الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تحت ظل شجرة

تحت ظل شجرة

لـم أكن بلغت الخامسة من العمر بعد حين وعيت الحياة في قرية وادي المر. كانت أصوات النساء وهن يرقصن “الحمبورة” ليلا على سفح كثبان رمل، وغناء الحُداة المنبثقين من الرمال وهم على ظهور إِبِلِهِم خلال مرورهم في درب القوافل الرئيس على أطراف قريتنا، والصور التي أستشف ملامحها من حديث أهلي عنما كان يدور في الصحراء.. كل ذلك كان يثير في نفسي اهتماما فطريا للتعرف على عالم الأشياء والناس خارج محيط البيت.
عندما بلغت السن المناسبة لتعلم قراءة القرآن ذهبت فرحا إلى مدرسة المعلمة شمسه حيث يفترش التلاميذ الرمال النظيفة تحت ظل شجرة غاف شديدة الخضـرة وكثيفة الورق.
على تواضع ثقافة سكان القرية الدينية وتحصيلهم العلمي، إلا أن حرصهم على تعليم أولادهم قراءة القرآن كان شديدا، وكانوا يصـرون على أن يحفظ أطفالهم عن ظهر قلب بعض سور القرآن الكريم بما يتيح لهم أداء الصلوات في سن مبكرة من أعمارهم.
لم يكن دور المعلمة شمسه يقتصر على تعليم الأطفال قراءة القرآن الكريم في الصباح فحسب، بل كانت تستقبل نساء القرية بعد صلاة العصـر.. تحفظهن قصار السور وبعض الأدعية!

***
في ظل غياب والدي المستمر، تولى بعض أقارب جدتي تعليمي مهارات وأساليب حياة البدو، فبدأت بالتدرج مواجهة تحديات الصحراء وعالمها المحكوم بقوانين الصراع من أجل البقاء.. بيئة تتطلب اكتساب منظومة من القيم والمهارات لا يمكن للمرء الاستغناء عنها إذا أراد البقاء في هذه المنطقة التي تعد من أشد المناطق قسوة في العالم.. صيفاً قائظاً وشتاءً زمهريراً!
كنت في الثامنة من العمر تقريبا عندما رافقت رعاة الإبل. كنا نمضي أياما نجوب السهول والوديان بحثا عن أجمة حالفها الحظ إذ ارتوت الأرض تحتها بالغيث أكثر عن سواها.
كان طعامنا يقتصـر على ما تجود به ناقة والدة من الحليب بعد إرضاع صغيرها، وحبات تمر، وبعض ثمار النباتات الصحراوية أو لحم أرنب بري أو غزال تاه عن قطيعه فوقع في مرمى بندقية أحد الرعاة مع شربة ماء من قربة جلد حتى عودتنا إلى القرية.
***
ليس ببعيد عن مرمى الذاكرة مجلس الرجال تحت ظل شجرة غافة أطلق عليها السكان اسم أحد أبطال أساطيرهم “عَكّاز”.. يلتقون تحت ظلها في الغدوّ والرّواح. وعلى رائحة الهواء المعبق بدخان البن الطازج المحمص فوق موقد النار، وصليل فناجين القهوة وحركة الأصابع وهي تفشق حبات التمر لإخراج النوى، يجتمع رجال القرية للتشاور في شؤون حياتهم، وسماع الأخبار، وتسوية خلافاتهم.
تحت ظل تلك الشجرة، أيضا، تستقبل القرية ضيوفها وتكرم وفادتهم. وللبدو طريقتهم في الترحيب بالضيف.. سواء كان عابرا أم قاصدا. إذ ما أن ينزل الضيف عن ظهر مطيته، وقبل أن يلتقط أنفاسه حتى تنهال عليه عبارات الترحيب ويتزاحم الرجال والصبية للسلام عليه بـ”الخشوم” وإفساح أفضل مكان له تحت الغافة.
ما أن يجلس الضيف حتى يبدأ أحد الرجال بسؤاله عن العلوم بعد أن يقدم الواحد منهم الآخر ليسأل الضيف عن أخباره، وفي ذلك حظوة ومنزلة لا ينالها في نهاية الأمر إلا الأكبر سنا أو مكانة!
كما تحتفي القرية بضيف أحد رجالها وكأنه ضيف القرية كلها، فيتحول بيت المضيف إلى بيت سكان الوادي كافة، وتصبح بيوت القرية جميعها بيتا واحدا، لا يبخل أهلها بما لديهم من زاد، حيث تتبارى النساء في تحضير أفضل الطعام ويهرع الرجال إلى ذبح أفضل ما لديهم من ماشية كانت تُعلف للأعياد أو للبيع! ويبالغ البدو في إكرام الضيف حتى من لا يملك قوت غده، بل إن بعضهم يحرم أطفاله من غذائهم لتقديمه لضيف نزل عليهم في وقت الطعام‹*›!
أما عندما يأتي الضيف ليلا، فإن عددا من رجال القرية يفترشون معه الرمال ويتدثرون بالليل وأنجمه الساطعة، وفي الصباح تتقاسم المنازل تحضير الفطور وإكرام الضيف بما لديهم من طعام؛ فروح الجماعة هو مبدأ أساسي في كينونة الإنسان البدوي.
مثلما يتقاسم الناس في الوادي الاحتفاء بضيف أو زواج أو هطول مطر أو مولود جديد أو عودة غائب، فإنهم أيضا يشتركون في أحزان الموت والكوارث! فميت أحد في الوادي هو ميت سكان الوادي كافة، والعزاء فيه لا يقام داخل بيت ذوي المتوفى وإنما يحدّ سكان الوادي في العراء بمكان يتوسط المنازل، وعادة يكون ذلك تحت غافة عكاز أثناء ساعات النهار، وعلى تلة رمل بجوارها خلال ساعات المساء!
***
روت لي أمي بعيدا عن مسمع جدتي، فجيعة أمها بوفاة طفل قبل أن يكمل حوله الأول، وكانت قد أسمته “الظفري” تيمّنا بجدها الكبير. وقالت إنها بكته كما لم تبكِ أم رضيعا يوما، وظلت حزينة عليه حتى جاءت هي.. أي أمي. الظفري لم يكن الفجيعة الوحيدة من نوعها في حياة جدتي؛ فمن بين سـتة أطفال لم يبقَ على قيد الحياة غير اثنين: أمي وخالي.
رُزق أحد سكان الوادي صبيا بعد وفاة طفل جدتي بأسابيع قليلة، وأراد أن يسمي ابنه الظفري، فلما سمعت جدتي بذلك قررت ترك الوادي، وكان ذلك في غياب زوجها. وعندما علم الرجل بعزمها ترك القرية، أتى إليها معتذرا وزاد فوق اعتذاره قسما أنه لن يغادر بيتها إلا ومعه اسم تطلقه هي على ابنه. فكان له ما أراد وأسمته “شاهين”. أهل القرية لم يسمعوا بهذا الاسم من قبل، ولكنهم أحبوه مثلما كانوا يحبون جدتي، ومنذئذ أصبحت النساء الحوامل يقصدن “العودة” لاقتراح أسماء لأجنتهن!
***
سُهُوب الصحراء ورمالها ليست معطاءة، وسماؤها تشح بالمطر إلا فيما ندر، وحين تجدب الأرض ويصيبها المَحْل، يطبق على فيافيها الواسعة الصمت.. لا يقطعه إلا أزيز الريح وهي تعصف أسطح تلال الرمال.

ذات مرة، احتبس المطر أكثر من المعتاد؛ فزرع الخراب ظله على الأرض: جفت الآبار. يبست الأشجار. تبخرت الغدران. محلت الوديان. هزلت الماشية. شحبت وجوه الأطفال، وكان الموت يُعربد بين الفيافي والقفار يقضي على كل ورقة خضراء وجسد يتحرك!
طال انتظار الغيث، وكلما لاحت غيمة من بعيد استبشـر الناس خيرا، وإذا تبددت قبل أن تصل أو عبرت دون أن تمطر، يزداد الخوف ويعم اليأس، فتغدو الحياة مرادفة للموت!
وكعادتهم تداعى سكان المنطقة لإقامة صلاة الاستسقاء: أمضوا أياما يقيمون الصلاة مرة في كل قرية حتى أصاب كل قرية نصيبها الوافر من الدعاء والرجاء.
بضعة أيام مضت بعد صلاة الغيث، تداعت السحب من كل الجهات، فأرعدت السماء وأبرقت وجادت بالمطر؛ فسالت الشعاب، وغمرت المياه الغدران، وتحولت بطون الوديان ومجاريها في غضون أيام إلى مرابع خضراء.. كثيرة الزهر والعشب والنبات. هذه هي الصحراء العربية موت ظاهر إذا شحت المياه وحياة تحت الرمال سرعان ما تنبعث بعد نزول الغيث!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* في كتابه الكلاسيكي “الرمال العربية” يقول المستكشف البريطاني ولفرد ثيسجر، الذي عبر صحراء الربع الخالي مرتين بين عامي 1945 و 1950 بصحبة عدد من البدو، عنهم: “ويظل كرمهم وسخاؤهم على رغم شح مصادر رزقهم وما يملكون أعز ما في ذاكرتي ولأني لم أكن بدويا كان يغيظني تقديم آخر ما تبقى لدينا من طعام للزوار”.

محمد عيد العريمي

إلى الأعلى