السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / أين الغزو المقبل؟ .. يعري دولة العم سام
أين الغزو المقبل؟ .. يعري دولة العم سام

أين الغزو المقبل؟ .. يعري دولة العم سام

عادة ما تستهويني الافلام الوثائقية، ومتابعتها من حين الى أخر، خاصة عندما تستمد مادتها من عوالم بعيدة عنا، يصعب الوصول اليها، كخبايا السياسة، وكيف تدار؟ وماذا يدور خلف كواليسها بالتحديد ؟. أضف الى ذلك، الاعمال التي يمكنك من السفر عبرها في رحلة شيقة لمشاهدة ثقافات وأنماط عيش مختلفة عن تلك التي تحيط بنا.
ذلك بالتحديد ماجعلني اشاهد مؤخرا وثائقي لـ “أخطر مخرج في العالم” كما يلقبه البعض، الصحفي والمؤلف والناشط السياسي الاميركي مايكل مور الفائز بأوسكار افضل وثائقي عن شريطه ” Bowling for Columbine” أو بولينج لكولومباين، والذي يتحدث فيه عن أعمال العنف المسلح ، مشيرا الى مذبحة ثانوية كولومباين التي ارتكبها اثنين من الطلبة في مدرسة ثانوية بالقرب من ولاية كولورادو الاميركية، وراح ضحيتها 12 قتيلا بالاضافة الى نحو 21 جريحا بإستخدام أسلحة ثقيلة.
طروحات مور الوثائقية ورؤيته الناقدة لعديد من القضايا، كانت ومازالت مثارا للجدل، فهي لا تخلو من لغة تهكمية مباشرة، وسخرية صريحة حادة من سياسات أولاد العم سام، ففي عمل آخر له بعنوان ” Fahrenheit 9/11″ أو فهرنهايت11/9، يصحبنا مور في جولة داخل دهاليز البيت الأبيض في ولاية الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، وطريقة تعامله مع الارهاب في خضم أحداث 11 سبتمبر، كما تحدث عن تزوير الانتخابات الاميركية، مرورا بفزاعة بن لادن، ووصولا الى غزو العراق في 2003 وغيرها من النقاط التي تحدث عنها الشريط الذي نال 26 جائزة عالمية بينها سعفة كان السينمائي. كما أنه يترأس حتى الآن قائمة أكبر ايرادات الأفلام الوثائقية في تاريخ السينما.
يقول مور في حديث لوسائل الاعلام تناولته بعض المقالات على صفحات الانترنت، وذلك عقب تسلمه جائزة الأوسكار:”نحن نعيش في وقت انتخابات زائفة، ورئيس مزيف، وقت يرسلنا فيه رجل واحد إلى الحرب لأسباب وهمية، العار عليك يا بوش، فنحن لا نريد هذه الحرب”. في اشارة الى احتلال العراق.
في أحدث أعماله، يدخل مور معركة جديدة مع الرأي العام، حيث يصنع تلك المرة عملا استثنائيا جودة ومضمونا. فهو يكرس أحداث شريطه الذي ظل يعمل عليه قرابة الـ6 أعوام، منذ ان قدم ” Capitalism: A Love Story” أو “الرأسمالية : قصة حب ” عام 2009، لسياسة الولايات المتحدة الخارجية والداخلية، متناولا كيفية سعي حكومات واشنطن على ابقاء اميركا في حالة حرب لاتنتهي. وهو ما يعلق عليه مخرجنا المناهض السينمائي الابرز لسياسة حكومات العم سام : ” إن أميركا بعد هجمات 11 سبتمبر تحتاج باستمرار لعدو ما، لاستمرار عمل المجمع العسكري الصناعي ورعاية الشركات المختصة بادارة تجارة الحروب”. ليس هذا فقط فالعمل ايضا يستعرض اساليب تعامل دول أوروبا والولايات المتحدة مع عدد من القضايا كالرعاية الصحية والتعليم بكافة مراحله.
أين الغزو المقبل؟ (Where to Invade Next) : فيلم وثائقي اميركي من انتاج وكتابة واخراج مايكل مور، وفيه يقرر المخرج الجرئ أن يقدم لبلاده تجربة جديدة في الغزوات التي تقوم بها، بعد فشلها والخسائر التي حلت بها جراء تلك التي قامت بها في تاريخها، تجربة بنكهة فكاهية، سيكون هو بطلها، حيث يأخذ على عاتقه، مهمة عمليات الغزو نيابة عن بلاده.
يحاول مور أن يقدم في شريطه رسالة يربط من خلالها سياسة فرضها قادة الولايات المتحدة على مواطنيهم، بعادات مجتمعية لهم، باتت تشكل مايعرف بنظام اجتماعي خاص بـ”الاميركان”، اسمهت فيه ثقافتهم بشكل كبير، ذلك النظام جعل حياتهم اشبه بالمعارك اليومية، الا أن مور لم يسلم من فخ النقاد الذين اعتبروا انه ركز في الواقع على ماهو ارث ثقافي واجتماعي أكثر من كونه سياسيا، حتى أنهم انتقدوا اسم الشريط ووصفوه بالمضلل، كونه يشير الى أن بلاده سوف تغزو عددا من دول العالم، لكنه في الحقيقة لم يحمل سوى جولته فقط بتلك الدول التي يزورها.
تلك ليست آراء جميع من شاهدوا الشريط، فبعض النقاد جاءت اراءهم بعيدة عن تلك الحدة، حيث اعتبروا أن عمل مور الاخير يحمل اجواء من البهجة والمرح لم تحملها اعماله السابقة جميعها، فقد تخلى الرجل عن الصراخ والعنف واستبدله بضحكات وحوارات خفيفة، لكنه ظل محتفظا بتلك السخرية والتهكمية من السياسات الاميركية.

……………………………..

أحداث

قبل أن ننطلق مع مور في غزواته التي تستمر قرابة الساعتين، يطلعنا على بعض الوعود الاميركية التي لم تتحقق من خلال الغزوات التي قامت بها متذرعة بمحاربة الارهاب وتمسكها بدور “شرطي العالم”، والكوارث التي خلفتها تلك الحروب ابتداء من كوريا و فيتنام مرورا بلبنان وصولا الى افغانستان والعراق، من خسائر مالية وبشرية، اضف الى ذلك خلق المزيد من الحروب والمساعدة على انشاء مجموعات ارهابية جديدة كـ “داعش” خلفا لـ “القاعدة”.

……………………………..

غزوة تلو الأخرى

ايطاليا كانت الهدف الأول لمور، تلك الدولة التي بدى سكانها محبين للحياة، متلذذين بنمط حياتهم الخاص، ومقدسين لقيمة العطلات مدفوعة الاجر التي يكفلها القانون الايطالي لكافة الطبقات العاملة “8 أسابيع سنويا”. وهو المفهوم الذي يستحوذ عليه مور خلال غزوه لهم. لاحظ ان ايطاليا من ضمن أعلى 15 دولة في الانتاجية على العالم، برغم الاجازات الطولية والاستراحات الممتدة بين العمل.
يصل مور الى فرنسا، محطته التالية، ذلك البلد المشهور بمطابخه وذوقه الاجتماعي الرفيع . لن يذهب مور في جولته تلك الى احد المطاعم الـ”فايف ستارز” المشهورة في باريس، لكي يسرق منها أحد أسرارها التي تتميز بها، لكنه يحط في أحد المدارس المتواضعة الواقعة بالقرب من مدينة نورماندي، حيث يذهل من النظام الغذائي المطبق، والذي يشرف عليه اخصائي تغذية لمراجعة القائمة اليومية. ليس هذا فقط، ولكن في المدارس الفرنسية يتم تخصيص حصة يومية لمدة ساعة، لتعلم الطرق الحضارية للأكل، والتغذية الصحية. في أحد المشاهد الساخرة، يستعرض مور للطلبة، مايأكله نظائرهم في المدارس الاميركية، من طعام معلب وأغذية غير صحية، وهو مايستدعي شفقة طهاة المدرسة بقول :” ياللأطفال المساكين!”. اذا رعايا صحية مجانية للمواطنين، تتضمن غذاء متكاملا بجميع المدارس، هو ماينتزعه مور خلال غزوه فرنسا.
الى فنلندا، الدولة الاولى فعليا في تصنيف مستوى التعليم، حيث تمتلك افضل طلاب متعلمين في العالم. السر تفشيه وزيرة التربية والتعليم الفنلندية، وهو” أنهم ليس لديهم واجبات منزلية!، حيث تقول ” تلك الطريقة عفا عليها الزمن..هم من حقهم الاستمتاع بحياتهم خارج المدرسة، وقضاء الوقت سويا أو مع عائلاتهم، وممارسة الرياضة والهوايات الاخرى”. لك أن تتخيل أن افضل طلاب العالم لديهم اقصر سنة دراسية، وذلك بفضل نظام تعليمي أساسي جيد غير شاق يسمح للطلبة بالتقاط انفاسهم.
يستكمل مور غزوته الاوروبية، ليصل الى سلوفينيا ، التي لايعرف طلابها مصطلح “ديون دراسية”، بحسب مور، الذي يشير الى مجانية التعليم الجامعي هناك، والتسهيلات الضخمة المقدمة الى الطلبة الاجانب. وبعد 45 دقيقة ، زمن الوقت الذي استغرقه لقاء مور مع الرئيس السلوفيني، يستسلم الاخير، ويهدي مور ميزة “مجانية التعليم”.
“رفاهية العيش” يستطيع أن يحياها أصحاب “الطبقة العاملة المتوسطة ” تلك الميزة التي لم يجدهما مور في غزوته، الا عندما يحط في المانيا. مزايا اخرى كثيرة لأصحاب تلك الطبقة ـ التي لم يعد لها وجود في اغلب دول العالم ـ تشمل الاجازات وفترات العمل القصيرة، يشير اليها مور خلال وجوده هناك. نقطة اخرى يطرحها مور قبل أن يرحل عن المانيا وهي أن شعبها تصالح مع ماضيه النازي. بحسب اعتقاده، وهي الفكرة التي اراد ايضا ان يطبقها في بلاده التي لا زال يكمن بداخلها “مارد العنصرية”.
البرتغال هي الوجهة التالية، والتي يبدأ فيها مور مناقشة افكار مختلفة عن السابق، فيتطرق الى موضوع الجريمة والعقاب، حيث يسلط الضوء على الغاء القانون البرتغالي تجريم بعض انواع المخدرات، وهي طريقة اثبتت نجاعتها في مكافحة المخدرات، بمعنى ان تعاطيها انخفضت نسبته بعد اقرار القانون. بحسب مسؤولي السلطات البرتغاليين. فيما يطلق مور ضحكات هستيرية، حيث يبدي صعوبة في تصديق أنه داخل أحد السجون شديدة الحراسة في النرويج، كون السجن بدى وكأنه مجمع سكني راقي. أضف الى ذلك رفاهيات ومزايا اخرى يحصلون عليها.
على المستوى الشخصي، أنا ايضا لم اصدق ماشاهدته !. اذا” دولة تسامح .. حين تسجن مواطنيها تعاملهم كبشر” الفكرة التي استحوذ عليها مور من النرويج.
……………………………..

الى تونس وايسلندا

الغزوة قبل الاخيرة كانت في تونس، صاحبة أول شعلة ثورية في مايعرف بثورات “الربيع العربي”، التي أطاحت بنظام بن علي، وخلقت دستورا جديدا يكفل اشتراك المرأة في الحياة السياسية، وفي عملية صنع القرار على قدم المساواة مع الرجل. هذا ليس كل شئ، فحرية العقيدة والديمقراطية الحقيقية ـ غير تلك التي تدعيها أميركا ـ جميعها يستحوذ عليها مور ويحزمها داخل حقيبته ويرحل.
ينهي مور غزوته في آيسلندا، ليطرح مجددا قضية تمثيل المرأة في المجتمع،
وتقلدها لمناصب في السلطة، ليلقي الضوء على نساء وثقن في قدراتهن، وانتخبن الرئيسة فيغديس فينبوغادوتير، أول امرأة في العالم تنتخب بالاقتراع العام المباشر.
وهو الامر الذي يراه مور نادرا في بلاده، وبات أكثر من عادي بدول أوروبا، إذ تصعد النساء هناك الى هرم السلطة وتتقلد مناصب في سدته. ستتغير وجهة نظره بالتأكيد اذا ما حالف الحظ المرشحة الجمهورية هيلاري كلينتون وفازت بالانتخابات الرئاسية الحالية.

أين الغزو المقبل .. وثائقي ملحمي، بلغة ساخرة ورؤى ناقدة للحلم الاميركي الذي لم يتحقق على أرضه. كما يوضح مخرجه.
رحلة عبر ثلاث قارات، تعالج الكثير من المشاكل والقضايا التي تعترض الولايات المتحدة ، غزوات افتراضية للاستفادة والتعلم من تجارب ومقترحات وقوانين في مختلف المجالات.

رؤية : طارق علي سرحان
Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى