الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / لا شيء يساوي الصحراء سوى البحر

لا شيء يساوي الصحراء سوى البحر

جمالية الصور في الصحراء المغربية للمصور إحسان الجيزاني
الصورة الفوتغرافية بوصفها لغة ومعنى
شعرت بالحيرة وأنا اتامل الصور الفوتوغرافية للمصور العراقي إحسان الجيزاني: هل أكتب عن جمالية الصورة ام عن جمالية الصحراء؟ صوره الفوتوغرافية اعادتني إلى المعنى الجمالي المتصل بفن التصوير الفوتغرافي المتخم بالتفاصيل الفنية المتنوعة فثمة عين حاذقة تحتال على الجمال ليكون أكثر واقعية.. الصور الفوتوغرافية للفنان إحسان هي التي قادتني أيضا للبحث عن المعنى الجمالي الموازي لأسلوبه في التصوير..ففي الفوتغراف اختار إحسان ان يذهب مباشرة إلى الشكل الفني لالتقاطاته الفوتوغرافية..
إنه يضع عينه (أعني عدسته) على المعنى فكانت صوره لا تجرد الواقع الصحراوي فحسب بل تجرد أثر ذلك الواقع ومن هنا يتطابق الواقعي مع المتخيل أو الفني مع الجمالي بلغة فوتوغرافية صافية تلتهم حتى ذرات التراب المتطايرة والممزوجة بحياة اهل الصحراء.
ثمة شيء جديد في صوره الفوتوغرافية.. شيء يوحي بجمالية مغايرة أكثر من ذي قبل.. هذه المغايرة هي نتيجة لتجربة جديدة مكانها الصحراء المغربية وقد يخيل للمتلقي وهو يتأمل هذه الصور وكانه قد اكتسب الكثير من الطباع والعادات المتصلة بالحياة الصحراوية خصوصا ونحن نصغي إلى حديث الفنان إحسان الجيزاني ومعاناته في الصحراء وتعرضه لمرض شديد بسبب نفاد الماء والذي اضطره ان يشرب من ماء اهل الصحراء الذين استضافوه وقدموا له الكثير من المساعدات المعنوية وبسبب عدم تعوده على هكذا مياه اصيب بتلوث في معدته ومع هذا فقد تحمل اعباء المرض وواصل تجربته الصعبة وعاد إلينا بحفنة من الصور والالتقاطات التي تؤرشف لحياة وطباع وتفاصيل الصحراء وأهلها.
علينا أن لا ننكر جهود المصور إحسان الجيزاني من خلال معارضه المتنوعة والتي اقامها في عدة دول أوروبية وعربية أو تجاربه المختلفة فهو كمصور فوتغرافي تجاوز موضوعة الاحتراف إلى موضوعة التجديد أو الابتكار في الفن الفوتغرافي وهذه ليست مغالاة فمن خلال تجربته الأخيرة في الصحراء المغربية يؤكد لنا بأنه موجود بقوة الشكل الجمالي او الفلسفي المتصل بمعنى التصوير الفوتغرافي وحكمنا هذا يتصل بمخيلة إحسان التي تضفي على الالتقاطة الفوتغرافية شكلا جماليا مغايرا خصوصا في موضوعة البورتريت حيث يركز في موضوعاته على العين بمنتهى الحدة بحيث تبدو لنا وكانها صور حقيقية وليست فوتغرافية وهذه الدقة الحادة في التصوير هي التي قادته إلى البحث عن المعنى الجمالي المغاير وإلى الذهاب بمغامرته لصحراء المغرب وتحمل عبء الطقس الصحراوي القاسي إضافة إلى ذلك يبدو البورتريت وكأنه نسخة طبق الأصل من الشكل الحقيقي حيث تظهر طيات العين والعروق البارزة في الوجه كذلك غطاء الرأس وكأنه أشبه بلوحة فنية وهذه الدقة أيضا تحيلنا إلى موضوعة البعد الثالث في الفن الفوتوغرافي وهو الضوء المنعكس على المصور والالتقاطة وعلى كاميرا التصوير والذي يحتاج أيضا إلى خيال أوسع كما هو معروف…
وصوره أيضا تعيننا على استعادة المناخ الصحراوي بكل تجلياته وتقلباته ومن خلال هذه الإستعادة يدعونا كمتلقين إلى عدم التغاضي عن كل نأمة أو إشارة والتقاطة متصلة بعالم الصحراء المليء بالغرائب والعجائب.

الالتقاطة الفنية الفوتوغرافية المغايرة

الجمال يفعل كل شيء في صوره الفوتوغرافية مثلما صوره تفعل الشيء نفسه المتصل بالمعنى الجمالي فلا يصلح المصور كما يبدو لنا إلا أن يكون محايدا مع الطبيعة ومع تفاصيل الحياة المحيطة بنا فلا يليق به إلا ان يكون محايدا وخصوصا مع موضوعة الجمال بكل مفاهيمه المتنوعة وإحسان الجيزاني يقيم في صوره مثلما تقيم الالتقاطة الفوتوغرافية معه وفي صوره أيضا يقول لنا أشياء كثيرة ولكن بصمت كوني لا يخلف إلا الهمس الموازي لالتقاطاته وإحساسه الفني المغاير.
التقاطاته الفوتوغرافية مصورة بأسلوب يحاكي المعنى خصوصا في الالتقاطة المتصلة برجل الصحراء وهو يلف رأسه بغطاء لا يبرز منه إلا عيناه وهما تحدقان باتجاه يطابق اتجاه نظرة الجمل المرافق له..
هذا هوالشكل الأساسي للصورة وكانها وسيلة الإبداع ومصدره أو أنها الشكل والمضمون معا.
تجربته الفوتغرافية في الصحراء المغربية تنطوي على تمثل أو محاكاة للواقع المتصل بالطبيعة الصحراوية بليلها المغمور بالنجوم وبتلالها الرملية المتحركة وبمتاهاتها وخيامها وسلوكيات اهلها وطبيعة حياتهم اليومية وقد أراد أن يبن لنا من خلال التقاطاته الفوتغرافية أن الاشكال الحقيقية الموازية للواقع متطابقة هي الأخرى مع العلاقة الجمالية بين الشكل الفني والمضمون وهذه العلاقة تقوم أيضا على أسس تجريدية مطلقة تتمثل أيضا بالشكل المرئي لعالم الصحراء وليس هناك من وصف يقربنا من طبيعة الواقع الحقيقية إلا الصورة الفوتغرافية المجردة.
هذا الأفق الصحراوي اللانهائي يكشف لنا أشياء جديدة إذ إنه يقرب الفنان من هدف الغاية وأعني رحلته التي رافقه بها المصور الايطالي ( انطونيو سانتورو) . إن إعادة تصوير الأشياء الصحراوية من زوايا أو اشكال مختلفة لهي أشبه بشخص ينظر بإعجاب إلى عالم صحراوي لا متناهي..
هذا هو الأخلاص الحقيقي للفن..
الإخلاص الذي يتجه صوب الغاية في ذاتها ـ الإبداع ـ او صوب الوصول إلى الأشكال الجمالية ومحاكاتها والاقتراب من وجه الطبيعة المجردة وإعادة إنتاج أشكالها الفنية الخلاقة.
وبهذا قد يكتمل المشهد الصحراوي الذي كان يسعى إليه الفنان إحسان الجيزاني والذي يكشف في نفس الوقت جمالية المشهد الصحراوي نفسه وبوصفه أيضا مكانا متعدد الجماليات. فكانت عدسته تعيش التوثيق وتذوب في جمال الصحراء.

عبد الكريم كاظم
شاعر وكاتب عراقي مقيم في المانيا

إلى الأعلى