الإثنين 29 مايو 2017 م - ٣ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة نقدية في القائمة القصيرة لجوائز الآغاخان لعام 2016

قراءة نقدية في القائمة القصيرة لجوائز الآغاخان لعام 2016

منطق الحوار “والاختلاف بالقبضات” والآلية والناتج -1-
تتميز القائمة القصيرة لجائزة الآغاخان لهذه الدورة باحتوائها على عدة مشاريع تقدم طروحات جادة تؤطر لمفاهيم عمرانية متميزة، تتفاعل مع محيطها بذكاء، كما تقدم في ذاتها أفكارا إبداعية خلاقة تتجاوز المفهوم الكلاسيكي أو الدارج. وبالإضافة لذلك، يجد المتأمل أن القائمة تتنوع جغرافيا بشكل كبير، بالرغم من أن بعض المناطق الجغرافية المكررة ولأكثر من مرة، في الدورات السابقة واحتوائها في ذات الدورة على أكثر من مشروع، يمكن أن يثير بعض الجدل، وبخاصة أن بعض المناطق والأقاليم في العالم العربي والإسلامي ندر أن يصل مشروع منها للقائمة القصيرة فضلا عن الفوز بالجائزة – ومن هذه الدول سلطنة عمان أو الكويت مثلا، رغم معرفة كاتب هذه السطور بتقدم مشاريع جادة من هذه الدول في هذه الدورة والسابقة. ورغم هذه الملاحظة فلا يجب أن يؤخذ هذه النقد على أنه موجّه لمعايير تقييم المشاريع المتقدمة، أو آلية الإختيار ذاتها بقدر ما هو، ربما وبالضرورة، دالة على المستوى العالي للأفكار المتقدمة بما يجعل مهمة لجنة التحكيم العليا، مرورا من لجان التقييم “في الموقع”، صعبة ومضنية، لاستخلاص الأسس والمفاهيم الكامنة في مشاريع ذات طروحات تتجاوز في أهميتها المستوى أو المحتوى الخارجي، لتغوص في الجوهر دون المظهر في الكثير من الحالات. ولكن وبالرغم من الإهتمام “المعلن” الذي تقدمه مؤسسة الجائزة وتوليه في تحقيق أكبر قدر من التحري والدقة في الإختيار، إلا أن الناتج، وربما الآلية، التي تتمخض عنها عملية الإقصاء من المشاريع المقدمة برمتها، مرورا بالقائمة القصيرة، وحتى القائمة النهائية الفائزة، تظل كلها موضع دراسة ونقد. هذا النقد يهدف للتعرف، ربما لإبراز ما قد يراه بعض النقاد تناقضا بين المعلن والناتج، وبهدف التطوير لا للنقد ذاته فحسب. ولذا فالموضوعية كأساس تقدم نفسها في هذا الإطار، ويظل النقد ذاته، معرّضا، ومعروضا، لنقد النقد.

ثلاثية الإختلاف “وحوار القبضات والأيادي” ولجنة التحكيم
بالنظرة العامة العاجلة للمشاريع التي وصلت للقائمة القصيرة يخرج المتأمل بانطباع مفاده أن لجنة التحكيم كانت وبدون شك منشغلة وبشكل تام ولفترة ليست باليسيرة في استخلاص هذه المشاريع التسعة عشر من مجموع يقارب الأربعمائة مشروع التي تقدمت للجائزة، فضلا عن ضرورة إدراك أن هذه اللجنة لا بد وقد أغلقت وغلّقت على نفسها الأبواب، والهواتف النقالة وبالضرورة، ولفترة زمنية غير يسيرة من أجل محاولة الإجماع على مفاهيم تقدمها الترشيحات في العمارة والعمران والحضرية والتنسيق الحدائقي والحفاظ العمراني، وكلها يسهل الإختلاف عليها أكثر من التوافق على معظمها إلا ما كان بارزا من المشاريع بشكل لا يمكن إغفاله. كما يسهل في قراءة ما بين السطور، أن لجنة التحكيم، بتعدد وتنوع خلفياتهم الثقافية والمهنية والعملية والأكاديمية، قد اختلفت وبالضرورة أكثر مما اتفقت، اختلافا وصفه “مازحا” أحد أعضاء لجنة التحكيم في الدورة السابقة وفي ندوة تسليم الجائزة النهائية بلشبونة بأنه اختلاف “مزمن”، ومصيري، وجادّ يجعل صاحبه متمسكا برأيه بحيث يشبّهه صديقنا المحكم، “مجازا” بأنه أقرب إلى “اختلاف منطق القبضة والعراك بالأيادي”. مثل هذا الإختلاف يدل على المدى الذي تنخرط فيه لجنة التحكيم في التفاعل مع الأفكار المقدمة والطروحات الفكرية التي تقدمها مشاريع الترشيحات، وهو أمر صحي تماما ومفهوم، إذ من الصعب، إن لم يكن مستحيلا على لجنة مكونة من تسعة ممارسين للعمارة ومهنيين أن “يجمعوا” أو يتفقوا بشكل مطلق على قائمة من مشاريع من مختلف أرجاء المعمورة، كل يقدم فكرة، ويتخفّى بعضها “تحت الأسمال البالية” بشكل ماكر قد يخدع الناقد أو المحكّم السطحي. وهنا تبرز قدرة المحكّم العبقري في إقناع بقية رفاقه بأهمية طرح قد يراه آخرون على أنه يجب استبعاده من الجولة الأولى أسوة ببعض المشاريع التي تسللت خلسة بين عشرات الترشيحات دون استحقاق. وكم من مشاريع في تاريخ العمارة المعاصرة زاغت، أو كادت، عن النظرة السطحية وكادت تخرج من الجولة الأولى لولا نظرة المحكم البصيرة العبقرية التي أدركت العظمة تحت الأسمال البالية – ونذكر في هذا المضمار من العمارة العالمية أوبرا سيدني مثالا والتي تحولت لأحد أهم المشاريع العالمية في القرن العشرين.

وبهذا المنطق، وانطلاقا مما سبق، يبدو لنا أمرا شرعيا في هذه السطور أن ننضم، ولو متأخرين، لمعركة الإختلاف ونقد ما وصل إليه المحكمون بعد طول عراك، لنزيد الطين بلة ولنؤجج، وندعم “وبقوة”، منطق الحوار المحتدم و”إختلاف القبضات والأيادي”، داخل لجنة التحكيم – والتي أشار إليها صديقنا المحكم مازحا، إذ لم تفت الفرصة بعد، فما زالت هناك جولة قادمة لاختيار المشاريع الفائزة. ومن هنا يحلو لنا أن نستبق عمل اللجنة القادم و”نؤجج” “نار الفتنة” بينهم، ما أمكن، ونقدم رؤيتنا لأهمية المشاريع المطروحة للنقاش – فنرفع مشاريع ونضع أخرى، “متسللين”، وبخبث، تحت ستار “الموضوعية”!

مشاريع: العظمة تحت الأسمال
يلاحظ في الدورات الحديثة للجائزة أنها باتت تركز على مجموعة من المفاهيم المستحدثة التي نقلت معايير اختيارها نقلة نوعية. فبحسب المعلن عنه في أدبيات الجائزة، ونقتبس هنا: “تختلف جائزة الآغا خان للعمارة من حيث توجهها واهتماماتها عن الكثير من جوائز العمارة في العالم، فهي تختار المشاريع التي لا تبرز قدراً كبيراً من التميز في العمارة فحسب، بل وتعمل على تحسين نوعية الحياة بشكل عام، وتتراوح هذه المشاريع من تحسين الأحياء الفقيرة إلى الأبنية الحديثة الشاهقة. وعلى مدى العقود الأربعة الماضية، دافعت جائزة الآغا خان للعمارة باستمرار وثبات عن احتياجات وتطلعات البشر في ممارسة العمارة”. انتهى الإقتباس. وبهذا الإعلان تقدم الجائزة نفسها على أنها المدافع عن الحاجات الأساسية الجوهرية التي تقدمها العمارة بالمفهوم الواسع للكلمة، وبما يحيلها إلى أكثر من مجرد “فانتازيا” أو ناتج فنون تطبيقية رومانسية يطلع بها المعماريون أو المصممون على من حولهم من البشر والبيئة المبنية على حد سواء.

كما تعلن مؤسسة الجائزة عن معيار آخر للتقييم والتكريم يمتد لأبعد من المصمم أحيانا ليشمل جميع المشاركين الفاعلين في الناتج العمراني، بما يفتح المجال واسعا أمام اعتبار العمران والعمارة على أنها “آلية” وليست ناتجا فحسب، وهذه يفرزها فاعلون مشاركون، تتجاوز مفهوم الأنا والفردية. يضاف إلى أهمية الجائزة في تسجيل وتوثيق الأعمال العمرانية، بما يشمل الترشيحات التي لم تتخطى حاجز الفوز النهائي لسبب أو لآخر. تعلن مؤسسة الجائزة بهذا الصدد، وهنا نقتبس: ” كما تختلف جائزة الآغا خان للعمارة عن غيرها من الجوائز، فهي لاتكرم المهندسين المعماريين فحسب، بل يمتد هذا التكريم ليشمل أطراف أخرى مشاركة بالمشاريع مثل البلديات، وعمال البناء، وأصحاب العمل، والعمال المهرة، والمهندسين الذين كان لهم دور مهم في إنجاز المشاريع. ومنذ تأسيس الجائزة قبل 39 عام، حصل أكثر من 110 مشروع على جائزة الآغا خان للعمارة، بينما تم توثيق أكثر من 9000 مشروع معماري آخر”.

وانطلاقا مما سبق يمكن ويسهل تبين اسباب اختيار الفكرة وراء وصول المشاريع التالية للقائمة القصيرة وبالنظر للأفكار الجادة والمبتكرة التي تقدمها، وهنا نبدأ عرضنا النقدي لمشاريع القائمة القصيرة:

أولا – مسجد بيت الرؤوف، دكا، بنغلاديش: يتميز هذا المشروع بأنه يقدم تصورا مبتكرا “غير نمطي” عن عمارة المسجد، تبتعد تماما عن الصورة الكلاسيكية التي سادت عبر تاريخ العمارة المسجدية والتي أطّرها القبة والمئذنة وبقية العناصر الشكلية التشكيلية الأخرى كالقوس والحنية وسواها. وبدلا من ذلك فقد اعتمدت المصممة على خلق جو داخلي يوفر الفرصة للخلوة الروحانية اعتمادا على أنظمة التلاعب بالضوء والكمية المسموح له بالتسلل من خلالها داخل فضاء المسجد. كما أن تاريخ إنشاء هذا المسجد وظروفه، والتلاعب الذكي الرائع في تخطيط الكتل الفراغية بالعلاقة مع زاوية القبلة تعبّر عن القدرة الإبداعية الفائقة للمصممة الذكية. جاء في ملف الترشيح، ونقتبس هنا: ” بعد حياة صعبة، وفقدانها لزوجها وأقربائها، تبرعت الزبونة بجزء من أرضها لبناء مسجد ضمن الحي، وتم على هذا الأساس تشييد هيكل مؤقت لهذا المسجد. بعد وفاتها، قامت حفيدتها وهي مهندسة معمارية بأخذ دور الممول، المصمم، الزبون والباني لاستكمال هذا المشروع. في أحد أكثر أحياء مدينة دكا ازدحاماً، ارتفع المسجد فوق قاعدة تتموضع على محور الموقع، مشكلاً زاوية تبلغ 13 درجة مع اتجاه القبلة، الأمر الذي استدعى الابتكار في تخطيط المسجد. أُدخلت كتلة اسطوانية الشكل داخل مربع لتسهيل دوران قاعة الصلاة، وتشكيل أربعة فناءات على الجهات الأربعة. تشغل القاعة الرئيسة مساحة ترتفع على ثمانية أعمدة طرفية، بينما تشغل المرافق الملحقة المساحة الموجودة بين الفناء الخارجي والجزء الاسطواني. خلال ساعات النهار، تبقى مصطبة المسجد حافلة بالنشاط والحيوية، وتعلوا فيها أصوات الأطفال المنشغلين باللعب، بينما تملأ أصوات الرجال الكبار جوانب المكان في حواراتهم المستمرة بانتظار لحظة الآذان والدعوة إلى الصلاة. تم تمويل هذا المسجد واستخدامه من قبل السكان المحليين، كما استمد تصميمه الإلهام من اسلوب عمارة مساجد السلطنة، فهو يتنفس من خلال جدران من الطوب التي يسهل للهواء النفاذ منها، وذلك بهدف الحفاظ على التهوية والبرودة ضمن قاعة الصلاة. في فترة النهار، يمتد الضوء الطبيعي ليصل جنبات المسجد من خلال كوة في السقف”. انتهى الإقتباس

مشروع محطة الطاقة الجديدة، باكو – أزربيجان، وبالمقابل، يعيد للذاكرة في محاكاته لبناء محطة للطاقة والذي يربض بجانبه، بعض مشاريع النسخ، سواء الحرفي منها أو التجريدي، وبخاصة التي قدمها في المفهوم الحرفي المعماري عبد الواحد الوكيل في المساجد التي بنيت في مطلع الثمانينيات في المملكة العربية السعودية نقلا عن العمارة المملوكية القاهرية. لكن في مشروع محطة الطاقة الجديدة يبدو المعماريون أكثر حرصا على تجنب النسخ الحرفي، وأكثر حنينا وحرصا على الموقع وموجوداته حيث تقع محطة للطاقة في منطقة صناعية قديمة. وبالرغم من الآلية “النظرية” التي قد تبدو متوائمة مع الوضع القائم، إلا أن الناتج يثير علامات استفهام واستفسارات عن المدى الذي يجب فيه “تقديس” القائم بحيث “يتوجب” على الجديد المضاف أن ينسخه، ولو بطريقة رمزية. والأهم هو مساءلة الأهمية التاريخية أو العمرانية للمبنى القائم وبمحدداته وأطره البصرية التي تعود لقرن سابق، وهل فعلا يعد الأثر مهما من ناحية تاريخية بحيث يحدد “وبدكتاتورية” صارمة ملامح الإضافة الجديدة لتبدو كانعكاس “معاصر” للماضي. فهل هذه المعاني تجد لها ركنا في مفاهيم الحفاظ التراثي وملء الفضاء الحضري أم هي مبالغة غير مبررة؟ جاء في ملف الترشيح لهذا المشروع، وهنا نقتبس: ” في البداية، طُلبت المذكرة الأصلية للمشروع من المهندسين المعماريين هدم محطة الطاقة القديمة التي تعود إلى القرن التاسع عشر، والتي تقع ضمن ميناء طبيعي في خليج باكو، لبناء صالة للفعاليات في نفس المكان الذي تشغله. إلا أنه وبعد الزيارة الميدانية للموقع، اقترح المهندسون إنشاء بنائين جديدين ليتم الوصل فيما بينهما عن طريق جسر داخلي، في الوقت الذي يتم فيه تحويل مبنى محطة الطاقة القديم إلى صالة للمعارض. بالنتيجة تم الحصول على محطة طاقة جديدة تطابق القديمة من حيث الموقع والشكل، بينما تصل الساحة الخارجية الموقع الصناعي السابق بالبيئة المحيطة به، والمنطقة الخضراء المتزايدة في الواجهة البحرية للمدينة. تميز التصميم بالبساطة والاعتدال في الحجم، فقد استخدم الخشب والتوتياء في تركيب سطح البناء الكبير والمائل وكذلك الأمر بالنسبة لواجهة البناء، ما يعكس روح الصناعة للموقع، ويمكّن استخدامه بطريقة مرنة ولأغراض متعددة. تم الوصل بين كل من المطاعم ونادي الجاز والمسرح عبر ممرات وطرق للوصول، تسهل عملية الانتقال المرن والسهل بين المبنيين. يعكس تصميم محطة الطاقة الجديدة الشكل الذي كانت عليه المواقع الصناعية قديماَ، وبأسلوب معاصر كذلك.” انتهى الإقتباس. وللمراجعة النقدية بقية

د. وليد أحمد السيد

إلى الأعلى