج على شاعر آخر من شعراء الدولة البوسعيدية، وهو الشاعر العماني الكبير عبد الله بن علي الخليلي. قال في فن الغزل، وعدّ شيخ القصيدة العمانية في النصف الثاني من القرن العشرين، فقد كان شعره ينم عن تمكن في سبك الألفاظ وتصوير المعاني، حتى أنه سمي بأمير البيان، ولا إطراء ولا مجاملة في ذلك فالمتتبع لشعره سيراها حقيقة جليّة أمام ناظريه، وليس الشعر النتاج الأدبي الوحيد له فقد كتب مقامات وقصص تبين الطبقة المتقدمة التي وصل إليها عطاؤه الأدبي الغزير، وكما قال الأديب العماني أحمد الفلاحي فيه: “لو ظهر أمثال هؤلاء في دمشق أو القاهرة أو بيروت لكانوا ملؤوا الدنيا العربية… لكن الحيز الجغرافي العماني هو الذي دسّ هؤلاء من أن يعرفوا”. (ويكبيديا).
ونلمس في شعر الخليلي لونا خاصا يمتزج الحب الدافئ والشوق المتوق بالفخر الهادئ مكونا موسيقى متوازنة الحركات لا صخب فيها ولا ضجيج ، وهذا النوع من الشعر يمثل رسالة حب صوفية إلى المحبوب ، مبرزة كافة التضحيات مهما صعبت ، ومؤكدة اغتزام الحبيب على ركوب الأخطار لتحقيق اللقاء وإطفاء لهيب الأشواق المتفجرة، وحبه ينعدم فيه النواح والبكاء والعويل، ولا نجد للاستغاثة والمسألة أثرا، بل هو حب هامس يدفع دفعته الرضا، والإخلاص، وينضح بالبشر والسعادة. وحتى حينما يشتد به الجوى وتثور براكين الأحزان بقلبه، فإنه لا يندب أو يصرخ، بل يوجه عتابا تختلط به الحرارة بالدفء، والشدة باللين مؤكدا حبه وإخلاصه، حيث يقول:
أيها المتلف قلبي بالهوى كل عضو فيها وجدك برح
ابق قلبي لا يمزقه الجوى إن ما بين ضلوعي لك صلح
ويمتاز شعره بالبساطة في التركيب، واستخدام الألفاظ السهلة المأنوسة ، وحرارة العاطفة ، ووضوح المعنى ، والبعد عن المحسنات البديعية المتكلفة (الأدب المعاصر في الخليج العربي، 1974).
وشيء ما يلفت نظرنا في شعر الغزل للشاعر ” محمد بن شيخان السالمي ” هو وجود قصائد ثابتة في هذا المضمار بخلاف غيره من الشعراء في عمان ، وهذا أوضح لنا اهتمامه بالمرأة وإن كان جانبيا ، والحب في نظره وصل وجفاء ، أما وصله فنعيم دائم وحياة وردية الأحلام ، أما جفاؤه فعذاب وشقام وسهر ، والسالمي برغم تخصيصه قصائد مفردة للغزل إلا أن تناوله لتلك المشاعر لم يخرج عن دائرة القدماء من شعراء الجاهلية والإسلام واستخدامه طريقتهم وأسلوبهم وألفاظهم ، ومن ذلك قوله :
قفنا ساعة نقضي حقوق المرابع بأحمر قان من كنوز المدامع
كذلك أيضا كان الغزل عند السيد هلال بن بدر البوسعيدي. والحب عنده قضية استسلام للمحبوب، حيث نجده يصور تسلّط الحب على قلبه معبرا عنه بقوله (شعراء عمانيون، 1992):
وإن قلت شعرا فهو مجر صبابتي على أنه وسط الضلوع دفين
فمن لفؤاد وهو ولهان خافق ومن لجفون دمعهن هتون
لواعج أحزان وآلام فرقة قد أعتورا قلبي فكيف يكون
أخلاي قد ذقت الأمرين بعدكم وكل شجا غير الفراق يهون
كتمت هواكم برهة بحهد طاقتي وإني به حتى الممات ضنين

وفاء الشامسية

إلى الأعلى