الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / إندونيسيا البلد الأكبر في العالم الإسلامي .. معلومة فسؤال فزيارة 2/5

إندونيسيا البلد الأكبر في العالم الإسلامي .. معلومة فسؤال فزيارة 2/5

سعود بن علي الحارثي

” لقد تعرضت أندونيسيا لاستعمار عدد من القوى والدول الكبرى ولعمليات تنصير ممنهجة ومخططة وذلك على فترات , ذاك أن ( جزر إندونيسيا تتمتَّع بموقع ممتاز وأهمية خاصَّة، وبموارد أَوَّلِيَّة ضخمة، وهو ما أطمع فيها الاستعمار بكل أصنافه؛ البرتغالي، والهولندي، والإنجليزي، والإسباني، والأميركي؛ ففي الوقت الذي بدأ المسلمون يُثَبِّتُون أقدامهم في إندونيسيا كانت مخالب الأوروبيِّين من جهة ثانية تَنْشَب فيها لتَجِدَ لها مركزًا ثابتًا مستَقِرًّا في هذه المنطقة .. ) ”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثانيا : من الماضي إلى الحاضر قراءة مختصرة عن أندونيسيا
كلما تراكمت نتائج وخلاصات القراءة المتنوعة والمتابعة اليومية ومشاهداتنا في عالم اليوم المنفتح على بعضه, ومع التقدم الطبيعي في العمر, وتحصيلنا بفضل ذلك على كم أكبر من المعلومات الجديدة تكشف لنا عن اجابات على الأسئلة المطروحة تضاف إلى ما سبقها, تتجدد في المقابل الأسئلة وتتغير وتتطور وتتشكل استفسارات جديدة بشكل منطقي تتواكب مع الحصيلة المعرفية المتسعة والمتزايدة, ذاك لأنها تساؤلات ومعلومات مرتبطة بشعب له ماضيه الضارب في جذور الماضي وتاريخه الذي لا يخلو أحيانا من التناقضات واللبس والسرد غير الموثوق فيه فيحتمل الأمرين , وبمراحل زمنية متتابعة تتفاعل وتعزز وتضيف إلى ما سبقها في أوقات ما, وتجدد ثوبها وتطمس وتزيل ما ورثته في أوقات أخرى , وبشخصيات لا تسلم في تقديمها والحديث عن سيرتها وانجازاتها من المبالغة والتقديس وتسجيل أعمال خارقة تتجاوز الطبيعي والمنطقي, وظروف وأحداث تتغير كذلك من مرحلة إلى أخرى , والتاريخ وثق شيئا وغيب عنا أشياء، فمن الطبيعي أن تظل الكثير من الإجابات معلقة تنتظر جهود الباحثين والمتخصصين في مراجعة ودراسة المراجع التاريخية والقصص المتداولة والمصادر المتوفرة بكل أشكالها وصورها وتنقيحها وتحقيقها ومراجعتها ومقارنتها ببعضها واخراجها وتقديمها كمرجع متكامل لتاريخ وحياة وثقافة شعب ما . واندونيسيا مثلها كمثل عدد كبير من بلدان المنطقة والعالم مرت بمراحل سياسية مختلفة كانت فيها مجزأة إلى ممالك وإمارات ومناطق تتحد وتتسع أراضيها أحيانا وتنفصل في أحايين أخرى , وبفترات استعمار أنهكت الشعب والموارد وحاولت القوى المستعمرة طمس هوية وتاريخ وثقافة الشعب الاندونيسي وتحويله عن الإسلام صاحبتها عمليات مقاومة وتصميم وتحرر لم تتوقف , لقد كان تاريخ إندونيسيا مضطرباً بسبب (التحديات التي تفرضها الكوارث الطبيعية والفساد والحركات الانفصالية وعملية التحول الديمقراطي وفترات من التغير الاقتصادي السريع ) , لقد تعرضت أندونيسيا لاستعمار عدد من القوى والدول الكبرى ولعمليات تنصير ممنهجة ومخططة وذلك على فترات , ذاك أن ( جزر إندونيسيا تتمتَّع بموقع ممتاز وأهمية خاصَّة، وبموارد أَوَّلِيَّة ضخمة، وهو ما أطمع فيها الاستعمار بكل أصنافه؛ البرتغالي، والهولندي، والإنجليزي، والإسباني، والأميركي؛ ففي الوقت الذي بدأ المسلمون يُثَبِّتُون أقدامهم في إندونيسيا كانت مخالب الأوروبيِّين من جهة ثانية تَنْشَب فيها لتَجِدَ لها مركزًا ثابتًا مستَقِرًّا في هذه المنطقة .. ) , وقد قاد المسلمون الإندونيسيون معارك شرسة وثورات متتالية وقدموا تضحيات كبيرة للتخلص من القوى الاستعمارية وتحرير بلادهم من الهيمنة. وكانت اليابان آخر هذه القوى التي استعمرت اندونيسيا, وقد قام الإندونيسيون بعمليات مقاومة ضدَّ هذا الاحتلال، وبعد إلقاء القنبلة الذرية في 1945م , استسلمت اليابان، وبعدها بيومين فقط أُعْلِنَ عن ( قيام حكومة إندونيسية برئاسة أحمد سوكانو ونائبه محمد حتا).
لتبدأ مرحلة جديدة من التاريخ الحديث. وقد مرت اندونيسيا في عهده وعهد خلفه الرئيس الثاني للبلاد سوهارتو بأيام من الرخاء والازدهار الاقتصادي لم تستمر كثيرا إذ تلتها سنوات من الكساد والانكماش والضنك, وقد قمعت العديد من الثورات بكل قوة وعنف في عهد سوهارتو الذي حكم البلاد ما يزهو من ثلاثين عاما حملت الكثير من النجاحات وعوامل القوة والدعم والازدهار في قطاعات بعينها وفي مرحلة زمنية محددة, واخفاقات وسياسات اتسمت بالفشل والانكماش والجمود الاقتصادي وممارسات قمعية خاصة في العشر سنوات الأخيرة من حكمه لإندونيسيا, فقد قادت بلاده منظمة شعوب جنوب شرق آسيا (( آسيان)) , فازدهر الاقتصاد الإندونيسي بمستويات غير مسبوقة وهو ما شجع الاستثمار الخارجي المباشر, وتقدمت حركة الصناعة وتحقق الرخاء الاقتصادي للمجتمع, وقد أعقب ذلك الرخاء انتكاسة اقتصادية وتراجع في الأداء, وانتقل سوهارتو من الديمقراطية إلى السلطوية وأتهم على نطاق واسع بالفساد وقمع المعارضة السياسية. فقد كانت إندونيسيا البلد الأكثر تضرراً من الأزمة المالية الآسيوية عام 1997. وقد أدى السخط الشعبي المتزايد من النظام الجديد إلى احتجاجات شعبية في جميع أنحاء البلاد. فاستقال سوهارتو في 21 مايو 1998. وفي عام 1999، صوت ( التيموريون الشرقيون لصالح الانفصال عن إندونيسيا بعد حكم عسكري دام 25 عاماً وإدانة دولية لقمع أبناء تيمور الشرقية). بعد استقالة سوهارتو، تعززت العملية الديمقراطية وبرامج الحكم الذاتي الإقليمي، وأجريت أول (انتخابات رئاسية مباشرة في عام 2004. فانخفضت حالات عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي ، كما أن أداء الاقتصاد في السنوات الخمس كان قوياً. إضافة إلى أن العلاقات بين مختلف المجموعات الدينية والعرقية متناغم إلى حد كبير رغم كل السخط والعنف الطائفي الذي قد حدث).
لا خلاف بين المؤرخين والباحثين على أن الدين الإسلامي وصل إلى اندونيسيا عن طريق التجار المسلمين وعبر الدعاة، أما تفاصيل ذلك وتاريخه الحقيقي فأمر مختلف بشأنه وتتضارب حوله المصادر التاريخية , إذ أنه من ( العسير تحديد تاريخ بَدْءِ دخول الإسلام إندونيسيا ) مع أن بعض المراجع تتحدث بأن تجارا مسلمين أنشئوا في مراحل زمنية متقدمة
قد يكون ذلك في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجريَّين، أي الثامن والتاسع الميلاديَّين مراكز تِجاريَّة على سواحل كل من سومطرة وشبه جزيرة الملايو , وتشير تلكم المراجع أن أوائل أولئك التجار قد يكونون قدموا من ( جزيرة العرب من: عُمَان، وحضرموت، والساحل الجنوبي لليمن، واتخذوا مراكزهم الأُولَى على الشاطئ الغربي لسومطرة، وكانوا يسمونها سمدرة، وكانوا أهلَ سُنَّةٍ على المَذْهَب الشَّافِعِيِّ، أمَّا الهنود فقد دخلوا الجُزُر بالمَذْهَب الحَنَفِيِّ ) , كما قدم إلى الجزر الإندونيسية في مراحل تالية وعلى فترات تُجَّار من المسلمين الهنود من ( شبه جزيرة الكَجَرَات).
وفي روايات أخرى تاريخية أن تجارا إندونيسيِّين ( وصلوا إلى بغداد أيَّام الخليفة العباسي هارون الرشيد، وعندما قَفَلوا راجعين كانوا يحملون بين جوانحهم عقيدة الإسلام ) فعملوا بعد عودتهم إلى بلادهم بدعوة الناس إلى الدين الإسلامي . ولكن لا تتحدث تلك المصادر عن حجم الاستجابة لتلك الدعوة والأوضاع السياسية السائدة هناك , ولا تجيب على الكثير من الأسئلة ذات العلاقة بدخول الإسلام إلى اندونيسيا , والمؤكد من كل ذلك أنه وفي أوائل القرن التاسع الهجري الخامس عشر الميلادي بدأ الدِّينُ الإسلامي ينتشر بسرعة في أطراف الدولة الاندونيسية، وأخذت ( السلاطين والقبائل المسلمة تُقَاوِم السلطة البوذيَّة في “جاوة”، وكان من أهمِّ تلك السلاطين المسلمة سلاطين “آشِنْ” في أقصى الشمال من جزيرة “سومطرة”، وسلاطين “مَلاكَا” في غربي شبه جزيرة “ملايا”، الذين أسَّسُوا تجارة مستقلَّة عن الدولة مع التُّجَّار المسلمين العرب والفرس والصينيين والهنود، وقد أسلم هؤلاء نتيجة احتكاكهم مع المسلمين العرب والفرس ) . وقد كان لانتشار الإسلام أثره العميق في قيام ممالك إندونيسية متعددة في تلك الجزر، مثل ( مملكة “بنتام” التي أسَّسها الملك حسن الدين في جاوة الغربية، ومملكة “متارام” التي أقامها رجل عسكري يُدعى “سنافاني” في شرق جاوة؛ وبذلك أصبحت جزيرة جاوة مركز إشعاع للدِّينِ الإسلامي، وانتقل منها إلى غيرها من الجزر، وكان هناك أيضًا مملكة “آتشيه” في شمال سومطرة، ومملكة “ديماك” في وَسَط جاوة، والتي أقامها رمضان فاطمي عام 832هـ، وكذلك مملكة “بالمبانج” في جنوب سومطرة … ) . وهو ما يؤكد على أن الإسلام وصل إلى هذه المنطقة وانتشر بين الجزر والممالك الاندونيسية ووجد تقبلا وهوى في نفوس الاندونيسيين بدون حرب، وبالتالي ففي هذا الجزء من العالم تقوم الآن ( جمهورية إندونيسيا، وهي أكبر بلد إسلامي على الأرض ) .
عاصمة اندونيسيا جاكرتا وتتكون من ثلاثة وثلاثين مقاطعة, مساحتها (1919440 كم² 741050 ميلاً مربعاً)، وهي الدولة السادسة عشر من حيث المساحة) , ويبلغ عدد سكانها حوالي (260 مليون شخص)، وتعد في المقابل رابع دولة من حيث عدد السكان ، وغالبية السكان يدينون بالإسلام , أما أعلى قمة في إندونيسيا فهي قمة (بونتشاك جايا) في بابوا ,
والبالغ ارتفاعها 4884 متراً , وتعد بحيرة توبا في سومطرة أكبر بحيرة في البلاد ، إذ تبلغ مساحتها 1145 كم² , أما أطول الأنهار فيقع في كاليمانتان، ويتكون من نهري ماهاكام ونهر باريتو , وتعد همزة وصل مهمة في التواصل والتنقل بين المدن والقرى في الجزيرة . اقتبس اسم اندونيسيا من الكلمة اللاتينية (إندوس وتعني الهند، والكلمة الإغريقية نيسوس وتعني جزيرة) , وتعود التسمية إلى القرن الثامن عشر، أي قبل تشكيل جمهورية إندونيسيا . تنتمي اندونيسيا سياسيا إلى النظام الجمهوري ، وتعد الجمعية الاستشارية الشعبية أعلى هيئة تمثيلية على المستوى الوطني . ومن وظائفها الرئيسية (الحفاظ على الدستور وتعديله واختيار الرئيس وإضفاء الطابع الرسمي على الخطوط العريضة لسياسة الدولة ). ولها صلاحية سحب الثقة عن الرئيس …وتتشكل من مجلسين هما ( نواب الشعب ويتكون من 560 عضواً، ومجلس نواب الأقاليم ويتكون من 132 عضواً ) . تمتلك البلاد موارد طبيعية هائلة، بما في ذلك النفط الخام والغاز الطبيعي والقصدير والنحاس والذهب والخشب الرقائقي والمطاط والمنسوجات . ويوجد في اندونيسيا ما يربوا من 300 إثنية و742 لغة ولهجة مختلفة وتعد اللغة الإندونيسية هي اللغة الوطنية باعتبارها إحدى لغات الملايو، وتدرس بشكل واسع في المدارس، وبالتالي يتحدث بها ما يقرب من كل الإندونيسيين فهي لغة الأعمال والسياسة ووسائل الإعلام الوطنية والتعليم والأوساط الأكاديمية.. ومع أن الدستور الإندونيسي يسمح بالحرية الدينية إلا أن الحكومة في واقع الحال تعترف رسمياً بستة أديان فقط وهي : الإسلام , البروتستانتية , الكاثوليكية , الهندوسية , البوذية . بسبب العديد من المشكلات التي تعاني منها اندونيسيا اليوم والمتمثلة في ضعف الإنتاج مقارنة بالإمكانات الطبيعية والمساحات الهائلة والأعداد الكبيرة من السكان، وارتفاع نسبة الأمية والبطالة، وازدياد الفقر وانخفاض مستوى المعيشة ،وما تعانيه الأمة الإسلامية من ضعف وتمزق وصراعات داخلية وغياب أو فشل المشاريع الوحدوية بين الدول الإسلامية وإهمال المسلمين وتخليهم عن جوهر وقيم الإسلام ومبادئه الحقيقية في معاملاتهم اليومية , فإن اندونيسيا تعرضت لحركات وجهود تنصيرية حثيثة نشطت بشكل كبير منذ منتصف القرن العشرين حيث تمتلك الحركات التنصيرية (إمكانيات تفوق ميزانيات كثير من الدول، وقنوات تليفزيونية، وعشرات الصحف والمجلات، وقد بدأت هذه الجهود تؤتي أكلها؛ حيث انخفضت نسبة المسلمين من 97% إلى 85%، فوقعت كثير من المناطق في قبضة التنصيريين … ) . سوف نخصص المقالات الثلاث القادمة من هذه السلسلة لاستعراض برنامج الرحلة إلى إندونيسيا بمشيئة الله .

إلى الأعلى