الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / بوح عن الشِّعر

بوح عن الشِّعر

الشَّاعر صندوق مفتوح دائماً، ممتلئاً بمفاجآته دائماً. الكلمات مثل كرات البهلواني في عالمه المدهش بحرية كراته السابحة بكلها الأخَّاذ السَّاحر. الكرات ُحرَّة في يده، كما هو حرٌّ مع كراته، والمُشاهِد ُيبقى مأسوراً بجمالية الصُّورة المتحرِّكة التي يرسمها البهلوانيُّ من كراته ِالمُشكِّلة لحرية الدوران المتطاير.
هكذا تبدو الكلمات ُحرَّة،ً تتدفّق ُمن “حزن في ضوء القمر”، مطلقة ًعنانها بعيداً عن قانونية الأشياء المتأصلة غالباً فيها، متمهّلة ًفي آن مع خطواتها الإيقاعية الحرّة هي الأخرى – كما الكلمات – من الترسيمة العروضية. فتبدو مناجاة الماغوط صورة ًحيَّة، مليئة بدموع الماغوط، وبعيدة عن التَّصنُّع الأسلوبي المحشو دائماً بالتَّزيُّف التعبيري الذي يسقط النص في الأغلال:
“أيُّها الرَّبيع المقبل من عينيها
أيُّها الكناريُّ المسافر في ضوء القمر
خذني إليها
قصيدة َغرام أو طعنة َخنجر
فأنا متشرِّد وجريح
أحبُّ المطر وأنين الأصوات البعيدة
من أعماق النوم استيقظ
لأفكر بركبة امرأة شهية ٍرأيتها ذات يوم
لأعاقر الخمرة وأقرض الشعر
قل لحبيبتي ليلى
ذات ِالفم السكران والقدمين الحريريتين
أنني مريضٌ ومشتاقٌ إليها”
عن حريَّة ِالشِّعر متسائلاً، ماذا تعني هذه الحرية بالنسبة إلى ماهية الشِّعر أولاً، وبالنسبة إلى الشَّاعر/مُوجِدُ النصَّ الشعري ثانياً؟! كيف يمكن ُسبر “ماهية الشِّعر” بعيداً عن القواعد الوزنية العروضية والأخرى المرتبطة بمحيط الشَّاعر من حوله؟! كيف سيتجلى “الفن الشعري” لقرَّاء يقرأون نصًّا فيَّاضاً، يتفرَّد ُبحريَّته كما في نص “رقصة تانغو تحت سقف ضيّق” لرياض الصالح الحسين، نصًّا مشحوناً ببؤسيَّة الواقع. الكلمات هنا، تنتقي ذاتها بذاتها، معبِّرة ًعن الحالة الشُّعورية غير المنفكَّة ِمن كآبة الواقع:
“قلبي سائغ للقضم
ملجأ للأرانب الزرقاء
سمكة قرش بزعانف من صبار شرس
قلبي سائغ للقضم
ويتحرك ببطء على بلاطك الشوكي أيتها الأرض
أيتها الأرض الممتدة من الموت بجدارة
على نصال الخناجر
إلى الموت بجدارة أشد
بواسطة حبل يتدلى من شجرة زيتون مغبّرة
أيتها الأرض المعبأة بالأخاديد
المطلية بالحصى والرصاص
المرتدية عباءة من جسور تصل دائما:
بين القبور والموتى”
غالباً ما ينتابني امتعاض ٌمكتوم من المفاهيم النقدية التي لا تلتحم ُبعالم الشعر النابض. الكلمات – كما عبّرتُ عنه سابقاً – ككرات سابحة على هوائها الطلق، ترسم ُحرية حركتها ضمن نطاق حرية كبرى للكلمات الأخرى الداخلة في نسيج النص الشعري. فهي إذن، حرية ٌفي حرية ٍتحتويها. لذلك، كم أمقت ُتلك الانتقائية المبالغة في تلوين النص بكلمات ٍفاقعة لا تناسب عفوية/حرية الشعر، المقت الذي يشاركه مقت آخر يتمثّل في المحاولات الكثيرة لتقييد الفن الشعري في خانات صندوقية صمَّاء، كتجنيسه تحت مسمَّى “قصيدة النثر” أو أيَّة تسميات أخرى تؤرق بعض النقَّاد والشعراء بهاجس لحوح للتأطير النظري. كان الشعر، وما يزال دائماً، ذلك “النَّهر الذي لا تنزله مرَّتين”، كما هو مأثور عن فيلسوف يوناني أيوني قديم.
بإمكان الفن الشِّعري أن يعبر جغرافية الأمكنة وظرفية الأزمنة، فالشَّاعر ُيُحلّق ُكما يُحلّق ُالعصفور، مفرداً جناحه للرّيح وللسَّماء، عابراً الأرض المؤطَّرة بحدودها إلى الأفق اللامتناهي، بأجنحة المفردات الممتلئة بنغمة رنَّانة، كما في “إنشودة آسيا وأفريقيا”، كما حلَّق عالياً “تاج السر الحسن”. لتبقى إذن، علاقة الشَّاعر بالشِّعر مثل علاقة الدم بالعروق، مثل علاقة الماء بالأرض، أو مثل علاقة الفرح بالسحابة:
“عندما أعزف ُيا قلبي الأناشيد القديمة
ويطلُّ الفجر على قلبي على أجنح غيمة
سأغنّي آخر المقطع للأرض الحميمة
للظلال الزرق في غابات كينيا والملايو
لرفاقي في البلاد الآسيوية
للملايو ولباندونق الفتية
لليالي الفرح الخضراء في الصين الجديدة”
علاقة ٌأصيلة تلتئم دوماً بين البوح والكلمة، حينما يتحيّن الشَّاعر ُفرصة خلاصه، محمولاً على سجيَّته إلى ملاذه الأخير والوحيد الذي يجده ُحاملاً لرؤاه حول حلم أبديّ خارج كينونته ِوحتميته الوجودية. فها هو ذا محمود درويش يتعرّف ُإليها في جداريته التي تبدأ:
“هذا هو اسمك َ
قالت المرأة ُ
وغابت ْفي الممرِّ اللولبيّ
أرى السماء هناك في متناول الأيدي
ويحملني جناح حمامة ٍبيضاء صوب
طفولة ٍأخرى. ولم أحلم بأني
كنت ُأحلم. كل شيء واقعيٌّ. كنت ُ
أعلم ُأنني ألقي بنفسي جانباً
وأطير. سوف أكون ما سأصير في
الفلك الأخير”
يستطيع ُالشَّاعر ُأن يتكلَّم بلسان الجميع، معبِّراً عن الجميع ودون الجميع انتماءً إلى رحابة مطلقة ترفض أيديولوجية المنظور الواحد، والتبعية المشروطة بجماعة معينة، يبدو قريباً من الجميع دون التَّورُّط ِفي فخ الأيديولوجيَّات المنصوبة. ولا يبتعد “أدونيس” كثيراً عمَّا أرمي إليه ِفي نص “أول الشعر”، مستحسناً نسبية التلقي عن اليقينية المرسومة بحذافيرها الدقيقة، كصورة ٍتُعبِّر عن حالات متعدِّدة، ومنتمية إليها جميعاً:
“أجمل ما تكون أن تُخلخلَ المدى
والآخرون – بعضهم يظنّك النّداء َ
يعضهم يظنّك الصدى.
أجمل ما تكون أن تكون حجة ً
للنور والظلام
يكون فيك أول الكلام آخر الكلام
والآخرون – بعضهم يرى إليك زبداً
وبعضهم يرى إليك خالقاً
أجمل ما تكون أن تكون هدفاً
مفترقاً
للصمت والكلام”
تستطيع ُأن تتعدَّد بدلاً من الواحدية التي تجدها مؤطَّرة ًفي جسدك وذهنك الذي يدفعك أن تتحرَّك باتِّجاه واحد، أن تكون بحالة شعورية أو فكرية واحدة، أن تعيش يوماً واحداً، ثمَّ يوماً واحداً ..إلخ، إلى أن تتراكم ُكلَّها في قبضة واحدة نسمّيها العُمر الذي ينساق ُهو الآخر لحتمية الواحدية كعُمر ٍواحد لا يُعاش مرتين.
خلاصة ٌلا مناص منها. لا تنفكّ جميع الاستنتاجات والاستنباطات المنطقية من السُّقوط ِفي شرك الحتمية الواحدية التي تنبئ ُبالعدمية الخالصة، بعد أن يستنفد “العُمر” كامل مخزونه. لذلك، إذا كان الفن الشعري، فن التَّعدُّد، فنّ تشطير الكلمة الواحدة إلى مجازات متعدّدة لا تنغلق في المنظور الواحد لهذا الجسد الواحد، قد يكون الفن الشعري على إثرها مجالاً مفتوحاً لأكثر من حياة في حياة واحدة.

منهل الرئيسي

إلى الأعلى